:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » أسباب تخلف الآشوريين البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1858 – 1915)أبرم شبيرا

أبرم شبيرا
قرن من التخلف:
———–
هذا الموضوع كتبه البرفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت بتاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1914  ونشره باللغة التركية والأرمنية في مجلته المعروفة (المرشد الآشوري)  ثم ترجم إلى الإنكليزية ونشر في بعض المجلات الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية وقام الأستاذ توماس بيت عبدالله بضمه في كتاب عن المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي والمعنون (أسطورة أشوري أمريكي في كتاب جديد) الذي عرضناه وكتبنا عنه ونشر في موقع عنكاوة. فعلى الرغم من أن الموضوع  هو للبروفسور الشهيد إلا أن الإستاذ توماس ضمه في هذا الكتاب لكون المفكر القومي ديفيد بيرلي قد علق عليه وكان يعزه إيما إعتزاز لكونه معلمه في الفكر القومي الآشوري. ومن جانبنا رأينا بأن الموضوع رغم أنه كتب قبل مائة سنة ونيف إلا أن له أهمية قصوى في أيامنا هذه لأن نفس الأسباب التي كانت وراء تخلف الآشوريين لا زالت تنهش في جسم الأمة وتجعلها من الأمم المتخلفة، على الأقل من الناحية القومية والسياسية. مائة عام ونيف لم يتعلم الآشوريون من تاريخها ولايزال يتعثرون بها في مسيرتهم القومية ومن لا يتعلم من التاريخ فمن المؤكد سيقع في نفس الأخطاء وقد سبق وقلنا من يتعثر بحجر مرتين هو جاهل.

سطور ذهبية في حياة البرفسور الشهيد:

———————–

لمن لا يعرف هذا الشهيد أو ينكر أصله وفكره القومي وإستشهاده في سبيل أمته نقول بأنه ولد في عام 1858 في هربوت، المنطقة التي تشكل الضلع الثالث لمثلث الفكر القومي الآشوري إلى جانب مديات وطور عبدين في تركياـ ولد بهذا التاريخ وفي هذه المنطقة التي لم يصلها الإنكليز لكي يطلقوا عليهم التسمية الآشورية. لقد عمد السيد يوسف بيت هربوت أبنه بأسم آشور في تلك السنة إعتزازا بأصله وإفتخاراً بالحضارة التي كانت ينتمي إليها. تعلم الشهيد في الكلية التعليمية المركزية التركية فكان مثقفا وشاعراً وناشراً ومتميزا في كونه قومياً آشورياً. وعمل كأستاذ إستاذا للأدب في كلية الفرات في أسطنبول. أصدر صحيفته المعروف بـ (المرشد الآثوري) لمدة ستة سنوات ولم تتوقف إلا بإستشهاده. وأستحق فعلاً لقب رائد الصحافة الآشورية. أعتقلته السلطات التركية عام 1915 مع برصوم بيرلي والد المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي وزج بهما في السجن بسبب مواقفهم القومية وتحركاتهم السياسية فتم إعدامهما في السجن. ومن هناك كان الشهيد يراسل أخيه وفي أحدى رسائله يقول (أنتهز هذه الفرصة لكي أكتب إليكم رسالتي الأخيرة وأعلم بعد مغادرتنا لهذا المكان سيتم تقطيعنا إلى قطع صغيرة…. لا تقلق على موتي يا أخي فأنها مشيئة الله وأنا ذاهب إلى السماء لحماية حقوق الآشوريين في حضور أكبر…).
كان الشهيد ثاقب النظر، عميق الفكر، واسع التصور، يملك قوة فكرية كبيرة في تحليل الأوضاع ومعرفة الظروف السياسية والإجتماعية والفكرية الدينية التي كانت تحيط بأمته في تلك الفترة، وهذا الموضوع في أسباب تخلف الآشوريين واحد من المواضيع المهمة التي كتبها بنظرة ثاقبة عن أساب تأخر الآشوريين. وهذه ترجمة بالعربية من الإنكليزية من الكتاب أعلاه وبشكل عام، وغير حرفي، مع بياني لبعض التعليقات والتضيحات إذا أستوجب سياق الكلام والتي سأضعها بين قوسين.

أسباب تخلف الآشوريين:

————–
إذا رغبنا أن نعطي جواب لهذه المشكلة نستطيع القول كلمة واحدة … الجهل!! ولكن بالمقابل فأن هذا الجهل هو نتيجة لعدد من الأسباب المختلفة، منها:
الأول: السبب الرئيسي للوضع الحالي المتخلف للإشوريين هو قديم ومصدره تاريخي. وحتى نفهم هذا الوضع علينا أن ننبش في الماضي السحيق. لم يكن الآشوريون في الماضي شعب مثقف ومتمدن فحسب بل كانوا ناقلي الحضارة والثقافة إلى الشعوب والبلدان الأخرى كفلسطين ومصر واليونان وروما. فمند الأيام الأولى للعهد المسيحي نشروا نور المسيحية في الشرق من شواطئ البحر المتوسط إلى الهند والصين ومن سوريا إلى بحر القزوين وسمرقند وأرسلوا المفكرين والأطباء والمترجمين لتعليم وتثقيف العرب والأرمن واليونانيين وحتى اليهود….. على العموم يمكن القول بأن تقدم الشعوب وفسادها ليست نتيجة يوم واحد أو سنة واحدة بل نتيجة سنين وقرون طويلة. فالأشوريون فقدوا رابطة الجأش وقدرة السيطرة على الأمور بسبب العزلة وهذا السبب كان بالأساس سياسي في طبيعته. فمنذ أن فقد الآشوريون إستقلالهم ولم يعدوا كأمة مهيمنة خصعوا إلى القوى الحاكمة الإستبدادية والظالمة والتي وصفها النبي إرميا بالقوة المرعبة في رسائله النبوئية. (أي بعهذا المعنى الواضح أن سبب تخلف الآشوريين هو خضوعهم للقوى والأنظمة الحاكمة الإستبداية وهذا هو عين الحقيقة منذ القدم وحتى يومنا هذا).

الثاني: السبب الثاني لتخلف الآشوريين هو سبب داخلي، أي النزاع الطائفي في الكنيسة. فالعائق أمام تقدم الآشوريين لم يكن تحديات من الخارج أكثر مما كانت من الداخل كالصراعات العقائدية والطائفية مثل المنوفستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعة واحده) و ديوفيستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعتين) فهذا النزاع سبب إنقساماً روحياً وقومياً في الشعب الذي وصل إلى درجة إراقة الدماء وإنقسام دائمي في الأمة. هذا الشقاق سبب إستنزاف الطاقة المادية والمعنوية للأمة ودمر مصادر التنوير، أي المؤسسات التعليمية الواعدة. واحسرتاه !!! وحتى في هذا اليوم فالآشوريون لا يزال معروفين بأسماء مختلفة  مثل النساطرة واليعاقبة والكلدان وأسماء أخرى … (ما أشبه البارحة باليوم…. أليس إختلافنا وعدم إتفاقنا على تسمية قومية موحدة سبباً لتخلفنا السياسي وضياع حقوقنا القومية؟؟).

الثالث: السبب الثالث هو فقدان اللغة. فعندما خضعت الأمة إلى حكم إستبدادي وإلى الإضطهادات أعتاد أبناء الأمة التكلم بلغة أجنبية وأهملوا لغتهم وبالتالي فأن اللغة الآشورية أصبحت محصورة فقط بين الآشوريين القاطنين في الجبال وأصبحت بمرور الزمن غير مفهومة للأكثرية. عدد من أبناء الأمة كتبوا مواضيع مختلفة بهذه اللغة التي كانت يتعذر الوصول إليها لذلك أعتبرت من دون فائدة وبالتالي بسبب جهل الناس باعوا هذه الأعمال مقابل قطعة من الفضة. ففي هذا اليوم هناك ألاف المجلدات باللغة الآشورية في متاحف لندن وباريس وروما وبرلين وتعتبر كنوز ثمينة. فالأمة التي كانت ترسل بعثات لتنوير الأمم الأخرى الآن أصبحت هي بحاجة إلى بعثات تنويرية. لقد فشلوا في تهذيب ثقافتهم وحضارتهم التي ترجموها إلى اللغات الأخرى كثقافة أصيلة لهم وبالتالي قاد الأمر إلى نهايتها وإلى أن يأخذ الجهل مكانته وبدرجات رهيبة في أبناء الأمة.

الرابع: السبب الرابع هو الجهل المطبق للأكليريوس، أي رجال الكنيسة، والذي، أي الجهل، سبب للأمة أن يأخذ رجالها إلى نوم عميق. فلو كان رجال الكنيسة متنورين ومتحمسين وعلموا الشعب وأبقوا النور مشتعلاً في قلوبهم وعقولهم، لكن لم يكن الحال هكذا. بل على العكس من هذا، فأن الأكليريوس نفسهم تفوقوا على الشعب في الجهل حيث قادوا الشعب بجهل فأصبحوا في حالة من الإرباك والحيرة وأيضا حيروا وأربكوا الآخرين – كمسألة الأعمى يقود الأعمى وكلاهما يغوص في هاوية الجهل. لهذا فالأمة التي أعطت النور والتنوير للأخرين قادت نفسها إلى ظلام كامل.

الخامس: السبب الخامس هو أهمية الكنيسة. ويمكن القول هذا كنتيجة طبيعية للأسباب السابقة الذكر. الكنيسة كانت منصة للإنطلاق وسلوان الشعب ومصدر لشعاع سماوي ومنقذ الروح. فالكنيسة التي كانت تلهم الحياة الروحية لأبناء الأمة، الآن لم تعد كذلك بل تخلت عن هذه الميزة. فلم تعد بقادرة على إلهام الحياة وزرع الثقة في الناس. ولم تعد بقادرة على أن تميز نفسها كمصدر للإلتزامات السامية لقيادة الناس نحو العمل وإلهامهم نحو متابعة القيم المسيحية المثالية في الحياة. لماذا؟ لأن قادة الكنيسة  – الأكليريوس – لم يعدوا واعين عن مهماتهم السامية.

السادس: السبب السادس يتعلق بالعائلة والمدارس. فهاتان المؤسسات لهم دور مهم ليلعبوه في تطور أية أمة والتي تكمل بعضها للبعض ولكن كلا المؤسستين يفتقرون إلى وعي بمهماتهما الرفيعة. فلا العائلة ولا المدارس القومية كانا قادرين على تزويد الأمة برجال مهمين وذو عقول ومستعدون للعمل. وحتى إذا ألتقينا في بعض الأحيان ببعض الأفراد المتعلمين والمنتشرين هنا وهناك والذين يشكلون موضوع فخر وإعتزاز للأمة فأنهم ليسوا من نتاج أمتنا بل النظام التعليمي الأجنبي.

السابع: البيئة تشكل السبب السابع لتخلف الأمة. فكما هو الحال مع الأفراد كذلك في حياة وخصائص الشعوب فللبيئة تأثير كبير أيضاً. فأي واحد يكون محاطاً بأشخاص متنورين ومتعلمين فمن المؤكد سيخضع لتأثير إيجابي وصحي. ونفس الشخص بالنسبة للشخص الذي يعيش في بيئة سيئة سيخضع لبيئة غير صحية وسلبية. فمكان – موطن – الآشوريين لم يكن لصالح تهذيب وتصقيل وتطوير ثقافتهم. فالقبائل والشعوب التي أحاطوا بهم كانوا جهلة ومتخلفين أيضاً. فلو عاش الآشوريون في قسم متحضر من العالم فمن المؤكد بأنهم كانوا قد تأثروا بمثل هذه البيئة. فلو كان مركز السلطة الكنسية في بيروت أو في مدينة مثل لندن بدلا من ماردين (الذي هو محاط بأجناس متخلفة وجاهلة) فكان تأثيرها مختلف ولكانت قد فكرت بشكل مختلف وأنها لكانت قد وظفت مناهج مختلفة لتطوير الناس تحت سلطاتها.

الثامن: السبب الثامن والأخير هو غياب القيم والأهداف المثالية والمهمة. قيل بأن الإنسان هو نتاج تفكيره وهذا موضوع غير قابل للجدال. قبل أن يُعبر الإنسان عن نفسه ويعمل فأنه يفكر أولاً ثم بم فكر سوف يعمل. فالفكر هو مخطط للعمل وبتنفيذ هذا العمل سوف يتحول إلى عادة وهذه العادات تتجمع في شخصية الإنسان لتوجه حياته وقدره. مرة أخرى قيل بأن قدر ومصير أي إنسان يعتمد على تلك الأفكار التي تهيمن على تفكير الإنسان أو العقلية الجماعية للشعب التي تجعل منه أمة. لذلك ففي مجال الحياة فإن تخلف أي أشخاص أو شعوب هو نتيجة غياب القيم المثالية الصالحة عنهم.

ولتلخيص ذلك أود أن أقترح، أن تحقيق التطور الثقافي والتقدم بين الآشوريين، كأفراد أو كشعب فأنه من الضروري أن يكون لهم أعلى القيم في الحياة والعمل لجعها متميزة . ولتحقيق هذا الهدف يجب على العوائل إنجاب أربعة أطفال يحملون القيم والصفات المسيحية والقومية التي ستخدم الأمة. وعلى المدارس أن تخرج قادة. وعلى الكنيسة ورجالها يجب إحياء وإنعاش الوعظ أو التبشير الميت مع لغة متقدة وبرسالة ملهمة ورائعة جداً تمجد حياة الروح. وعجلة الصحافة يجب أن تقوم بصقل صحافتنا وكتبنا لغرض ترقية الحياة الروحية والقومية للآشوريين. لندع العائلة والكنيسة والمدرسة والصحافة أن تتوحد في هذه الروحية والتناسق لغرض تقديم خدمة متبادلة، بهذا فقط هذا التخلف في الأمة الذي ركب رحلة التنوير الذاتي سوف يحقق القيم السامية في حياة الأمة والتي يستوجب متابعتها.

ملاحظات:
——-
أود هنا أن أبين الملاحظات التالية:
1.   البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت كغيره من رواد الفكر القومي الآشوري كانوا من أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكانو علناً وصراحة يعلون تسميتهم القومية الآشورية معتبرين التسميات الأخرى كطوائف وهو النهج الذي سار في الحركة القومية الآشورية.
2.   حديث البروفسور الشهيد عن جهل الأمة وتخلفها ليس القصد منها تخلفها في الشأن الثقافي والإجتماعي والإقتصادي وإنما هو تخلف في الشأن القومي والسياسي. ففي تلك الفترة كانت مناطق مثل طور عبدين وماردين ومديات وأورمي ومناطق سهل نينوى تعج برجال مثقفين ومتعلمين ولكن حتى هذا اليوم نرى بأن هناك جهل وتخلف في الوعي القومي والسياسي والنظيمي ليس بين أفراد الأمة بل حتى بين السياسيين وأحزابهم ومنظماتهم، وهو موضوع سنعالجه في مناسبة قادمة.
3.   الأمة المتخلفة والجاهلة ليست المجردة من العلم والمعرفة بل هي الأمة التي لا تعرف مصلحتها العامة. فأبناء الأمة وتنظيماتهم الذين لا يعرفون المصلحة القومية ولا يطبقونها فهي أمة جاهلة ومتخلفة  وحتى إذا عرفت المصلحة القومية المشتركة وكثرت الحديث، كما نفعل اليوم فإن قمة التخلف سوف يتمثل في العجز، بقصد أو غير قصد، عن العمل وتحقيق هذه المصلحة القومية العليا.
4.   وأخيراً يبقى على القارئ اللبيب مقارنة أسباب تخلف الآشوريين قبل مائة سنة ونيف بأسباب تخلفهم في هذه الأيام من الناحية السياسية والقومية والتنظيمية  وإستنتاج ما هو مفيد لوعينا القومي وحركتنا القومية كسبيل لتحقيق المصلحة القومية العليا.

اكتب تعليق

© 2017 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی