:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » الأنتخابات النيابية العراقية 2018 هل ستكون شفافة؟ وما هي شروط القبول بها؟فريد أيار

فريد أيار

يعتقد الكثير من العراقيين أن الأنتخابات العراقية التي ستجري في الشهر الخامس من هذا العام، وهي الرابعة في سلسلة انتخابات مجلس النواب العراقي العراقي، ستكون “مفصلية” بمعنى أن تكون مقدمة لأجراء تغييرات على مستوى الحكم والحكومة وأن العراق سيتحول من دولة فاشلة الى اخرى فيها كل مقومات الدولة الناجحة ويبدأ تطوره مستنداً على نتائجها. ان حقائق الامور ليست كذلك فنتائج الأنتخابات وحدها لا يمكن ان تفعل العجائب وتدفع بالوضع في العراق الى امام دون ان يصاحبها ادراك شعبي يقوم على أسس رفض الأفكار والعادات البالية واعتناق مبادئ اجتماعية متطورة وجديدة تمكن أفراد المجتمع من المشاركة في ادارة عملية التطور بشكل ناجح واللحاق بالدول التي سبقتنا في جميع مضامير الحياة .

يثير الجدل المستمر حالياً عند الحديث عن الأنتخابات المقبلة على بضعة امور اهمها اولاّ “استقلالية مفوضية الأنتخابات ونزاهتها” وثانيا “القانون الأنتخابي الذي سيطبق في الأنتخابات المقبلة وبالخصوص صيغة سانت ليغوالمعدلة لتوزيع مقاعد مجلس النواب الـ 320 ” ، (الـ 9 الباقية هي للمكونات الصغيرة) وثالثا “استعمال التقنيات الالكترونية في عملية التصويت و/او فرز الاصوات ومدى مصداقية النتائج من خلال استعمال هذه الاجهزة .

بالنسبة لمفوضية الأنتخابات نشير إلى أن المجلس الأول للمفوضية الذي انتخبته الأمم المتحدة بالتصويت السري عام 2004 لم يكن تابعاً للأحزاب بل كان 90% من اعضاء مجلسه من المستقلين وكان يتكون من 5 رجال و (3) نساء وممثل عن الأمم المتحدة ، هذا المجلس مثل مكونات الشعب العراقي فكان فيه الشيعي والسني والكردي والمسيحي والتركماني.

المجلس الثاني الذي انتخب عام 2007 من قبل مجلس النواب كان مجلساً متحاصصاً بين أحزاب السلطة وقد تألف من (9) عراقيين منهم سيدتان الا أن الملاحظ أن المقعد المسيحي ألغي وأعطي لأحد الأحزاب الكثيرة العدد أما المجلس الثالث فقد تحاصصته أحزاب السلطة أيضاً مع ابقاء المقعد المسيحي ملغيا وقلل مشاركة المرأة بواحدة.فقط .

مجلس المفوضية الأخير الذي انتخبته لجنة (خبراء!!) من مجلس النواب كان متحاصصاً بين أحزاب السلطة بأمتياز ووضوح تأمين بل وانه فاق أسلافه بأن ألغي المقعد التركماني وأبقى المقعد المسيحي الملغى ملغياً، كما ألغى مقعد المرأة بالتمام وهذه الافعال جميعها مخالفات دستورية ارتكبها مجلس النواب المفروض أن يكون المحافظ والأمين على تطبيق الدستور بحذافيره.

يدلل هذا الأنحدار في تشكيل مجلس المفوضين إلى أن الطبقة السياسية كانت ترغب منذ البداية لوضع كل شيء في العراق تحت أجنحتها لتستطيع ادارة الأمور وفقاً لمصالحها. فمسؤولي الأحزاب والتنظيمات مهوسون بفكرة نيل المزيد من الأصوات وبأية طريقة سواء كانت متطابقة مع مفاهيم الشرف والأخلاق أو معاكسة لها. فالمهم الحصول على المزيد من الأصوات وعلى ممثليهم في مجلس المفوضين “تكليف شرعي” القيام بذلك.

يقابل هوس هذه الأحزاب للآستئثار بالسلطة أن الشعب العراقي، ونسبة الأمية فيه عالية جداً لم يستطع هضم العملية الانتخابية بمعناها الديمقراطي الصحيح بالأضافة لوجود نوع من التحيز نحو المذهب والدين والطائفة والقومية لديه أيضاً، لذلك كنا نرى منذ البداية أنه كان من المبكر اجراء الأنتخابات في العراق عام 2004 ذلك لأن الشعب العراقي لم يكن مهيئاً لقبول فكرة التنافس الحر في انتخابات برلمانية حقيقية، بل وحتى القادة السياسيين الجدد لم يأتوا من السياسة والنقاش والتصويت وبناء التحالفات ، بل وفدوا من السرية والخفاء محاولين الدفاع عن حياتهم وعن تنظيماتهم من دون ان يترددوا في التفكير بالتآمر او ممارسته على من يستهدفهم وهكذا فان هذا الطاقم الوافد الى العراق بعد عام 2003 لم يكن مؤمنا ، ولازال بمبدأ التنافس الحر وقبول الاخر والاخذ بمبدأ التنازل عن السلطة وهذا ما شهدناه في الانتخابات التي جرت عام 2010 في العراق.

وانطلاقاً من هذا الواقع، وهو مرير طبعاً نستطيع القول أن الكثير من أساليب التزوير استعملت وتستعمل في الأنتخابات العراقية ومنها:

– تزوير تقوم به الجهات المسؤولة عن تشريع القوانين الأنتخابية من خلال اصدار قوانين تخدم مصالحها.

– تزوير يجري محطات الأقتراع من خلال اضافة أو شطب الأصوات.

– تزوير تقوم به المفوضية عند أخراج النتائج من خلال التلاعب بالأرقام.

– تزوير تقوم به الأحزاب السياسية المتنافسة من خلال الوعود الكاذبة التي تضعها أمام الناخبين

– استعمال الرموز الدينية ، توزيع اراضي ، توزيع عائدات النفط ، دفع الرشوة للناخبين

– تزوير تقوم به جهات دولية تساهم وتساعد في أجراء العمليات الأنتخابية (الأمم المتحدة).

لذلك يمكن نتساءل ان كان الشارع العراقي لم يعد يثق قيد أنمله بأحزاب السلطة التي يرتبط اسمها دوماً بالفساد والتزوير وهدر المال العام فكيف يمكنه الوثوق بمفوضية انتخابات جاءت من صلب تلك الأحزاب؟ علماً بأن المصداقية التي تنالها المفوضية تشكل احدى الضمانات لتكون الأنتخابات التي تجريها ونتائجها مقبولة لدى الجهات المعنية، وان شرعية المفوضية ومصداقيتها تعتمد بشكل رئيسي على الثقة التي تمنحها إياها الجماهير وعلى كفاءتها ومهنيتها العالية واستقلالها عن السلطات الثلاث.

التصويت والفرز الألكتروني

بالأضافة إلى شكوك المواطنين من قدرة مجلس المفوضية الحالي تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة لكونه تابعا لأحزاب السلطة، فان موضوع التصويت والفرز الألكتروني زاد من هذه الشكوك وبدأت الأسئلة تطرح عن صندوق العد والفرز الألكتروني الذي اشترته المفوضية من شركة كورية وعما اذا كان يفي بمتطلبات عد وفرز الأصوات بشكل صحيح علماً بأن الكثير من المقالات والآراء نشرت وتنشر في مواقع التواصل الأجتماعي تشير إلى امكانات اختراق سرية هذا الصندوق والتلاعب بالنتائج الأنتخابية .

قد يكون الحديث ونشر المقالات حول امكانية التلاعب بنتائج الأنتخابات عند استعمال صندوق العد والفرز الألكتروني مبالغ فيها ولكن كان على مفوضية الأنتخابات قبل اتخاذ قرار شراء ما يقارب من 60 ألف جهاز بمبلغ يقارب الـ 100 مليون دولار أن تأخذ بنظر الأعتبار بأن التقنيات المستحدثة تثير تحديات جديدة بالرغم من أن نظم التصويت والفرز الألكتروني تعود بالفائدة على مسار الأنتخابات وطريقة ادارتها عند توظيفها بطريقة استراتيجية، لذا فمن الأهمية بمكان اتخاذ القرارات المتعلقة بأستخدام تلك التقنيات من مختلف جوانبها، بشفافية وبالتشاور مع مختلف الأفرقاء.

فعند اتخاذ قرار بشراء تقنيات حديثة من الضروري التقيد بمعايير الشفافية والتنافسية لأن مراعاة مبدأ الشفافية والتثبت من سلامة تلك النظم تعزز المصداقية بين أصحاب الشأن الأنتخابي، كالأحزاب السياسية والوسائل الأعلامية ومنظمات المجتمع المدني. هذا عدا عن أن اعتماد التقنيات المذكورة يسهم في إقحام أطراف جدد ومهمين في العملية الأنتخابية، يتولون مسؤولية توفير تلك التقنيات أو التحقق منها أو الاشراف عليها، ونذكر منهم شركات التكنولوجيا، والأوساط الأكاديمية، وخبراء تكنولوجيا المعلومات.

ينبغي أن يسهل التدقيق والتحقق من نتائج الأنتخابات، على نحو يمنح الناخبين وأصحاب الشأن الوسائل الكفيلة بالتأكد من تسجيل أصوات الناخبين بدقة، كما يعتبر اختبار نظم التصويت والفرز الألكترونية، والتثبت منها، باستقلالية اداة ضرورية تستعين بها هيئات ادارة الأنتخابات لضمان دقة تلك النظم، وأمانتها، ومصداقيتها، كذلك يجب وضع “شيفرة المصدر”، أي ما يعرف نوعاً ما بوصف نظام البرمجة الأساسي في متناول الجميع.

في العام 2013، نشرت لجنة التصويت الالكتروني في أستونيا كامل شيفرة المصدر الخاصة ببرمجة خادم التصويت، في خطوة سمحت للمواطنين بفهم نظام التصويت الالكتروني الذي يتبعونه فهما كاملاً، مع أن ذلك يتطلب معارف تقنية واسعة، والأهم من ذلك، أتاحت لخبراء البرمجة المهتمين المساعدة في رصد أوجه الخلل في النظام، والعمل على تحصين أمنه وتعزيز الثقة بقدراته. وبناء على ذلك فأن احد واجبات مفوضية الانتخابات الاساسية نشركل فكرة ممكنة لتحفيز وعي الجماهير لأي تغيرات تطرأ على مسار اليوم الأنتخابي واجراءات التصويت قبل فترة طويلة من حلوله، لا سيما في الحالات التي يجري فيها اعتماد تقنيات حديثة وغير مألوفة في عملية الأنتخاب فمن السهل جداً على المواطنين أن يشككوا بنزاهة العملية الأنتخابية اذا لم يطلعوا على التقنيات المستخدمة في التصويت أو فقدوا ثقتهم بها.

في الواقع، يتاح لأصحاب الشأن الأنتخابي بالطبع تقييم مدى نزاهة شراء تلك التقنيات، وتسجيل أصوات الناخبين، وجدولة نتائج الأنتخابات، عند اطلاعهم على نظم التصويت والفرز الالكترونية كما يتاح للمواطنين والأحزاب السياسية ومراقبي الأنتخابات وسواهم من أصحاب الشأن، تحسين تلك التقنيات وتعزيز الثقة باستخدامها عند اطلاعهم على البيانات المتعلقة بها.

الأنتخابات النيابية المقبلة عام 2018

بعد اختيار أعضاء مجلس المفوضين الجدد قبل نهاية عام 2017 وهم يمثلون أحزاب السلطة وبمخالفة دستورية واضحة أشارت إليها بعثة الأمم المتحدة يونامي في العراق في بيان أصدرته بتاريخ 22/8/2017 أنه وبالإشارة إلى بعض الأحكام الأساسية في قانون المفوضية العليا المستقلة للأنتخابات (القانون رقم 11 لعام 2007) مثل المادة 3 التي تشترط بأعضاء مجلس المفوضين “أن يكونوا من ذوي الإختصاص والخبرة والمشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والأستقلالية مع مراعاة تمثيل النساء” أو المادة 9 التي تقتضي كذلك أن “يراعي في تشكيل المفوضية بما يحقق التوازن في تمثيل مكونات الشعب العراقي”، فان بعثة يونامي تشجع مجلس النواب على ضمان تمثيل المرأة والأقليات في مجلس المفوضين الجديد.

وتابعت: يجب أن “يتماشى تمثيل المرأة والأقليات مع الأحكام الدستورية والأنتخابية ذات الصلة وينسق مع الألتزامات الدولية للعراق وعلاوة على ذلك تعتقد بعثة يونامي أن أختيار مجلس شامل للمفوضين لا يستجيب لتطلعات الملايين من العراقيين فحسب بل سيكون أيضاً خطوة هامة نحو إجراء أنتخابات قادمة شفافة ومقبولة.

ما حصل حقيقة كان عكس ما نادت به يونامي حيث لم يتم تمثيل المرأة ولا المكونات الصغيرة (المسيحي والتركماني) وهذا الأمر سينعكس على مصداقية ونزاهة الأنتخابات وهو امر كان على مجلس النواب ان لايقع فيه محاباة لبعض الاحزاب والتجمعات التي ترغب في الاستحواذ على قرار المفوضية المفروض ان يكون مستقلا تماما .

بتاريخ 22 كانون الثاني 2018 قرر مجلس النواب إجراء تعديل أول لقانون أنتخابات مجلس النواب حيث صوت المجلس بالأجماع بالمصادقة على موعد إجراء انتخابات مجلس النواب في 12 أيار المقبل. وشمل التعديل موضوع توزيع المقاعد على القوائم المتنافسة وفقاً لنظام سانت ليغو المعدل الذي يقضي (بتقسيم الأصوات الصحيحة للقوائم المتنافسة على الأعداد التسلسليةوبعدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية … 1.7: 3 ، 5 ، 7 ، 9 ، 11 الخ ). وأن تجري عملية الفرز والعد بأستخدام جهاز تسريع النتائج الألكتروني ويتم تزويد وكلاء الأحزاب السياسية بنسخة الكترونية من إستمارات النتائج وأوراق الأقتراع في كل محطة من محطات الأقتراع.

لم يتبع مجلس النواب الطرق الصحيحة عند اجراء التعديلات على النظام الأنتخابي منذ عام 2007 حيث بقيت مسألة وضع قانون انتخابي جديد أو اجراء تعديل على نظام حالي تجري خلف الأبواب المغلقة دون أخذ رأي الشعب أو مؤسسات المجتمع المدني. ان مجلس النواب أو اللجنة القانونية فيه والتي تكلف بوضع مسودات تعديل النظام الأنتخابي تعتقد أنها تمثل الشعب العراقي بأكمله لذا فليست هناك حاجة لأجراء أية اتصالات بجمهور الناخبين والأستفادة من الآراء والتوجهات التي يدلون بها مما قاد في السابق وسيقود حتماً في الأنتخابات المقبلة الى التشكيك في نتائج الانتخابات وعدم القبول بها واتهام المفوضية بأن تزويرا حصل فيها .

ان وضع انتخابي مناسب ومقبول يفترض ان تسبقه خطوات عديدة هي:

يجب أن يكون النظام يسير الفهم للناخبين والساسة فالتعقيد يؤدي إلى عدم ثقة الناخب بنتائج الأنتخابات.

يجب أن لا يقلل النظام الأنتخابي من أهمية جمهور الناخبين. لقد أثبتت الخبرة من خلال العديد من الأنتخابات الحديثة العهد في الديمقراطيات الجديدة أهمية التمييز بين “المعرفة الوظيفية” و “المعرفة السياسية” حيث يمتلك الناخبون في البلدان الفقيرة رغبة التعبير عن تراتبية مركبة من التفضيلات والخيارات السياسية.

يجب أن يسفر النظام الأنتخابي عن أنتخاب برلمان يميل نحو تمثيل كل المصالح الهامة ذلك لأن إستبعاد جوانب هامة من الرأي العام من البرلمان يسفر عادة عن نتائج مدمرة وآثار سلبية.

تتسم طريقة إختيار نظام انتخابي معين بأهمية كبيرة بالنسبة لتأكيد الشرعية الكاملة.. فأي أنتخابات تؤدي إلى تمثيل غالبية أو كل الجماعات فأن ذلك يسفر عن قبول واسع النطاق للنتائج النهائية… أما إذا نوقش إختيار النظام بشكل تحركة المصالح الشخصية والأحزاب فأن نتائج الأنتخابات ستفقد شرعيتها الكاملة.

مثال ذلك إن إصلاح النظام الأنتخابي في نيوزيلندا سبقه سلسلة من الأستفتاءات العامة حيث ساهم ذلك في إضفاء الشرعية على النتائج النهائية، وبالعكس فأن “قرار” الحكومة الفرنسية عام 1981 الأنتقال من نظام الجولتين إلى التمثيل النسبي قد تم إدراكه بأعتباره ناجماً عن أسباب حزبية سرعان ما انتهى وفقدت الحكومة السلطة عام 1981.

يجب أن يشعر الناخبون ان النظام الأنتخابي يتسم “بالعدالة” ويعطيهم فرص متساوية، وسيؤدي ذلك إلى أن الخاسرين سوف لن يرفضوا النتائج أو يستخدموا النظام الأنتخابي لعدم الأستقرار. لقد قبل الساندينيون عام 1990 الخسارة لأنهم شعروا ان النظام الانتخابي عادل.. أما سيراليون وموزنبيق فأنهما أنهيا الحرب الأهلية الدموية من خلال الترتيبات المؤسساتية التي تم قبولها على نطاق واسع.

ينبغي أن يشعر الناخبون ان النظام الذي تجري وفقه الأنتخابات يوفر لهم قدراً من النفوذ على الحكومة والسياسة الحكومية كما ينبغي أن يشعروا بثقة كبيرة من أن أصواتهم تؤثر على تشكيل الحكومة وليس تكوين البرلمان فقط.

ليس من الحكمة ان تقدم الأحزاب الأقتراحات لصالحها عند اختيار نظام سياسي وخاصة في البلدان النامية، قد يكون نجاحها ربما على المدى القصير ولكن ذلك قد يؤدي بالتالي إلى انهيار سياسي وعدم استقرار إجتماعي على

يجب أن يستجيب النظام الأنتخابي بدرجة كافية وفعالة للظروف السياسية المتغيرة ولنمو الحركات السياسية الجديدة وأن الدعم المقدم للاحزاب الرئيسية حتى في الديمقراطيات الراسخة نادرا ما يتسم بالاستقرار بينما تتسم سياسة الديمقراطيات الجديدة بالحيوية وهذا الأمر يعني أن الحزب الذي يستفيد من الترتيبات الأنتخابية في إحدى الأنتخابات لن يستفيد منها بالضرورة في الأنتخابات التالية لها.

اعتماد صيغة “سانت ليغو” في توزيع المقاعد النيابية كما هو متوقع ، ولأن الثقة مفقودة بين الشعب من جهة والحكومة والبرلمان وقواه السياسية من جهة اخرى فأن اية خطوة يخطوها البرلمان تعتبر مؤامرة هدفها خدمة الاحزاب الكبيرة المهيمنة على القرار السياسي منذ عام 2003.

وبناء على ذلك فقد اثار اقرار صيغة ” سانت ليغو ” المعدلة ( عراقيا ) لتوزيع المقاعد البرلمانية والتي تضمنها قانون الانتخابات المعدل وفقا للقواسم ( 1.7 ، 3 ، 5 ، 7 ، 9 الخ ) الكثير من الجدل وعدم الرضى بأعتبار ان الاحزاب السياسية الكبيرة الممثلة في مجلس النواب اعتمدت هذه الصيغة خدمة لمصالحها وتوجهاتها .

اولا: صيغة سانت ليغو : كما جاء في الكثير من المصادر التي اعتمدنا عليها ابتكرت عام 1910 بهدف التقليل من العيوب الناتجة عن عدم التماثل بين عدد الاصوات المعبر عنها وعدد المقاعد المتحصل عليها . هذا العيب الذي تستفيد منه الاحزاب الكبيرة على حساب الصغيرة منها . طبقت هذه الصيغة في صورتها الاولى في النرويج والسويد عام 1951 مستعملة القواســم (1، 3 ، 5 ، 7 ، (…. مثال :

لدينا دائرة انتخابية اسمها ( دائرة الجبل الاخضر  ) عدد مقاعدها ( 6 ) والاحزاب المتنافسة في هذه الدائرة عددها ( 5) .

الخطوة الاولى يتم تقسيم لأصوات الصحيحة لكل كيان على الارقام الفردية (9,7,5,3,1 و11 بعدد مقاعد الدائرة الانتخابية) .. لاحظ الجدول ادناه.

الخطوة الثانية يتم انتقاء اعلى الارقام التي تم تقسيمها فنجد ان (حزب الاحرار) فاز بمقعدين ، و(حزب الخضر) فاز بمقعدين ، و ( حزب التقدم ) فاز بمقعد واحد ، و ( الحزب الوطني ) فاز بمقعد واحد ، ولم يفز حزب الاستقلال بأي مقعد .

ثانيا :صيغة سانت ليغو المعدلة عام 2014 و2018

في عام 2013 اقر مجلس النواب تعديل قواسم صيغة سان ليغو لتصبح ( 1.6 ، 3 ، 5 ، 7 ، 9 ،) ولتطبق في انتخابات عام 2014. علما بأن صيغة سانت ليغو تطبق حالياً في نيوزيلندا والنرويج والسويد والبوسنة بالقواسم (1.4 ، 3 ، 5 ، 7 ، 9 ، ….)

ثانيا – 1 : مثال عن الطريقة التي طبقت في العراق في انتخابات عام 2014

خمسة احزاب تتنافس على 6 مقاعد في دائرة انتخابية يكون تطبيق صيغة سانت ليغو العراقية المعدلة عليها كما يلي :

ثانيا -2 الطريقة التي ستطبق في انتخابات عام 2018

اجرى مجلس النواب العراقي مطلع هذا العام تعديلا على قانون الانتخابات الذي كان معمولا به في الانتخابات التي جرت عام 2014 وعدلت صيغة سانت ليغو لتوزيع المقاعد فأصبحت القواسم ( 1.7 ، 3 ، 5 ، 7 ، 9 الخ ) . برأينا ان هذا التعديل سوف لن يختلف كثيرا عما تم تطبيقه في الانتخابات السابقة . نأخذ ذات المثال السابق ونطبق القواسم الجديدة عليه كما يلي :

يظهر من المثال السابق انه لا فرق كبير بين القاسم 1.6 و 1.7 ولكن ما ظهر في ذات الوقت ان تسلسل احتساب الاحزاب التي حصلت على اكثر الاصوات اختلف فجاء حزب الاحرار ثم حزب الخضر ثم حزب الاحرار مرة اخرى ثم حزب التقدم ثم حزب الخضر مرة اخرى والمقعد السادس حصل عليه حزب الاحرار ايضا .

هل صيغة سان ليغو المعدلة ضد الاحزاب الصغيرة ؟

كما اشرنا تحسن صيغة ” سانت ليغو ” من فرص الاحزاب الصغيرة في الحصول على احد المقاعد المتنافسة عليها وتؤدي الى زيادة عدد الاحزاب الممثلة في المجلس المنتخب قياسا بطرق توزيع المقاعد الاخرى الا ان الملاحظ في هذه الطريقة هو التفاوت الكبير في قيمة المقعد ( سعر المقعد ) ففي حين حصل حزب الاحرار على مقعدين بقيمة 15,000 صوت لكل مقعد حصل الحزب الوطني على مقعده الوحيد ب ( 7600) صوت .

قد تكون صيغة سانت ليغو مفيدة للاحزاب الصغيرة للحصول على مقعد او اثنين في انتخابات الدول الراسخة في الديمقراطية حيث يوجد ما بين ثلاثة او اربعة احزاب فقط يتنافسون لنيل المقاعد الانتخابية في دائرة معينة ، ولكن السؤال هنا هل ان هذه الصيغة مناسبة لتطبق في دولة لازالت ضمن ” الديمقراطية المتواضعة” ونعني هنا العراق ، و لديها 88 حزبا بضمنهم 27 ائتلافا يضم 143 كيانا سياسيا مرشحين انفسهم لنيل مقاعد في البرلمان الذي عدد اعضاؤه ( 320 ) فقط ( تسعة اعضاء الذين يمثلون المكونات الصغيرة في العراق لا تدخل في هذا الحساب ) . نعتقد انه لو تم تطبيق هذه الصيغة لاصبح مجلس النواب مؤلفا من الكثير من الاحزاب والكيانات التي لا تفهم بعضها البعض الاخر ، ولأزدادت الفوضى الموجودة حاليا واتسعت ولتوقف بالتمام اي جهد لأصدار القوانين التي تسهل من حياة المواطنين وسعادتهم .

نعم قد تكون صيغة سان ليغو المعدلة (1.4) أكثر عدلاً في الدول المستقرة والتي لها تقليد انتخابي راسخ أما في الديمقراطيات الفتية أو المتواضعة فأن هذه الصيغة ستؤدي أيضاً إلى التفاوت الكبير بين قيمة المقعد الأنتخابي بين الأحزاب الكبيرة والصغيرة.

أننا نتفهم رأي الكثير من الأخوة بأنه لا يفترض فسح المجال أمام الأحزاب الكبيرة من أن تأخذ وتسيطر على كل شيء وهي فشلت في مسيرتها لقيادة العراق نحو الأمن والرفاه والأستقرار إلا أنه في ذات الوقت يفترض بنا أن نحاول أن يكون مجلس النواب متجانساً إلى حد ما سيما وأن الأحزاب الصغيرة التي تتقدم للأنتخابات يكون سعيها خاصاً في أكثر الأحوال.

نقول ان هيمنة الأحزاب الكبيرة على مقاعد عديدة في البرلمان ليس سببه الرئيسي صيغة سان ليغو المعدلة ولا تقسيم المقاعد بأية صيغة أخرى، بل ان الهيمنة سببها اولئك الذين يمنحون اصواتهم لتلك الاحزاب وبذلك تصبح كبيرة وهو يعلمون انها اقترفت وستقترف الكثير من الخطايا بحق الشعب العراقي وارتبط اسم أغلبها بالسرقة والفساد وهدر المال العام.

نقد أنظمة الأنتخابات في العراق منذ عام 2004

وجهت العديد من الأنتقادات إلى النظام النسبي والدائرة الواحدة التي تم اعتمادها في العراق منذ عام 2004 حيث توزع المقاعد على أساس التمثيل النسبي المبني على قوائم أنتخابية. وقد أدى النظام الأنتخابي الذي أختير للعراق إلى إضعاف آفاق تصويت تمثيلي وديموقراطي. ففي 15 حزيران 2004، واستجابة للتوصية من كارينا بيريللي مديرة قسم المساعدة الأنتخابية في الأمم المتحدة، قرر رئيس سلطة التحالف المؤقتة بول بريمر أن العراق سيكون دائرة أنتخابية واحدة، حيث توزع المقاعد على أساس التمثيل النسبي المبني على قوائم أنتخابية وطنية. وكان قرار بيريللي بتجنب تعدد الدوائر مصبوغاً بأعتبارات تكتيكية. فمعاملة العراق كدائرة واحدة تلتف حول الحدود الداخلية وتبسط عملية التصويت. فالدولة كلها ستحتاج إلى بطاقة واحدة بدلاً من بطاقات منفصلة في كل دائرة.

قيل ان مثل هذا النظام سيئ بالنسبة للعراق. فالتصويت مجرد وجه واحد من الديموقراطية في حين ان محاسبة النائب والحكومة المقصرة له وجه آخر ذلك لأنه في ظل نظام التمثيل النسبي، لا يرتبط البرلمانيون بدائرة انتخابية معينة، إنما بقائمة حزبية. وبدلاً من أن يكونوا مسؤولين أمام ناخبي بلدة معينة، سيكون النواب موالين لزعماء الأحزاب. لقد دفعت عثرات نظام كهذا، البولونيين إلى السعي إلى تعديل دستوري لإحلال الدوائر الأنتخابية محل التمثيل النسبي. وبينما يستخدم أكثر من 90 بلداً نوعاً من التمثيل النسبي، فإن تطبيقه على دوائر أنتخابية وطنية واحدة، نادراً ما يخلو من التعقيدات، فكثير ممن يطبقون هذا النظام يشكون من أن التمثيل النسبي في الدائرة الواحدة يتيح للأحزاب الراديكالية الصغيرة فرصة ارتهان نظامهم السياسي. وفي جمهورية فايمار بألمانيا، ساعد التمثيل النسبي في الدائرة الواحدة على الإتيان بالنازيين إلى السلطة.
وقال مايكل روبين وهو باحث في “ذا امريكان انتربرايز انستيتيوت ” ان التمثيل النسبي غدى الراديكالية في العراق ، فمن الأسهل منع النساء أو الأقليات الدينية من شغل وظائف معينة إذا كان السياسي لا يحسب حساباً للنساء ولتلك الأقليات في دائرته. أما إذا كانت الأنتخابات مبنية على 275 دائرة، فأن كل دائرة ستضم 87000 شخص فقط. وسيكون النواب أقرب إلى الناس . ويضيف الكاتب ان الدوائر موجودة بالفعل، رغم أن العراقيين حريصون على إلغاء التلاعب البعثي بتقسيم الدوائر، وحتى في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك، فأن بوسعهم التوصل إلى توافق على وضع الأحياء الكردية والعربية والتركمانية في دوائر مختلفة.

إن عدم تأسيس الأنتخابات على دوائر جعل بعض المناطق بدون تمثيل. وهذا قد زاد من العنف، على سبيل المثال، لقد تقبل سكان البصرة والموصل مجلس الحكم العراقي السابق لأن أعضاءه كانوا من بلداتهم. ولأن الفلوجة ومدينة الصدر افتقرتا إلى مثل هذا المنفس، كانتا أسرع إلى اللجوء للعنف. وفي ظل خطة الأمم المتحدة حول النظام النسبي، إذا لم يكن المرشحون المحليون في موقع متقدم على قائمة الحزب، فإن بلدات كثيرة ستكون بلا تمثيل. والعراقيون يدركون أهمية التمثيل الجغرافي. فقد كانت الجغرافيا وليست الشخصية هي التي أدت بمجلس الحكم العراقي إلى تزكية غازي الياور – وهو زعيم عشيرة من الموصل – ليكون رئيساً للعراق. على حساب عدنان الباجه جي. وهو وزير خارجية سابق. إن أي هيئة سياسية لا تضم ثانية أكبر مدن العراق، أمامها فرصة ضئيلة للنجاح. وبينما قالت بيريللي أن الدائرة الأنتخابية الوطنية الواحدة تتيح للجماعات “الموزعة” جغرافيا أن تصوت معاً. فأنه من التبسيط القول أن الجماعات الدينية أو العرقية كلها تريد أن تصوت ككتلة واحدة. ويضع نظام كهاذا العراق على منحدر الطائفية على النسق اللبناني، كما سيمثل تعدد الدوائر تنوع العراق. فالفلوجة ستنتخب سنة والنجف ستنتخب شيعة. وسيكون الفرق الحقيقي في حماية الأقليات الدينية. ففي الدوائر المحلية سيكسب الكلدان مقاعد في القوش وسيكسب اليزيديون مقاعد في سنجار. حتى لو اختاروا عدم الترشيح على برنامج ديني، بينما في ظل نظام الدائرة الوطنية الواحدة ستكون مخاطر الحرمان من التمثيل أكبر.. فلأن الأقليات الدينية توزع نفسها سياسياً، فإنها قد لا تحصل على أصوات كافية على النطاق الوطني.

كما أن خطة الأمم المتحدة ستستدعي الفساد. فمن الأسهل على القوى الخارجية أن تشتري قائمة حزبية من أن تقدم نقوداً لـ275 مرشحاً فعندها يكون الناخبون على معرفة بمرشحيهم يكون إخفاء التمويل الخارجي أكثر صعوبة. ويقول روبين ان بعض المتخصصين في عام 2004 دعوا إلى أن يُنسخ في العراق ما نجح في كمبوديا وتيمور الشرقية ونيجيريا. لكن من الخطأ معاملة العراق كشبيه. فالتاريخ العراقي يشير إلى أن نظاماً يمنح قوائم الأحزاب أفضلية على المرشحين المستقلين، ستكون له نتائج عكسية والعراقيون الأكبر سناً يلومون الأحزاب السياسية على إثارة الأضطرابات في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ويربط الجيل الأصغر بين السياسات المنظمة وبين حزب البعث الذي أساء إليهم. وفي كردستان العراق يقول كثير من الطلاب أن الفساد ينمو حول هياكل الأحزاب. وتشير بعض الأستطلاعات إلى أن 3% فقط من العراقيين يثقون بالأحزاب. وبينما تتيح خطة الأمم المتحدة نظرياً للمستقلين أن يترشحوا، رأى العراقيون كيف همشت الألاعيب الحزبية وصفقات الغرف الخلفية المستقلين في المؤتمر الوطني العراقي.

وختم روبين كلامه بالقول يجب أن تقرر نظام الأنتخاب في العراق لجنة الأنتخابات العراقية بالاضافة إلى خبراء عراقيين في هذا المضمار. فما اختارته الأمم المتحدة ليس هو الأختيار الوحيد. بعد كل شيء، فإن بلدانا مثل أستراليا والأردن تجمع بين تعدد الدوائر الأنتخابية والتمثيل النسبي. وتجعل النواب أقرب إلى الناس.

* عضو مجلس مفوضية الانتخابات الاسبق

اكتب تعليق

© 2018 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی