:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » الايزيدية: ديانة عراقية- شرق أوسطية قديمة-خليل جندي

خليل جندي

الايزيدية: ديانة عراقية- شرق أوسطية قديمة
صدر هذا العام عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع وتحت العنوان أعلاه للمفكر العراقي بروفيسور دكتور كاظم حبيب. يقع الكتاب في 445 صفحة يغطي فترات محرجة من تاريخ الايزيدية وتاريخهم. وقد قام الأخ والكاتب المبدع صباح كنجي بعرض وافي ومشوق للكتاب من على موقع بحزاني نيت، وهنا لا أرى ضرورة عرض الكتاب مرة ثانية وإنما مكتفياً بعرض الأخ الكاتب صباح كنجي. أود هنا أن أضع أمام أنظار القارئات الكريمات والقراء الكرام المقدمة التي كتبتها للكتاب أعلاه بطلب من الأخ الدكتور كاظم حبيب، حيث كنت حينها رئيساً لبعثة/سفارة جمهورية العراق في هانوي. جاء فيها:

مقدمة الطبعة الرابعة
طالب الحقيقة
دكتور كاظم حبيب

مرة أخرى يتجدد وقوفنا أمام صرح شامخ من الصروح العلمية للباحث والمفكر الدكتور كاظم حبيب، فبعد نفاذ كتابه “الإيزيدية ديانة قديمة تقاوم نوائب الزمان” بطبعاته الثلاث من الأسواق، الأولى من دار الحكمة-لندن 2003، الثانية من دار آراس-أربيل 2003 أيضاً، والثالثة من مؤسسة حمدي للطباعة والنشر-السليمانية 2007، فقد قام الباحث باعداد كتاب موسوم “الإيزيدية ديانة عراقية- شرق أوسطية قديمة” كطبعة منقحة وموسعة تأسيساً على الطبعات الثلاث الأولى مع تغطية للفترات التاريخية التي مرّ بها الايزيديون ورفدها بمستجدات ما بعد اجتياح عصابات (داعش) المجرمة لمحافظة نينوى في 10/حزيران/2014 وقيامهم بعمليات التطهير العرقي والابادة الجماعية للايزيديين وسبي نسائهم وبيعهن في سوق النخاسة وذلك من خلال أربعة فصول إضافية (أوضاع الإيزيديين في العهود الإسلامية، الإيزيديون بالعراق الحديث، أوضاع أتباع الديانة الإيزيدية في عراق الجمهورية الخامسة، العمليات العدوانية للتنظيمات الإرهابية قبل اجتياح داعش لمدينة الموصل وعموم محافظة نينوى، مؤتمر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين). وكان مكان فخر أن يطلب مني أخي الدكتور كاظم بكتابة مقدمة للطبعة الرابعة من هذا الأثر الكبير الذي هو بين أيدينا، مع قناعتي بأني مهما أكتب وأوصف فربما تكون كلماتي قاصرة تجاه هذا البحث الشامل والمتكامل من جميع الجوانب، وأسمح لنفسي أن اطلق عليه “انسكلوبيديا دكتور كاظم حول الايزيدية” وهو المفكر والعالم الذي يؤكد من خلال أدواته العلمية بأن دراسته في طبعتها الرابعة، وهو على حق ونتفق معه “هي محاولة للتيقن من صحة الفرضية أو الموضوعة التي طرحها في هذه الدراسة حول أصل الديانة الإيزيدية. وسيكون مهماً جداً توسيع البحث لاحقاً ليشمل بعض الأديان الأخرى التي كانت وما تزال قائمة بالعراق”. إلاّ أن محاولة تيقن الأخ الباحث من صحة فرضيته التي طرحها في توغل الدين الايزيدي في القدم وكونه ديناً عراقياً ميسوبوتامياً وشرق أوسطياً لا يهدأ من باله، انما تدفعه الحاجة الانسانية التي بداخله الى الدفاع وإزالة التشويهات والأخطاء الفادحة عن هذا الدين، ويقول بأن عليه ” كناشط في مجال حقوق الإنسان وكأمين عام التجمع العربي لنصرة القضية الكردية ورئيس الهيئة الاستشارية لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب بالعراق” أن يتحرى عن الحقيقة وأن يشارك في الكشف عنها, ويرد التهم البائسة عن هذه الجماعة الدينية التي يفترض أن يعتزوا بمواطنتهم في إطار العراق الديمقراطي الاتحادي التعددي الذي يرجوه ويسعى إليه ولم يتحقق بعد. ويرى الأخ الدكتور حبيب ، ونحن وجميع مناصري حقوق الانسان نضم صوتنا الى صوته ، من حيث أن هناك الـ “حاجة الماسة جداً والآنية إلى قيام الدولة العراقية والحكومة العراقية ومجلس النواب العراقي والمراجع الدينية الشيعية والمؤسسات الدينية السنية باسم العراق وباسم كل المسلمات والمسلمين تقديم اعتذار عام وشامل إلى شيوخ وأتباع الديانة الإيزيدية عن كل ما حصل بحق أتباع هذه الديانة السمحاء بغض النظر عن تصورات كل منا ومواقفه وتقديره لطبيعة ومضمون هذه الديانة العريقة جدا في القدم وفي هذه المنطقة من العالم, في بلاد ما بين النهرين(…) كما يفترض أن نطالب الدولة التركية، وهي الوريث الشرعي للدولة العثمانية، أن تعترف بتلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق الإيزيديين على امتداد عمر الدول العثمانية ومنحهم التعويض المناسب لا للمعاناة التي تحملها أسلافهم فحسب، بل وللخسائر المادية التي ألحقت بهم أيضاً”. رغم أن مثل هذه الجرائم لا يمكن ولا يجوز نسيانها ولا يمكن أي اعتذار أن يمسحها من الذاكرة كما يقولها الدكتور داعية السلام وحقوق الانسان. هنا نحن أمام مفكر كبير وحكيم ومصلح اجتماعي ومدعي عام وكأنه يقف بشموخ على خشبة محكمة لاهاي رافعاً صوت المظلومين مدافعاً عن حقوقهم في العيش بكرامة ومساواة مع بقية الناس يحتفظون بهويتهم وعقيدتهم الدينية بدون اكراه. 
وفي الجانب العلمي الذي تم تأسيس البحث عليه، فإن الأخ الدكتور- باعتقادي- يتخطى ما قاله الفيلسوف “فريدريك نيتشه” فهو (أي دكتور حبيب) لم يكن طالب حقيقة مخلص وحسب، بل رصد هذا الاخلاص من خلال الابحار بين كم هائل من المراجع والمصادر والآراء المتناقضة والمتقاطعة وتعامل معها بميزان التحليل والمنطق وبدون تردد الى ان وصل الى درجة الحكمة والكمال وأعلن عن يقينه بصوت عال ” من صحة فرضيته التي طرحها حول أصل الديانة الايزيدية وتوغله في القدم وكونه ديناً عراقياً ميسوبوتامياً وشرق أوسطياً…” 
ان هذا الأثر الكبير “انسكلوبيديا دكتور كاظم حول الايزيدية” ليس فقط يحتل مكانة مهمة ومتميزة في المكتبة العربية والاسلامية، وانما هو نداء الى بنات وأبناء العراق الجديد والى مشرعي الدستور والقوانين العراقية لانصاف أتباع هذه الديانة، وحيث “إن لكل إنسان الحق الكامل في اعتناق أو الاعتقاد والإيمان بأي دين كان، وله الحق في ممارسة طقوسه وتقاليده دون قيد أو شرط..”، ونداء للمتعصبين والمتطرفين الاسلاميين أن يراجعوا أنفسهم ويعترفوا بوجود الأديان والمعتقدات الأخرى ويحترموا أتباعهم. وهي صرخة لضمير العالم والانسانية أن يقفوا مع أتباع الديانة الايزيدية وغيرهم من أجل ايقاف حملة الابادة والتطهير ضدهم من قبل عصابات (داعش). وأخيرا وليس آخراً فأن هذا الأثر هو انتصار للنهج العلمي في البحث وتقصي الحقائق والتجرد من التعصب القومي والديني أو أي موقف فكري متزمت. 
ان الاشارة الى بعض فقرات المقدمة التي كتبتها للطبعة الأولى لكتاب الأخ الدكتور حبيب لعام 2003 لا تخلو باعتقادي من فائدة، حيث تم الاشارة فيها الى مؤلف الأستاذ الطيب الذكر جورج حبيب، المنتمي إلى الديانة المسيحية والموسوم: “اليزيدية بقايا دين قديم” بغداد 1978، الذي كان فاتحة الدراسات العلمية المقارنة والجريئة حول الإيزيدية. الجريئة لأن نظام البعث الحاكم بالعراق حينئذ كان يعمل من أجل محو الهوية الدينية الإيزيدية وسلخها من انتمائها القومي والديني. فجاء إصدار ذلك البحث العلمي القيّم ومن قلب العاصمة بغداد تحدياً علمياً بوجه الفكر الشوفيني لذلك النظام. ولم ننسى بعض الكتابات القيمة التي نشرت عن الإيزيدية من قبل باحثين عرب نهاية التسعينات في أوربا, على سبيل المثال د. رشيد البندر في جريدة الحياة.
وبعد مرور 37 عاماً على صدور ذلك المؤلف”‎: “اليزيدية بقايا دين قديم” الذي أضاء زاوية من زوايا المكتبة العربية والإسلامية، فإننا نقف اليوم مرة أخرى أمام بحث أكثر رصانة وشموخاً من عالم ومفكر عربي معروف ليس على الساحة العربية فحسب, بل وعلى الساحة الدولية هو البروفيسور دكتور كاظم حبيب.
لقد أسس دكتور حبيب بحثه على منهجية جديدة، منهجية علمية- تاريخية – اجتماعية-حقوقية مضيفاً إليها بعداً إنسانياً. وإذا كانت الجرأة الفكرية التي عبّر عنها جورج حبيب في بحثه المذكور أنفاً في وجه النظام الشوفيني الحاكم بالعراق آنذاك، فإن بحث الأخ الدكتور حبيب هو موقف عراقي عربي إنساني وعالمي في غاية الأهمية، خاصة وأن الايزيديون والمسيحيون والشبك والصابئة المندائيون ومكونات أخرى تتعرض الى عمليات تطهير وابادة جماعية، واقلاع من الارض، والعودة الى عصر الغزوات وسبي النساء وأخذ الجزية من قبل ما تسمى بتنظيم دولة الاسلام في الشام والعراق (داعش). وبات هذا الوليد الوحشي الذي انجبته ثورات ما أطلقت عليها ثورات الربيع العربي، لا يهدد المكونات الدينية المذكورة آنفاً وحسب بل بات يهدد العالم باسره. وأمام المستجدات الجديدة من ظهور (داعش) وأخواتها وما تعرض له الايزيديون على أيديهم من قتل ودمار وسلب وسبي أي ابادة جماعية مع سبق الاصرار، اصابته بالعمق وتركت آثاراً مدمرة على نفسية وتكوين الفرد والمجتمع الايزيدي في العراق وبقية بلدان تواجد الايزيدية وخلقت مرحلة جديدة تماما سوف لا تلتئم جروحها لعقود وأجيال قادمة، واعتقد أن المجتمع الايزيدي وخاصة في العراق سوف يفتقد تماسكة ولن يبق مثلما كان قبل تاريخ 3/8/2014 كونه فقد الثقة بقيادته الدينية والدنيوية وبجيرانه وبتلك القوى والأحزاب الكردية التي تركه فريسة سهلة لقوى الظلام وأعداء البشرية من عصابات (داعش). وأن الأفكار المطروحة من قبل الأخ الباحث من أجل ايقاف هذه الابادة ومعالجة آثارها هي في غاية الأهمية وقمة الانسانية، ولكن السؤال: هل بالامكان تطبيق ولو جزء يسير من تلك المطالب على أرض الواقع؟ أرى شخصياً صعوبة تحقيق ذلك على المدى القريب على الأقل. ان السؤال الأهم هو: هل ان المنظمات الارهابية (داعش) والقاعدة وبقية الأسماء من الجماعات والمنظمات التكفيرية هبطت على هذه الشعوب من السماء؟ نفترض بانه تم طرد الدواعش وقضي عليهم في العراق على سبيل المثال، ماذا سيكون بعد (داعش) وكيف يتم التعامل مع الأسباب التي أوجدتها؟ هل نتصور أن ينجح الشعب العراقي من تغيير فقرة في دستوره يقر بفصل الدين عن الدولة وبدولة المواطنة بغض النظر عن القومية والدين والجنس واللون، دولة ومجتمعاً ينبذ العنف ويؤمن ان لكل إنسان الحق الكامل في اعتناق أو الاعتقاد والإيمان بأي دين كان وله الحق في ممارسة طقوسه وتقاليده دون قيد أو شرط، ويعترف بوجود الأديان والمعتقدات الأخرى ويحترم أتباعها؟ وبعدها هل سيتم مراجعة كاملة وشاملة للمناهج التعليمية وبنائها على أسس علمية ومبادئ المواطنة والمساواة والديمقراطية والسلام وحقوق الانسان ابتداءً من الروضة والمدارس وانتهاءً بالجامعات؟.
وما دام البشر هم حملة الفكر الديني ومنفذو أوامره وأدوات انتشاره، فأن من المنطق إفساح المجال للعقل (الفكر) أن يحقق رسالته ويعالج الأمور بنظرة شمولية يحاول الإفادة من كل معطيات العلم، وأن يقيم ما يمكن إقامته من علاقات وروابط بينهما وبين عالم الواقع، بمعنى أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً أمام كل الأديان كي تتسنى لها مواكبة العصر، وتأدية رسالتها التي تنادي بها في محاربة الاستغلال والظلم والدعوة إلى المحبة والتسامح الديني والاعتراف المتبادل والعدالة ونبذ العنف والقتل والهيمنة وفرض الرأي …الخ.
ولا عجب أن يلجأ الإنسان أحياناً إلى المثل الأعلى القديم ليجد راحته النفسية بسبب قيم تربى عليها، إلا أن فرض المثل القديمة بالإكراه ما هو إلا نتيجة خلل في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي المهيمن وهروب من الواقع المعاصر وأمر باعتقال العقل كي لا يؤدي وظيفته ورسالته الفكرية الإبداعية.
إن الذين آمنوا بالمعرفة الإنسانية وحدها وجعلوا من الطبيعة ميداناً لمصدر معرفتهم المبنية على التجربة والاستقصاء والنظرة النقدية ضمن مناهج علمية، هم الذين تقدموا وساهموا ببناء الفكر الحضاري. 
يؤسس العقل معرفته على التجربة ويرفض الكثير من المسلمات السابقة ولا يقر بوجود مناطق محرمة لا يجوز الدخول إليها لإنجاز رسالته الفكرية. وكَشَفَ العقل بواسطة التجربة عن سطحية، بل وزيف الكثير من المعطيات التي كانت تعتبر مقدسة بنظر العديد من الشعوب. هكذا قرأت هذا الكتاب, وكانت مهمة تكليفي من قبل البروفيسور كاظم حبيب بكتابة مقدمة لبحثه باعتباري أحد أبناء الإيزيدية والمهتمين بشأنه حقاً مهمة صعبة، فمهما قلت من كلام هو قليل بحق بحثه الرصين وموقفه الإنساني،
وهو بعمله هذا يُغني المكتبة العربية والإسلامية بمصدر هام لا يمكن الاستغناء عنه. ولا يسعني في النهاية إلا أن أقدم تمنياتي وتمنيات جميع أبناء الإيزيدية إلى الأستاذ العزيز كاظم حبيب بالصحة والعمر المديد والإنتاج الغزير في الميدان العلمي والإنساني.

فيتنام/ هانوي في 27/5/2015
خليل جندي

اكتب تعليق

© 2017 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی