جمعية نينوى في النرويج » أضواء على مقال الدكتور رياض السندي الموسوم: – يونادم كنّا ومكيخا الثاني والصعود في زمن السقوط- د. عوديشو ملكو كوركيس آشيثا
:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » أضواء على مقال الدكتور رياض السندي الموسوم: – يونادم كنّا ومكيخا الثاني والصعود في زمن السقوط- د. عوديشو ملكو كوركيس آشيثا

د. عوديشو ملكو كوركيس آشيثا

نشر الدكتور رياض السندي مقاله اعلاه على صفحة الحوار المتمدن) بتاريخ 21/5/2018 أي بعد اسبوع واحد من تاريخ اجراء الانتخابات الاخيرة في العراق. وحاول فيه تحميل السيد النائب السابق يونادم كنّا كامل المسؤولية عن كل ما جرى بحق الاشوريين والمسيحيين عموماً في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية المعاصرة على الاقل. متنقلاً بين الاحداث التاريخية المتباعدة في عمر الامة الاشورية المسيحي، وبين المواقف السياسية والإجتماعية والدينية والحضارية والثقافية تجاه الاشوريين، من لدن الترك والعرب والكرد في تركيا والعراق وسوريا، اضافة الى مناطق اورميا المسيحية الآشورية التابعة للدولة الفارسية منذ عدة قرون.

قبل كل شيء نثني على هذا الجهد الكبير للدكتور السندي، ونحاول أن نبسّط الامر للقاريء الكريم من خلال الوقوف عند ثلاثة محاور رئيسية في المقال، مصوبين بعض المعلومات التاريخية ومعلقين على بعض الآراء التي طرحها الكاتب حول المسألة الآشورية والمسيحية في العراق المعاصر والدول المجاورة خلال القرن الماضي ولحد الساعة:

أ ـ المحور التاريخي للاشوريين: لقد ورد في مقال د. رياض:
1 ـ”….. الآشوريين الذين ثاروا على الدولة العثمانية وانضموا الى القوات الروسية ثم البريطانية إبان الحرب العالمية الاولى….”.
نقول: ان الآشوريين لم يثوروا على الدولة العثمانية، مثلما فعل العرب في جزيرتهم الثورة العربية الكبرى) بزعامة شريف مكة. ومثلما فعل الأرمن والعديد من القبائل الكردية والعربية في المنطقة، بل باغتهم الهجوم التركي والكردي على ديارهم وبشراسة، لدوافع دينية وإثنية واقتصادية. ولم ينضموا الى الجانب الروسي والبريطاني بدافع التحالف او ما يشبه. فأين هؤلاء الآشوريين الجبليين المشردين عن ديارهم بسبب العنصرية والاحقاد والاطماع الاقتصادية من أن يفاوضوا ويفرضوا شروطاً على الامبراطوريات؟!
لذلك يمكن الجزم بأن كل ما جرى هو: وجود مجموعة بشرية آشورية مسيحية صغيرة ليس كل الآ شوريين) مشردة ومطاردة من الامبراطورية العثمانية والالوف المؤلفة من الكرد المدفوعين الى القتل والسلب بدافع الدين والدفاع عن العرش في اسطنبول. هذه الكتلة البشرية المقهورة والمضطهدة عندما وجدت نفسها في منطقة النفوذ الروسي وبعده البريطاني، كان لابد لها ان تسترجي عونهم خصوصاً في المجال الانساني، كما حصل ويحصل مع جميع اللاجئين في العالم بسبب الحروب الطاحنة والقتل الجماعي.

2ـ ذكر د. السندي بأن علاقات ومواقف يونادم كنّا مع العرب الشيعة في العراق أشبه ما تكون بما قام به مار مكيخا الثاني 1257-1265) الذي تقرّب الى هولاكو المغولي في بغداد. واستطرد بأن دخول أحد احفاد هولاكو الى الاسلام والذي اتخذ من محمود غازان اسماً له في عام 1293، وقدوم “تيمورلنك الذي اضطهد المسيحيين وطاردهم في ايران، فلجأوا الى جبال هكاري في تركيا وتحصنوا فيها لسبعة قرون ولم يغادروها الا بمجيء الروس ثم البريطانيين عام 1914- 1917)”. اضافة الى الاضطهاد الذي تعرض له الاشوريون في بغداد بسبب مواقف البطريرك مكيخا مع المغول كانت السبب الرئيسي وراء الوجود الاشوري المسيحي) في هكاري.

نقول: ان ما ذهب اليه الدكتور السندي ليس الا فبركة لاحداث تأريخية قديمة، ومحاولة استنباط معان ودلالات من تلك الاحداث تحقيقاً لغايات في الزمن الحاضر. بمعنى آخر لقد اسقط بعض السلبيات القائمة في العمل الآشوري السياسي المعاصر على احداث جرت قبل ثمانية قرون من تاريخ الامة. وهو يعلم كما يعلم القاريء جيداً بأن مسوغات تلك الاحداث القديمة القائمة على طموحات سياسية واقتصادية عارمة، كانت اداة تنفيذها القوة العسكرية الغاشمة الموشّحة بالتعصب الديني والطائفي الباليين، وهي تختلف كلياً عما يحصل في العراق المعاصر من صراعات سياسية غير نظيفة طبعاً، ولا تخدم الشعب العراقي بكل اطيافه. ولكن قبل الولوج الى صلب الموضوع، أي بدعة حصر وتقزيم الوجود الآشوري في أعالي الرافدين ـ دجلة والفرات ـ واعتباره حصيلة الهجمة التترية على بلادهم). لابد من توضيح بسيط عن موقع وتسمية هكاري.

كما هو معلوم ان تسمية أي مكان أو بلدة أو نهر أو جبل….الخ. انما تكون ناتجة عن حدث أو صفة ما يتصف بها ذلك المكان او أهله، أو مهنة أو حرفة يزاولونها. من هنا فأن تسمية هكاري، حكاري، أكاري) رغم الدراسات والتأويلات والتخريجات اللغوية المتعددة، لهذا الباحث أو ذاك، لهذه الغاية أو تلك، لم يظهر لها معنى عقلاني مقنع سوى ماورد في القاموس الآشوري المسماري بصيغة ikkaru) بمعنى أكار، فلاح، مزارع) وقد ذهب الى هذا الرأي أحد الباحثين الاتراك عندما قال بأن هكاري أنما جاءت من أكاري بمعى المزارع أو مكان الزراعة: لان معظم أقسام هذه المقاطعة الكبيرة كانت ومازالت تزرع بمختلف المحاصيل الاساسية. (Ebdullah Mehmed Varli, -dir-oka Dugelen Kurdan, Istanbul 1997. P.247) خصوصاً عندما نعلم بأن بلاد هكاري لم تكن في الماضي كما هي الآن عبارة عن محافظة جبلية نائية في الدولة التركية المعاصرة. بل انها كانت تشمل مناطق واسعة امتدت من أذربيجان ايران) شرقاً الى منطقة وان شمالاً الى ولاية الموصل جنوباً، حيث كانت تضم عقرة ولالش وعين سفني وغيرها. وقد ربطها بعض المؤرخين جغرافياً وطوبوغرافياً بالموصل أي بنينوى وأهل نينوى الآشوريين قبل ان تسمّى بـ”الموصل”. إذ قال ياقوت الحموي في معجمه عن هكاري: “بلدة وناحية وقرى فوق الموصل…”. وقال ابن الأثير عنها: “هي ولاية تشمل على حصون وقرى من أعمال الموصل”. وعرّفها ابن خلـّـيكان بأنها: “معاقل وحصون وقرى من بلاد الموصل من جهتها الشرقية”.

وعن ربط الوجود الآشوري في هكاري وما جاورها من جبال آشور بالهجمة المغولية على بغداد، والتترية على شمال ايران وبلاد الرافدين الى فلسطين، فهي مسألة خطيرة جداً. لا أتصور ان الدكتور رياض لا يعرف أهميتها أو انه غافلٌ عنها. إذ كان الآشوريون قد ظهروا وسكنوا أعالي دجلة والفرات قبل ان يقوموا بتأسيس دولتهم في النصف الشمالي من العراق الحالي، والتاريخ العراقي القديم مفعم بالادلة والشواهد على ذلك. وفي العهود اللاحقة أي ايام قيام دولتهم ومن ثم امبراطورياتهم، فأن الجبال الهكارية وصولاً الى بحر اورميا ووان كانت المصدر الاساسي للحصول على الخامات الاساسية للمعادن والخشب والصوف والخيول الاصيلة وكافة موارد الثروة الحيوانية…ألخ. لاقامة دولة ذات وجود وتأثير حقيقي على الواقعين الداخلي والخارجي. وللتأكد من قولنا ما عليكم سوى العودة الى بعض الكتب الرصينة الخاصة بتاريخ العراق القديم قوّة آشور: هنري ساكز، والعراق القديم: جورج رو) التي تظهر بجلاء بأن كل من الملوك الآشوريين:

(شمشي ادد الاول 1814-1782) وآشور أوباليت الاول (1365-1330) وشلمناصر الاول (1274-1245) وتوكولتي نينورتا الاول (1244-1208) وآشور ـ رش ـ إشي الاول (1133-1116) وتغلات بلاسر الاول (1115-1071) وآشور ناصربال الثاني (883-859) وتغلات بلاسر الثالث (745-727) وسرجون الثاني (722- 707) والملك سنحاريب (705-681) وآشور باني بال (669-629) وغيرهم. كانت لهم اهتمامات استراتيجية فائقة بالمنطقة الجبلية لبلاد آشور وقاموا بحملات عسكرية كبيرة وجولات وصولات لتأديب العاصين والماردين على القانون، وتأمين السلام والاستقرار في تلك المناطق المهمة اقتصادياً للدولة الآشورية. وان ميدان اعمالهم في هذه المنطقة كانت تشكل قوساً أو هلالاً يبدأ من مشارف مدينة Asari (السليمانية الحالية) في العراق والزاب الاسفل وصولاً الى سلسلة جبال زاكروس الى الغرب من بحر اورميا وجنوب بحيرة وان وامتداداً الى السلاسل الجبلية في طور عبدين ومن ثم كامل شرق الفرات السوري حالياً. اين كل هذا من الادعاء بأن الاشوريين تستروا في الجبال الهكارية هرباً من البطش التتري بعد سقوط بغداد 1258.

كما ان القوانين الآشورية القديمة قد جاءت الينا ضمن 14000 لوح طيني بالآشورية ـ الاكدية والخط المسماري من الاناضول وتحديداً من موقع قاروم قانيش في كبادوكيا، حيث بقايا المجّمع التجاري الاكدي ـ الآشوري العائد لفترة القرن الرابع والعشرين ق.م أي قبل ظهور الآشوريين ككيان سياسي مركزي في بلادهم المعروفة آشور. ويذكر بهذا الصدد د. غرانت اثناء كلامه عن العشائر الآشورية في هكاري قبل الحرب العالمية الاولى 1914، ما يلي: “بين سلاسل الجبال العصية والتي تشكل لبّ الوطن الآشوري القديم… هناك كانت تعيش العشائر الآشورية المستقلة”، انظر: Grant A. The Nestorians,´-or-the lost Tribes, New York, 1844 pp. 123-129

وقد أكد هذا الامر، أي الوجود الآشوري في البلاد الهكارية قبل الميلاد، الباحث الكردي الدكتور درويش يوسف هروري حين قال: “النصارى وهم من السكان القدامى في بلاد هكاري ودانوا بالنصرانية منذ القرن الاول للميلاد وعلى ايدي رسل المسيح وتلامذته…”. جاء ذلك في رسالته الموسومة: “بلاد هكاري” 945-1336 م، دراسة سياسية حضارية، اربيل 2005، ص 33. علماً أن هرور نفسها قرية آشورية عريقة، كان فيها كنيسة قديمة فجرها حزب البعث خلال عملياته القمعية ضد الأكراد في أواخر القرن العشرين. وتمت إقامة جامع القرية على انقاضها بعد ان آلت الى الكرد.

أما ألآثاري البريطاني المشهور هنري لايارد عند زيارته لقرية أشيثا في هكاري عام 1846 بعد مذبحة بدرخان بك هناك، واطلاع لايارد على منجم النحاس فيها، فقد اندهش قائلاً: “الان تيقنت تماماً من مصدر معدن النحاس المستعمل في تلوين لـُبن البناء والنقوش في القصور الآشورية في سهل نينوى”. (عن أشيثا وتسميتها الآشورية، راجع سفر أشيثا، عوديشو ملكو، بغداد 2002)

ثم أن مسألة العثور على الكتابات المسمارية الآشورية في العديد من المواقع في جبال آشور داخل العراق الحالي ومنطقة هكاري وما جاورها في تركيا، وتحديداً على الصخور الكبيرة المستخدمة في أسس الكنائس القديمة مثل كنيسة ودير ذي الهياكل السبعة الكائنة على بعد أربعة أميال عن قودشانس والذي سماه الراهب الآشوري يوخنا بر كلدون في كتابه “تاريخ يوسف بوسنايا” بدير قودشانيس في جولميرك. وعندما زار غرانت هذا الدير وكنيسته وحلّ ضيفاً على مطرانها، قال عنه: “احد الهياكل السبعة قد تهدم بسبب زلزال ضرب المنطقة قبل مائتي عام، أما بقية الهياكل فما زالت قائمة منذ 800 عام أي منذ 1040م. وهناك كتابات مسمارية على جدرانها، وهذا يؤكد بلا نقاش بأن هذه الكنيسة قد أقيمت على معبد قديم للآشوريين”.

ان هذه المسألة وأمثالها تدل على حقيقتين لا ثالثة لهما:

الأولى: ان هذه الكنائس والاديرة كانت معابد آشورية تمارس فيها العبادة منذ ما قبل المسيح.
الثانية: ان الشعب الذي كان يقطن تلك الديار كان آشورياً، دون منازع وعندما قبل بالمسيحية حوّل معابده الى كنائس مسيحية آشورية، وتعبّد فيها الى الخالق في نفس المكان وبنفس اللغة. وان حالة التحول من الديانة الآشورية القديمة الى المسيحية الآشورية قد حصلت بصورة سلسة وبسيطة الى درجة ان نفس الكهنة الآشوريين الذين كانوا يعبدون الإله آشور تحولوا الى كهنة المسيح في ذات المعابد والهياكل.

حصل كل ذلك في الجبال الآشورية منذ ما قبل القرن الرابع الميلادي عندما قدم اليها من سهول آشور جمهرة من التلاميذ مثل مار ساوا وتوما وايشو وبيشو وبثيون وعزيزا ومار زيا، وغيرهم كثيرون. وأقاموا أديرة وكنائس كثيرة في تلك القرى حملت اسماءهم. وان اقدم كنيسة قائمة هناك كانت كنيسة مار زيا في جيلو/ هكاري، التي ارتبط اسمها بالراهب مار زيا المتوفى فيها عام 432 م. “وفي سنة 429 م بنى الملك الآشوري بالق كنيسة بناءً على طلب مار زيا في في إحدى قرى جيلو التي عرفت فيما بعد بقرية مار زيا”. وكان والد هذا الملك المعروف باسم زيريقو قد بنى قبل هذا التاريخ كنيسة أخرى في قرية زرينى عاصمة جيلو الاقليمية (أنظر: د. لوقا زودو، القضية الكردية والقوميات العنصرية في العراق، بيروت 1968، ص 173. وبنيامين أرسانس (النشاط التبشيري الآشوري في آسيا- باللغة الآشورية، طهران 1954، ص 4).

وفي تخوما توجد كنيسة مار بثيون التي أسسها هذا الرسول المتوفى هناك عام 446 م، ومار عوديشو في قرية بيث عزيزا في وادي طال الشهير، حيث توجد في مغارته نافورة عجائبية لا ينبثق ماؤها الغزير العذب الا في يوم تذكار هذا الناسك اي مار عوديشو في طال. وكذلك كنيسة مار ماموي في چال في منطقة اورامار، وقد صرّح المستشرق وايكرام بأن هذه الكنيسة كانت معبداً آشورياً منذ ما قبل المسيح. ويذكر د. ادوارد كتس في سجله عن الكنائس المسيحية الآشورية النسطورية في هكاري وما جاورها الذي يضم 295 كنيسة ودير بأن 61 منها كانت على اسم مار كوركيس، وهي قديمة تعود الى ما قبل فترة ظهور الاسلام، ومنها مار كوركيس في قرية ليزان وأخرى في أشيثا وثالثة في قرية خنانيس الذي شيده أحد الأمراء الذين ذهبوا وقدموا القرابين والطاعة للمسيح في بيت لحم. كما أن كنيسة منطقة “ألبق” التي هي على اسم التلميذ برتولماي من القدم بحيث يذهب بعض الباحثين بأن تلميذ المسيح برتولماي نفسه هو الذي شيدها!

والان وبعد أن تأكدت مسألة الوجود الآشوري في بلادهم آشور الجبلية، ومنذ أمد بعيد بل بعيد جداً سواء قبل الميلاد أم بعده. لابد من القول بأن ذلك الوجود لم يكن مجرد انحصارٍ للآشوريين هناك ولم يكن لهم تأثير على المحيط ولا يتأثرون به ! خصوصاً في القرون السبعة الاخيرة التي يشير اليها د. السندي. بل ان ذلك الوجود كان حقيقة واقعة اقتصادياً وحضارياً وفكرياً وحتى عسكرياً وسياسياً كلما اقتضى الامر. وقد نبـّـه العالم بهذه النقطة السيد وليم أ. شيد رئيس البعثة الامريكية البروتستانتية في أورميا عندما كتب عن المواقف العسكرية والسياسية للآشوريين المسيحيين في ظل الدولة الاسلامية العربية وحتى المغولية والعثمانية؛ اولاً: “المسيحيون في الاهواز حاربوا الخليفة مع الخوارج”. أما الحالة الثانية والتي تهمنا في هذا البحث فهي: “عندما هبّ رجال آشوريون ـ طياريون (من عشيرة طياري) ـ وتحديداً من قرية زرنى، لنصرة أخوتهم الآشوريين المسيحيين المحاصرين في عاصمتهم القديمة أربيل” وذلك قبل 1/7/1310 وهذا سقطت قلعة المدينة بيد الغوغاء المتعصب دينياً والساعي للقتل والسلب والنهب. (للمزيد راجع قصة البطريرك مار يهبالاها والراهب برصوما) وكذلك تاريخ عنكاوة، عزيز نباتي، اربيل 2000، ص 139). وقد كتب عن تلك الفرق الآشورية الجبلية المسلحة، توما أسقف المرج منذ النصف الاول للقرن التاسع الميلادي، موضحاً سبب تسميتهم لاحقاً بالقايجية (Qayaje) بمعنى سكان الجبال. ودورهم ومكانتهم في الوضع الامني والعسكري في منطقة هكاري وخصوصاً أبناء قرية زرنى منهم. (راجع كتاب الرؤساء، توما المرجي، ت. البير أبونا، بغداد 1990، ص 233). وكذلك William Ambrose Shedd, Islam and the oriental Churches, New York 1908, p. 195)

وللافادة نذكر هنا بأن قرية زرنى هذه تقع على الحدود العراقية التركية والى الجانب التركي منها، وأن أهل زرنى يعيشون في العراق وشتى بلدان الغرب وهم آشوريون نساطرة كما كانوا في القرن التاسع أيام المرجي ومن بعده أيام سقوط قلعة أربيل آشورياً في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي.

ب ـ المحور المذهبي للآشوريين

مما لاشك فيه ان الكثير من التصورات الميكافيللية أو ارشاداتها للأمير لازالت ذي أهمية ومعتمدة في عالم السياسة لحد الساعة. نذكر على سبيل المثال مبدأ “الترغيب والترهيب” الميكافيللي. هذا المبدأ الذي مازال يطبّق بحذافيره وبشكل ملموس من قبل ساسة العصر بإتقان، خصوصاً في منطقتنا الشرق ـ اوسطية. وكنتيجة حتمية لاتباع هذا المبدأ أو الاسلوب مع الآشوريين ذوي العدد القليل والامكانات الضعيفة جداً، مقارنة بمحيطهم ولقرون طويلة. إستشرَت الأنانية والمساومات وفـَـتُر الحسّ القومي والوطني وحتى العقائدي بشكل واسع بين صفوف جماهير الامة الآشورية. فاضحى الأمان المقرون بلقمة العيش هو الهدف، وبات غيره من الترف والاسراف!! وصار الدين في الشرق يلعب أهم الادوار عما تقوم به القومية او الأصل ضمن أي مذهب وعلى الأخص في الماضي. (راجع: “الخيانة البريطانية للآشوريين”، يوسف مالك، الترجمة العربية، أمريكا 1981، ص 135). اضافة الى ذلك من المفيد القول ايضاً: ان الآشوريين بطبعهم التسامحي وحسهم الانساني المتفتح، لم يعرفوا التعصب المذهبي اطلاقاً (منتشاشفيللي، العراق في سنوات الانتداب البريطاني، بغداد 1978، ص 357)
من هنا ولذلك، ترسخت جذور المذهبية في جسم الامة منذ أمد بعيد، وصار المتتبع ببساطة يرى الآشوريين في العديد من الكنائس والمذاهب المسيحية وحتى غير المسيحية. أنه الواقع المفروض على أبناء الأمة الذي جعلها أطرافاً عدة، حسب قول د. السندي: “…. تمكنت كل الاطراف من ازاحة يونادم كنّأ عن المشهد السياسي…”. هكذا فان إزاحة السيد يونادم كنّا جاءت على يد الآشوريين أنفسهم بعد ان اجتمعت ثلاثة أسباب رئيسية:

الاول والآهم: عزوف الآشوريين عن العملية السياسية في العراق برمتها، بعد أن تأكدوا من أن لا طائل وراءها ما دام الحسّ الوطني والديمقراطي غائب عنها بالكامل.

والثاني: وهو ناتج عن المحاولات المستميتة من خارج البيت الآشوري على مدى القرن العشرين بالكامل، لخلق عناصر آشورية تؤمن بالمذهب وتتخذه بديلاً عن الامة وقضاياها.

أما الثالث: فهو يتعلق بالسيد يونادم كنّأ شخصياً، حيث أن اصراره على البقاء على رأس هرم العمل السياسي الآشوري لهذه الفترة الطويلة، وفي هذه الظروف غير الطبيعية التي يمر بها العراق ودول الجوار، أثبت من دون شك، بأنه على عكس ما وصفه الدكتور السندي تماماً عندما قال: “حتى صوره البعض بأنه مخادع كبير في محيط صغير”، يقصد السيد يونادم كنّا. لا ليس الامر كذلك مع السيد يونادم كنّا، لان المحيط الذي عمل فيه كان ومازال كبيراً بل كبيراً جداً يفوق طاقات واساليب وطرق تفكير وعمل أي رجل من الآشوريين بمفرده. ولو لم يكن الامر بهذا الشكل، لما تمكنت مجموعات مذهبية ودينية وطائفية تنكر للامة حقوقها وأهدافها، أن تفعل ما فعلته بكنّا ومن ثم بمستقبل الامة الاشورية وابنائها في هذا الوطن!

ج ـ المحور السياسي والثقافي للآشوريين

بعد نمو وتجذر الطائفية والمذهبية في جسد الامة الآشورية منذ ما قبل الحرب العالمية الاولى لاسباب وظروف معروفة. تجمعت كل مجموعة من مجاميع الشعب خلف كاهن معين، وتقوقعت أمام محراب محدد. مع الايام تحولت هوية نسبة كبيرة من جماهير الامة الآشورية الى هوية كنائس أو مذاهب. وصار الحسّ الوطني والقومي والحضاري الآشوري لدى غالبية صفوف الشعب مجرداً عن معناه الحقيقي في العراق المعاصر، واعتبر لدى البعض شيء من الوهم، وعليه قبلوا على أنفسهم اسم “المكوّن المسيحي” رغم خطورة هذه التسمية من عدة نواحٍ !
ولكن في المقاييس القومية والحضارية، هذا لا يعني النهاية مطلقاً، لان الامة الآشورية لم تخلُ يوماً من رجال ونساء آمنوا بها وصبروا على همومها وحملوا رايتها منذ عدة قرون ـ قبل تفكك وسقوط الطاغوت العثماني ـ فالآشوريون لم ينتظروا حزب البعث في بغداد ـ كما ذهب الدكتور السندي ـ ليمنحهم الحقوق الثقافية عام 1972، بقرار مشؤوم جاء بمثابة قنبلة موقوتة على درب وحدة الآمة. وشكّل نقطة بداية جديدة لانقسامها مرسخاً المذهبية الضيقة. عندما ساوى بين التسميات الكنائسية والمذهبية مع الاسم القومي التاريخي للأمة الآشورية وذلك في قوله: “الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من الاشوريين والكلدان والسريان “.

نعم وكما هو معروف، الآشوريون لم ينتظروا صدور قرار الحقوق الثقافية المذهباني، ولم ينطقوا بالسريانية يوماً في بلادهم الاصلية بلاد الرافدين آشور وبابل). اذ كانت ومازالت لهم لغتهم القومية العريقة أي اللغة الآشورية ـ البابلية، سواء جاءت بالخط المسماري أو بالخط الابجدي. أما اللهجة السريانية لهجة أورهاي ونصيبين) فلم تكن لدى الآشوريين سوى لغة العبادة والحوار مع الله في كنيسة المسيح المشرقية.

وبالعودة الى صلب الموضوع نقول للدكتور رياض السندي: مع كل ذلك كان لقسم من الآشوريين حسّ قومي مقرون بفكر وعمل سياسيين منذ أمد بعيد قبل الإقرار بحقوقهم الثقافية في العراق عام 1972. وان ربط العمل الفكري والقومي والسياسي للآشوريين بذلك الحدث كما ذهبتم في مقالكم يشكّل تقزيماً صارخاً للتاريخ والوجود الآشوري بالكامل. وسنكتفي بايراد دليلين أثنين فقط عن وجود الرغبة والحسّ والعمل السياسي للآشوريين، مقروناً بثقلهم الاجتماعي والجغرافي في المنطقة.

الدليل الاول: من الموساد الاسرائيلي والوثائق المتعلقة بالحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية:

عندما تشكلت مع بداية عام 1946 لجنة بريطانية ـ امريكية لدراسة مشكلة أرض اسرائيل (هكذا جاءت تسميتها). وبالمقابل شكلت الوكالة اليهودية الدولية لجنتان للتأثير على تلك اللجنة. وكلفت الشعبة السياسية للوكالة كل من موريس فيشر وصديقه يهوذا هيلمان لتجنيد الكرد والآشوريين والموارنة. وفي اعقاب زيارتهم للمنطقة الآشورية كتبت الوكالة اليهودية الدولية الى اللجنة البريطانية ـ الامريكية: “يكفي ان نشير الى المصير الذي آل اليه الكرد والآشوريين في العراق/ كي ندرك مدى ضعف فرص قيام أي نظام عربي بالتعامل بروحية حكم ذاتي فيدرالي … مع أقلية ذات طابع سياسي وحضاري مختلف…”. ويضيف التقرير :” لقد استغل ممثلو الآشوريين ـ وهم بقايا شعب قديم جداً ـ هذه الفرصة وطالبوا بنظام آمن لنصف مليون نسمة من الآشوريين على أرضهم”. وافادوا بأن: “الاشوريين هم عسكريون جيدون ومدربون بصورة ممتازة، وعلاقتهم مع الاكراد جيدة…” انظر: شلومو نكديمون/ الموساد في العراق ودول الجوار، ت . بدر عقيلي، عمان 1997.

ان ما أوردناه وباختصار شديد عن الآشوريين في النصف الاول من القرن العشرين حسب أحد كتب الموساد الاسرائيلي دليل واضح على النشاط الآشوري السياسي وثقلهم الاجتماعي في وطنهم الأم. وبامكان السياسي المنصف والباحث العلمي والقاريء المهتم استنباط الكثير من هذه الاقتباسات الاستخباراتية الصهيونية لما قبل سبعين عاماً عن الاشوريين، ابسطها: اعتماد دوائر الوكالة اليهودية والموساد الاسم الصحيح للاشوريين دون التطرق الى تسمياتهم الكنسية والمذهبية والفئوية التي اصبحت الشغل الشاغل لعينّة واسعة من مثقفي الأمة هذه الايام.

أما الدليل الثاني: فقد بدأت أحداثه قبل الدليل الاول بحوالي ثلاثة عقود أي منذ أيام مخيم بعقوبة للاجئين الآشوريين والارمن في أواخر 1918. حيث واصل الاشوريون في تطوير العقيدة القومية من خلال الفكر الوطني والحضاري. الذي من خلاله أرادوا صيانة حرمة كل العراقيين وتحقيق العدل والعيش الكريم لكل مكوناته لكل العراقيين). وما مطالبتهم الحكومة الملكية في بغداد والمجتمع الدولي من خلال عصبة اممه والحكومة البريطانية بصفتها الدولة او القوة المنتدبة على العراق لتقوم بتأهيله ليصبح دولة ذات سيادة تصون حقوق شعبها. مطالبتهم بإقامة لواء مصغر Sub Liwaa) في الموصل ليسكنه الآشوريون بكل فئاتهم، وليساهموا بتقديم الخدمة والواجب الوطني لكل العراق والعراقيين إلا دليلاً على نضج الوعي الوطني والسياسي والمجتمعي لديهم قبل غيرهم في العراق المعاصر. ألم يكن مطلبهم هذا نابع عن حكمة وحنكة سياسية ناضجة؟
ثم ألم يكن طرحهم هذا سابقة متطورة لادارة دولة ذات شعوب وأديان وثقافات متعددة. ألم يكن نواة لنظام فيدرالي لم يكن يعرفه دهاقنة السياسة في تلك الايام؟ وإلا لما لحقوا الآشوريين برمتهم واستفزوا قادتهم وحرضوا الجماهير البسيطة ضدهم. وظلوا يتمادون في تصعيد الاوضاع الى أن أنزلوا على رأسهم النكبة الكبرى ـ نكبة سميل ـ أول إبادة جماعية لشعب أعزل لم يقترف إثماً بحق أحد! سوى أنه اراد العيش الكريم في وطنه، ليمارس عاداته وعبادته في تجمع محدد، وليتمكن من حماية موروثه الاجتماعي ليس إلا!. فهل يصح القول مع د. السندي: “ولم يكن للمسيحيين أية تنظيمات سياسية حزبية بسبب البيئة المضطهدة…”. إلا اذا اعتبرنا ان الآشوريين غير مسيحيين في حساباته!

نكتفي بهذا القدر من التعليق والتوضيح لبعض ما ذكره الدكتور السندي في مقاله اعلاه. تاركين ما ورد فيه من عدم الدقة العلمية في التصورات والتحليلات حول بعض الامور والاحداث والاشخاص وتنسيبهم الى هذا الطرف أو ذاك دون التدقيق او التأكد من الأمر. ونقول للقاريء الكريم بأننا نؤمن بـأنه لا يمكن لأي حركة أو حزب سياسي تمثيل ألامة وحضارتها وتاريخها لوحده وعلى الامة الواعية الحيّة أن لا تعلق آمالها ومستقبلها عليه دون غيره، نعم، ينطبق الامر هنا على الحركة الديمقراطية الآشورية كما افاد د. السندي. ولكن اخفاق الحركة الديمقراطية الآشورية في هذا الموقف أو تلك الحالة لا يعني بالضرورة نهاية الامة أو تبدد الآمال (كما يحلو لفئة من المتمذهبين)، والكفّ عن العمل المخلص لتحقيق الحقّ والعدل والمساواة لابنائها على ارضها آشور / العراق، بل العكس تماماً.

© 2018 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی