:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » فيتنام: التاريخ، العرق والتنوع الثقافي ترجمة وإعداد: د. خليل جندي

 د. خليل جندي
الحلقة الأولى (1-2)
البحث عبارة عن ترجمة لمقتطفات من محاضرة ألقيت باللغة الانكليزية من قبل الإستاذة المشاركة، الدكتورة Nguyen Thi Hien الباحثة والمدربة، نائبة مدير المعهد الوطني الفيتنامي للدراسات الثقافية والفنية (وزارة الثقافة والرياضة والسياحة). وذلك في قاعة الضيافة بوزارة الخارجية الفيتنامية بتاريخ 18/5/2015 لرؤوساء السلك الدبلوماسي في هانوي، حيث كنت من المدعويين والمشاركين فيها.
وقد هدفت المحاضرة بشكل رئيسي إلى التفاهم والمعرفة المتبادلة للتنوع الثقافي والعرقي واللغوي والديني في فيتنام، وشملت المحاضرة جزأين:
1. مقدمة عن فيتنام.
2. التنوع الثقافي.
(ملاحظة: تقديم هاتين الحلقتين هو جزء من حبي ووفائي للشعب الفيتنامي الصديق والمناضل من أجل الحرية والتقدم والإزدهار.)

مقدمة عن فيتنام: التاريخ، الجغرافيا والسكان
تاريخ فيتنام
لقد سكن الانسان فيتنام منذ العصر الحجري القديم، حيث تفيد التقارير بأن بعض المواقع الأثرية في محافظة (ثانه هوا Thanh Hoa ) تعود تاريخها إلى عدة آلاف من السنين. ويريط علماء الآثار بدايات الحضارة الفيتنامية إلى أواخر العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي المبكر، وثقافة (فونغ نغوين Vuong guyen)، التي كانت تركز في محافظة (فو ثو Phu Tho) للفترة الواقعة بين أعوام (2000-1400 قبل الميلاد). وحوالي عام 1200 قبل الميلاد، أدى تطوير زراعة الأرز الرطب وصب البرونز في نهر (ما Ma ) وسهول النهر الأحمر إلى تنمية ثقافة (دونغ سون Dong Son)، ويلاحظ ذلك في طبولها البرونزية المتطورة.
وفق التقاليد الفيتنامية القديمة، كان مؤسس الأمة الفيتنامية هم ملوك هونغ (Hung)، وكان الحاكم الأول للمملكة هو (فان لانغ Van Lang). والملك هونغ الابن الأكبر من (لاك لونغ كوان) (لاك التنين الرب Lac Dragon Lord). سلالة حاكم هونغ، التي حكمت (فان لانغ) مدة ثمانية عشر جيلاً وفقا لتقاليد التاريخ السردي، يربطها العلماء الفيتناميين مع ثقافة دونغ سون. الجانب الهام من هذه الثقافة الذي برز بحلول القرن السادس قبل الميلاد، كان مدّ شبكات الري من خلال نظام متطور من القنوات والسدود.
أطيح بالملك هونغ الأخير في القرن الثالث قبل الميلاد من قبل (آن دونغ فونغ An Duong Vuong)، حاكم مملكة توك (Thuc) المجاورة. وتوحدت (آن دونغ فونغ فان لانغ) مع (توك) لتشكيل (أو لاك Au Lac)، وبناء عاصمتها وقلعتها في (كو لوا Co Loa)، الواقعة على بعد خمسة وثلاثين كيلومتراً إلى الشمال من هانوي.
من عام (211-938م.) أحتل الجزء الشمالي التي يعرف الآن بفيتنام من قبل حكام السلالات الصينية. الرواية الشعبية الفيتنامية هي قصة الكفاح ضد الصينيين من أجل الاستقلال. وبعد أن تم طرد الصينيين، هزم (نغو كوين Ngo Quyen) مجموعة من الرؤساء المحليين المنافسين له، وسعى إلى تحديد حكمه مع الملكية التقليدية الفيتنامية. خلال هذه الألفية، مارست التكنولوجيا والثقافة والمفاهيم السياسية والدينية الصينية تأثيراً عميقاً على فيتنام. وفي السنوات الأخيرة بدأ علماء الآثار والمؤرخون الفيتناميون يؤكدون على أن جذور الأمة الفيتنامية التي سبقت التأثر بالثقافية الصينية قليلا، تعود إلى الهند.
وُجدت هذه الجذور في ثقافة دونغ سون من خلال طبولها البرونزية الشهيرة، وغالبا ما تصور بأنها غريبة عن الحضارة الصينية وتشبه الثقافة المادية لبعض الجماعات العرقية الأصلية (كورديليرا آن نام Annam Cordillera) في المرتفعات الوسطى لفيتنام. على الرغم من أنْه تم العثور على هذه الطبول البرونزية في جميع أنحاء البر الرئيسي وجزر جنوب شرق آسيا، من يوننان في الصين إلى تيمور، فإن الروايات التاريخية الفيتنامية الآن تتلائم مع ثقافة دونغ سون الفيتنامية البدائية. وعندما أستقلت فيتنام أخيراً عن الصين، حاولت السلالات المتعاقبة من لي (1009-1225)، تران (1225-1400)، ولو (1428-1786) إلى تهدئة حدودها مع الصين.
خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بقي الشمال والجنوب الفيتنامي منفصلين عن بعضهما سياسيا. ففي الجزء الشمالي من البلاد، حكمت سلالة (لي Le) من قبل لوردات (ترينه Trinh lords)، بينما في الجنوب سيطر اللوردات (نغوين Nguyen) على مجال منفصل مع الاعتراف الرسمي بأباطرة (لي Le). بعد إعادة توحيد البلاد من خلال انتفاضة تاي سون (1786) و “الاستعادة” اللاحقة لسلالة نغوين الذي اعتلى العرش منذ عام 1802 حيث أطلق على نفسه الإمبراطور جيا لونغ (Emperor Gia Long). فإنّ (جيا) هو لـ (جيا دينهGia Dịnh)، الاسم القديم لـ (سايغون) و (لونغ) هو (تانغ لونغ)، الاسم القديم لهانوي. لذا، فقد قصد جيا لونغ إلى توحيد البلاد. واستمر عهد اسرة نغوين حتى تنازل الامبراطور (باو داي) في عام 1945.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ضمت فرنسا لأول مرة في الجزء الجنوبي لفيتنام، كوشين الصين، باعتبارها مستعمرة وفرضت الحماية على أننام وتونكين، والأجزاء الوسطى والشمالية لفيتنام، وترك رسميا سلالة نغوين وكبار البيروقراطيين لها سلمياً. أصبحت الحدود الغربية لفيتنام مع لاوس وكمبوديا ثابتة تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، ما خلق فضاءًا سياسيًا لحركة في غرب البلاد من غالبية شعب كينه في المرتفعات، ومن أجل إنشاء دولة قومية حديثة ذات حدود ثابتة تضم مجموعة متنوعة من سكان المرتفعات الذين هم من الأقليات العرقية في فيتنام.
عندما أسفر الكفاح من أجل استقلال فيتنام في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب عصابات ضد الفرنسيين في إطار الحركة الشيوعية فيت منه (Viet Minh)، تم حشد الناس من جميع أنحاء البلاد. وكان الفصل المؤقت للبلاد في عام 1954 على طول خط العرض السابع عشر، وبعد فوز (فيت منه) على الفرنسيين في معركة (ديان بيان فو) واتفاقيات جنيف، رافق هذا التقسيم حركة هائلة من كوادر (فيت منه) إلى الشمال، ومعظم الكاثوليك الى الجنوب. وأدت الاضطرابات الهائلة وتحركات السكان عندما اندلعت حرب الهند الصينية الثانية (المعروفة باسم حرب فيتنام أو الحرب الأمريكية) بين الشمال والجنوب عام 1960، والتي تفاقمت بسبب نشر القوات الامريكية في عام 1965.
مرّ ما يقرب من ثلاثين عاماً منذ ان أعلن (هو شي منهHo Chi Minh) استقلال فيتنام كدولة موحدة في سبتمبر 1945. وفي هذه الأثناء، كان جيلاً كاملاً من الفيتناميين يعانون من انقسام فيتنام، وعرفوا الحرب المستمرة فقط. أحداث نيسان 1975 انتهت ليس الحرب فحسب، بل أعد أيضا وسيلة التوحيد الرسمي للبلاد في العام التالي، عندما تم توحيد الشعب الفيتنامي معا في ظل حكومة مستقلة واحدة للمرة الأولى منذ أكثر من قرن من الزمان.

الجغرافيا والسكان
فيتنام بلد استوائي في البر الرئيسى لجنوب شرق آسيا، يقع ما بين درجة خط العرض 8 و 24 ودرجة خط الطول 102 و 110. تشترك فيتنام إلى الشمال الحدود مع الصين، وإلى الغرب مع لاوس وكمبوديا. شكل خارطة فيتنام الحالي هو بمثابة الحرف S، مع إتصال الدلتا الرئيسية للنهر الأحمر ونهر ميكونغ بواسطة شريط ساحلي ضيق وسلسلة جبال تعرف باسم أنام كورديليرا (ترونغ سون Tuong Son في اللغة الفيتنامية).
يمتاز مناخ فيتنام بوجود الرياح والأمطار الموسمية الاستوائية، مع رطوبة متوسطة تصل إلى 84% على مدار السنة. ومع ذلك، يختلف المناخ اختلافا كبيرا من مكان إلى آخر. يعتبر فصل الشتاء جافاً ويمتد تقريباً من شهر تشرين الثاني إلى شهر نيسان، وتهب الرياح الموسمية عادة من الشمال الشرقي على طول ساحل الصين وعبر خليج تونكين مصاحباً مع نسبة رطوبة كبيرة؛ وبالتالي يعتبر فصل الشتاء جافاً في معظم أنحاء البلاد مقارنة مع موسم الأمطار في الصيف. يتراوح معدل هطول الأمطار السنوي في جميع المناطق من 120 إلى 300 سم. ومتوسط درجة الحرارة السنوية في الشمال هي أعلى عموماً في السهول مما هي عليه في الجبال والهضاب. وتتراوح درجات الحرارة الأدنى بين 5 C10-° C في كانون الاول وكانون الثاني، ويرتفع إلى أكثر من 37 درجة مئوية في شهر مايس وحزيران. ويظهر الفرق في الانقسامات الموسمية أكثر وضوحا في النصف الشمالي مما هي عليه في النصف الجنوبي للبلاد. في بعض الأماكن من المرتفعات الوسطى (مدينة دا لات)، تختلف درجات الحرارة الموسمية بضع درجات فقط، وتكون عادة عند 21– 28 درجة مئوية.
يستغرب الكثير من الناس في ان فيتنام ثاني أكبر بلد من ناحية السكان في جنوب شرق آسيا بعد إندونيسيا، حيث يعيش أكثر من (90) تسعون مليون على مساحة 330000 كيلومتراً مربعاً، وتبلغ مساحة فيتنام مساحة ولاية نيو مكسيكو. وأن نفوس فيتنام البالغ أكثر من 90 مليون نسمة، هو أكبر من نفوس فرنسا، إنجلترا أو إيطاليا. الكثافة السكانية حوالي 230 شخص لكل كيلومتر مربع (مماثلة للكثافة السكانية في المملكة المتحدة)، وهي نسبة مرتفعة بالنسبة لبلد لديه نسبة سكان ريف كبيرة، واقتصاد زراعي. وتمتاز فيتنام بالتنوع السكاني، حيث توجد ثلاثة وخمسين أقلية عرقية تتحدث بأكثر من مائة لغة.
كما يقول التاريخ الشفوي المشار اليه أعلاه، كان مصدر الفيتناميين هو دلتا النهر الأحمر. وتحكي أسطورة (لاك لونغ كوان) و (آو كو) (Au Co و Lac Long Quan) قصة ولادة فيتنام نتيجة الزواج بين عناصر المياه والأراضي. وان دلتا النهر وضعت مائة بيضة، فقست البيوض ونشأت منهم مائة طفل بشري. فأصبح خمسون طفلا لـ (آو كو Au Co) حكام (لاك فيتLac Viet)، المعروفين باسم ملوك هونغ. وينسب الفضل إلى تأسيس (فان لانغ)، أول عوالم فيتنام ما قبل التاريخ الملكي.
في أيام مهرجان ملوك هونغ الرئيسية، تقدم المجتمعات المحلية قرابين عبارة عن عروض من أطباق الأرز الشهية مثل كعك تشونغ (banh chung) وكعك الدبق (banh giay). يشارك الناس في تقديم عروض فنية من التراث الشفهي والشعبي، مع قراءة المناجات والدعاء، والصلاة، والضرب على الطبل البرونزي وغناء الـ Xoan (اسم نوع من الفن). تأتي الأهمية الكبرى للأسطورة الآن في قولها أن كل الجماعات العرقية تنبع من نفس المصدر، مما يدل على الوحدة الوطنية الأساسية للبلد. لذا، فان تقليد تبجيل ملوك هونغ تعبير قوي على الثراء التاريخي والتضامن الوطني الفيتنامي، معربًا بقوة عن تقديس الشعب الفيتنامي لماضي أجدادهم وتراثهم الثقافي النابض بالحياة. وفي عام 2012 أضافت اليونسكو آثار وقصور عبادة ملوك هونغ إلى لائحة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
تتبع الحلقة الثانية

اكتب تعليق

© 2017 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی