:المنتديات اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون  وصراع التسمية – 27/أبرم شبيرا

أبرم شبيرا
عنوان هذا الموضوع هو لكتاب (الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية – تحليل سوسيولوجي) للإستاذ الأكاديمي الدكتور عبدالله مرقس رابي.


====================================================

من حيث المضمون:
————-
في القسم الأول تطرقنا إلى الكتاب من حيث الشكل، أنظر رابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913528.0

وقبل أن نتطرق إلى مضمون الكتاب، أود المباشرة أولاً بتقديم إعتذاري الشديد للقراء الأعزاء عن تأخري في نشر هذا القسم وذلك للأسباب: أولا: سفري إلى بغداد وضرورة اللقاء ببعض الأصدقاء الإعزاء هناك. ثانيا: تعرضي إلى وعكة صحية بسيطة. وكذلك أود الإشارة هنا بأنه بسبب غزارة موضوع الكتاب فقد وجدت بأن القسم الثاني الذي سيعالج مضمون الكتاب سيكون طويلاً وربما مرهقا وفي بعض الأحيان صعب الإستيعاب لذلك تركت بعض من الصفحات إلى القسم الثالث ليكون أسهل على القراء الأعزاء، علما بأن هنا في هذا القسم إشارات وتعليقات على بعض الأفكار التي طرحها رابي في الصفحات الأخرى اللاحقة من الكتاب والتي ستكون مفصلة أكثر في القسم الثالث.
من حيث المضمون:
————-
في هذا القسم الثاني، من حيث المضمون، هو الأهم من حيث الأفكار والطروحات التي يطرحها رابي حول مسألة التسمية القومية لشعبنا، وسنحاول بقدر المستطاع المسك برأس الخط والتواصل به حتى خاتمته رغم الصعوبة التي وجدتها في الربط بين المفاهيم العلمية والمناهج الأكاديمية التي أستخدمها رابي وبشكل مفصل ومبالغ فيها بعض الشيء، وبين الوقائع القائمة في مجتمعنا خاصة موضوع البحث في مسألة مهمة كصراع التسمية.
مضمون الكتاب شائك ومعقد عولج وهو على صفيح ساخن يحتدم حوله الإختلافات والأراء، وعلى العموم في الكتاب جوانب إجابية كثيرة ويكفي طرح مثل هذا الموضوع الساخن أن يكون بادرة مثمرة يتطرق إلى جوهر إهتمام شعبنا متعلق بموضوع وحدتنا، على الأقل من الناحية الشكلية والتسموية، التي هي أحدى سبل نيل حقوقنا القومية في الوطن. هذه الإشارة الإيجابية لموضوع الكتاب الذي يتم تناوله ولأول مرة من قبل أستاذ في علم الإجتماع وبشكل منهجي وموضوعي نادراً ما نجد مثيلاً له، يجعلني أن لا أغوص في هذه الجوانب الإيجابية للكتاب ويتصوره البعض كأنه إطناب ومجاملة لزميل وصديق عزيز علينا، فأتركها  للمهتمين بالموضوع لكي يقتنوا نسخة منه ويطلعوا عليه، وسأكتفي ببعض الجوانب القائمة على النقد البناء وذلك تلبية لطلب رابي في هذه المسألة ومن وجهة نظري الشخصية حول الموضوع، معتقدا بأن أستاذنا رابي لو كان قد تجنبها لأكتملت الفائدة أكثر فأكثر لأبناء شعبنا المهتمين بهذا الموضوع الساخن، خاصة ونحن نعرف جيداً بأن الكثير من أبناء شعبنا لا يرغبون قراءة الكتب الكبيرة والضخمة ولا المواضيع الطويلة فكان من الأجدر أن يكون حجم الكتاب أقل مما هو عليه عن طريق التركيز والإقتصار على جوهر الموضوع من دون أن يكون له مداخل وتمهيدات كما هو في الفصل الأول (الإطار المفاهيمي) والفصل الثاني (التطور الحضاري في بلاد النهرين) اللذان أخذا صفحات كثيرة من الكتاب.
فلو لاحظنا الفصل الأول (الإطار المفاهيمي) نرى بأن معظم المفاهيم والمصطلحات التي ذُكرت هي كغيرها من المفاهيم ومصطلحات العلوم الإجتماعية تتعدد وتختلف وتتضارب حولها التفسيرات حتى يصعب الوصول إلى مرتكزات مشتركة خاصة عندما تترجم من اللغة الإنكليزية إلى العربية. فلا زال يصعب على العرب التفريق بين (Nation) و (Nationalism) فالأول هو حقيقة موضعية وواقعية تعني (قوم) أو مجموعة من الناس تجمعهم مقومات مشتركة، أي هي الموضوع، أما الثاني فهو حالة فكرية وذهنية وأيديولوجية للأول، أي هو الذات، وكلا الجانبين الموضوع والذات يشكلان جانبي الظاهرة الإجتماعية. وهكذا الحالة مع (Social) و(Socialism) أو(Capital) و(Capitalism) أو (Buda) و (Buddhism) والحال ينطبق أيضا على (Assyrian) و (Assyrianism) أو (Chaldean) و (Chaldeanism). ففي الإنكليزية عندما تدخل (ism) على الأسم يتحول من الحقيقة الى الفكر أي من الموضوع إلى الذات وينعكس في الوعي القومي الآشوري أو الكلداني أو السرياني المتمثل في الأحزاب والمنظمات القومية. هذا المفهوم في تحول الموضوع (الحقيقة الموضوعية) إلى الذات (الفكر والأيديولوجيا) هي مسألة فلسفية عويصة كان الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط (1724 – 1804) قد تطرق إليها. ثم جاء كارل ماركس (1818 – 1883) فطور هذا المفهوم في دراساته عن الطبقات الإجتماعية وتحديداً الطبقة العاملة وفي مسألة تحولها من الموضوع إلى الذات والتي تعرف أيضا التحول من (بالذات) إلى (للذات)، أي تحولها من الحقيقة الواقيعة إلى الحالة الفكرية والذهنية التي تتمثل في وعي العمال وحزبهم السياسي. هذا الموضوع مهم جداً في تطبيقه على الآشوريين والكلدان والسريان لتبيان حقيقة تحول الآشوريين من (الموضوع) إي (Assyrians) إلى الذات أي (ِAssyrianism) وبشكل مبكر قبل غيره من الكلدان والسريان. موضوع يستحق معالجة مفصلة، نتركها لفرصة أخرى.
تداخل هذه المفاهيم مع بعضها والتفسيرات المختلفة حولها هي الحيرة التي ذكرها رابي في أستنتاجه في نهاية هذا الفصل مؤكداً بأنها “مفاهيم غير موحدة في الميدان العلمي وأنها متداخلة مع بعضها في معانيها ومقاييسها وتتباين في إستعمالاتها ومضامينها ومكانياً فليس لها وضوح تام” (ص49). لهذا كان يستوجب عدم تضمينها في الكتاب بهدف التقليل من صفحاته العديدة، أو على الأقل ذكر تلك التي لها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب. بل كان من الأجدر الإشارة  وبشكل مفصل إلى بعض المفاهيم والمصطلحات التي تخص شعبنا بالصميم مثل (الأقلية) و (المكون المسيحي) و (الشعوب الأصلية)، وهي المفاهيم المتداولة في العراق ولها إنعكاسات سلبية في ثقافة وفكر الكثير من السياسيين والمثقفين العراقيين بشكل عام والكلدان والسريان والآشوريين بشكل خاص. فالأقلية (Minority) مفهوم أو مصلح سياسي قانوني دولي معترف به ومدرج في الكثير من المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية، (أعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى  أقليات دينية ولغوية لعام 1992 – مثال على ذلك)، ولكن طبقاً للعقلية العربية ومنها عقلية سياسيي شعبنا فأنه أعطي لهذا المفهوم معاني في الدونية والإستخفاف والتحقير للمجموعة الأصغر من الشعب لهذا تجنبوا أستخدامه فأضطروا إلى اللجوء إلى مصطلحات أخرى مثل (المكون المسيحي)، وهو مصطلح أمره غريب وعجيب في العلوم الإجتماعية، فهذا المصطلح يصلح للعلوم الفيزيائية والكيميائية وليس للعلوم الإجتماعية خاصة العلوم السياسية وعلم الإجتماع السياسي، ولكن مع هذا فهو من أكثر المفاهيم المتداولة على الساحة السياسية العراقية لأنه نتاج الوضع السياسي الطائفي والمذهبي للنظام السياسي العراقي ولفكر وأيديولوجيا رجال الحكم والسياسة، وهو الأمر الذي يفضله رجال الدين المسيحي. من هذا المنطلق جاء مفهوم “الكوتا المسيحية”. ولا ننسى أيضا عجز شعبنا من الوصول إلى التسمية القومية الموحدة كان سبباً آخر لتبني “الكوتا المسيحيه”. (جفيان شر تعدد التسميات). أما مصطلح (الشعوب الأصلية  (Indigenous People – الذي يستخدم من قبل بعض مثقفي وكتاب شعبنا فهو الآخر لا ينطبق على شعب له حضارة وتاريخ ويعيش حياة حضرية كشعبنا بل بالآساس صدر القرار الأممي الخاص بالشعوب الأصلية للحفاظ على وضع وظروف الشعوب التي تعيش في بيئتها الطبيعية الأصلية كشعب الآمازون وهنود الحمر في الأمريكيتين الجنوبية والشمالية وشعب الأسكيمو في كندا والأوبرجين في أستراليا، وهو موضوع سبق وأن كتبنا عنه. فهناك قرارات وتوصيات دولية تخص حقوق الأقليات القومية والدينية فالأجدر بسياسي شعبنا أن يعتمدوا عليها بدلا من قرار الشعوب الأصلية. هذه المصطلحات السياسية القانونية كان يستوجب ذكرها في الكتاب وتحليلها ومدى إنطباقها على شعبنا في العراق ومدى إمكانية إستخدامها في تأطير التسمية القومية لشعبنا.
أما في الفصل الثاني (التطور الحضاري في بلاد النهرين) والذي يذكر رابي عشرين “حضارة” فأنه أدرج هذه الحضارات، بشكل مختصر دون التفاصيل، لتكون مدخل تاريخي لموضوع الكتاب، كما يقول ذلك رابي (ص 52). فإذا كان هذاصحيحاً من حيث المنهجية العلمية في البحوث والدراسات فإنها من جانب آخر وطبقاً للمستوى الثقافي والإهتمام التاريخي لأبناء شعبنا ومعرفتهم بالكثير عن هذه الحضارات فأنه برأيي الشخصي كان من الممكن تجنبها والإقتصاد في صفحات الكتاب الكثيرة، خاصة وأن الكثير من هذه الحضارات والشعوب التي ذكرت ليس لها علاقة بشكل أو بآخر بجوهر موضوع الكتاب. وفي خاتمة الفصل يذكر رابي “تأثير التواجد الحضاري واللغوي المتنوع على سكان بلاد النهرين وما علاقة هذا التنوع بالآشوريين والكلدان والسريان المعاصرين”، في حين أعتقد بأن تأثير هذه الحضارات التي كانت قائمة قبل عشرات القرون على الآشوريين والكلدان والسريان المعاصرين يصعب إدراكه، فالتأثيرات التي أثرت على هذه المجموعة لا يمكن أن يكون لها مفعول مباشر وعميق وذلك بسبب تقادم الزمن. بل أن أكثر التأثيرات تأتي من فترة الظروف التي مرت بها هذه المجموعة خلال خمسة أو ستة قرون ولا أكثر، خاصة في مرحلة الإنشقاق في كنيسة المشرق وتأثيرات البعثات التبشيرية الغربية في بلاد النهرين، وهذا ما يشير إليه رابي في الصفحات اللاحقة من الكتاب. وحتى مثل هذه التأثيرات لم تكن على التسميات الثلاث كأثنية التي نعرفها في هذه الأيام، بل كانت بالأساس على المسيحيين وأتباع كنيسة المشرق وبالتالي أصبح كل فرع من فروع كنيسة المشرق مصدراً للإنتماء الجمعي وتحديد الهوية أو التسمية من خلال الإطار المؤسساتي الكنسي خاصة في دولة إسلامية. أي بعبارة أخرى كانت تسميات طائفية أكثر من أي شيء آخر خاصة في الفترة العثمانية التي أطرتها بنظام “الميليت” وقننتها بتسميات طائفية، ونحن نعرف بأن كلمة (ميليت) التركية تعني شعب أو قومية وهو الأمر الذي زاد الطين بلة. كما يجب أن لا ننسى تأثيرات نشؤ الفكر القومي ومبدأ القوميات وحق تقرير المصير في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبشكل مختلف ومتفاوت على كل مجموعة من المجموعات الكلدانية والسريانية والآشورية والتي برزت بشكل واضح في الفترات اللاحقة وأنعكس ذلك في حركة قومية أو أحزاب سياسية كما كان الحال مع الآشوريين. فتدخل الكنيسة في السياسة، كما كان تدخل كنيسة المشرق الآشورية وبطريركها، عاملاً مهماً ومؤثراً في تعزيز وطغيان الأسم الآشوري على الحركة القومية لشعبنا ونشوء أحزاب سياسية آشورية شاركت مع بقية القوى السياسية العراقية في العملية السياسية سواء قبل عام 2003 أو بعده، مما أثار هذا الظهور والفاعلية حفيظ التسميات الأخرى فحاولت مزاحمة التسمية الآشورية عن طريق تأسيس أحزاب سياسية كلدانية وسريانية.  فمثل هذه الأمور التي تخص بالأساس تسمية شعبنا كان من الأفضل ذكرها وبيان مدى تأثيرها على تعدد التسميات وبشكل أكثر تفصيلا مما سيذكره رابي في الصفحات اللاحقة.
وفي الفصل الثالث (حصيلة التنوع الحضاري واللغوي في بلاد النهرين – مناقشة وتحليل) يستطرد رابي وبشكل مطول عن الصراعات التي دارت رحاها في بلاد النهرين وكان “من نتائج هذه الحروب وعمليات الأسر والتهجير القسري وسيطرة  قوم على أقوام أخرى حصول الإنتشار  الحضاري وثم الإقتباس الحضاري، فيحدث التلاحق الحضاري بين الأقوام المتحاربة بينها، فلابد من نقل التراث وأمتزاجه لتعاقب الأقوام على السلطة ولكل من تلك الأقوام تراثها الحضاري المادي والإجتماعي والديني واللغوي والأساطير، فأمتزجت ببعضها البعض، وأثرت على الفرد، حيث بمرور الزمن تتبلور شخصية حضارية جديدة تختلف عن ما سبق، فكل حضارة تركت بصماتها بالأخرى” (ص 106). ولكن من الملاحظ بأن رابي أعتمد في جانب كبير على هذا التلاقح الحضاري على الأسرى الذين كان الآشوريون يجلبونهم إلى بلاد آشور والتي كانت بأرقام جاوزت مئات الألاف من الأسرى، وهي أرقام مبالغ فيها وغير واقعية خاصة عندما تُرحل عبر مسافات طويلة من دون وجود وسائل نقل قابلة لنقل مثل هذا العدد الهائل من البشر وإبقائهم على قيد الحياة وما يتطلب ذلك من مأوى ومأكل ومشرب.
وبهذه المناسبة يذكر رابي أثناء بحثه في الفصل الثالث عن (حصيلة التنوع الحضاري واللغوي في بلاد النهرين – الصراعات (الحروب) ص 86، معتمدا على الغالب على ما كتبه المؤرخ حبيب حنونا في كتابه (سفر الخروج الكلدان) السالف الذكر في القسم الأول، بأن كلا الملكين الآشوريين “أسرحدون (681-669 ق.م) وآشور بانيبال (668-626 ق.م) جاؤا بأعداد كبيرة من الأسرى إلى بلاد آشور. وقد بلغ بحسب الُرقم الأثرية المكتشفة في نينوى والمدن الآشورية الأخرى عدد الكلدان المهجرين أكثر من نصف مليون نسمة موثقة توثيقا رسمياً في المدونات، ما عدا تلك غير المدونة ويقدرها العلماء الآثاريون بثلاثة أرباع المليون ليكون مجموعهم مليون ونصف…”!!! (ص 92).. هذا الرقم المبالغ فيه نستشف من ذكر رابي له لكي يصل إلى القول بأن كلدان اليوم في شمال بلاد مابين النهرين هم من أصل الكلدانيين الذين هجروهم الآشوريون من بابل إلى بلاد آشور، وهذا ما سعى إليه المؤرخ حبيب حنونا ليؤكد هذه الفرضية.
وبعكس هذا يؤكد الكثير من الأركيولوجين بأن الغرض من هذه الأرقام المبالغ فيها كان لخلق الرعب والهلع في نفوس الأعداء وإعتبار الآشوريين أول من أستخدم الحرب النفسية في مواجهة أعدائهم. غير أن هذه الفرضية التي وضعها رابي في التلاقح الحضاري كان تأثيرها على الأقوام التي كانت تعيش في مناطق جبلية وعرة ومنقطعة عن العالم الخارجي أقبل بكثير مقارنة مع الأقوام التي كانت تعيش في المناطق المنسبطة والمنفتحة على العالم الخارجي. فمثل هذا العامل الجغرافي لا يمكن تجاهل تأثيره على تمسك الآشوريين في المناطق الجبلية بتسميتهم القومية التاريخية، أو على الأقل أستطاعوا الحفاظ على تقاليدهم وتراثهم ومأثوراتهم، أكثر بكثير من أخوتهم في المناطق السهلية والمنبسطة،
يقول رابي “من الظواهر المهمة الناتجة عن الحروب قديماً، هي التغيير في التسميات. أشتمل هذا التغيير في تسمية الأقوام، فالأقوام التي خضعت إلى الأمبراطورية الأكدية سُميوا بالأكديين والذين خضعوا إلى الإمبراطورية الآشورية سُميوا بالآشوريين وهكذا بالنسبة إلى الكلدانيين لإنتمائهم إلى الدولة الكلدانية…” (ص108). ولكن هذه الفرضية تخالف الواقع والتاريخ ولا يمكن تعميمها، خاصة عندما تكون مقومات وجود الأثنية أو القومية مختلفة تماما عن مقومات الأثنية أو القومية التي تحكم الدولة. فهناك كثير من الأقوام والشعوب، واليهود نموذجا، التي خضعت للإمبراطورية الآشورية والكلدانية، ظلوا يهودا من دون أن يغيروا تسميتهم إلى الآشورية أو الكلدانية. وهكذا بالنسبة لبقية الأقوام الذين أحتفظوا بتسميتهم التاريخية من دون أن يُغيروها لتسمية الدولة التي خضعوا لها. ونفس الحال ينطبق على الآشوريين حيث بقوا طيلة قرون طويلة محتفظين بأثنيتهم وبكل مقوماتها من دون أن يغيروا تسميتهم إلى تسمية الأثنية أو القومية الحاكمة في الدول العديدة التي خضعوا إليها. كما أن حال اليوم كحال الأمس، فوجود الآشوريين أو الكلدان أو السريان في بلدان المهجر ظلوا محتفظين، وبدرجات متفاوتة، بتسميتهم التاريخية من دون أن يغيروها إلى الأمريكية أو الكندية أو الإسترالية.
وعلى العموم يرى رابي بأن اللغة كانت من أهم نتائج التلاقح الحضاري والتي تعد من المقومات الأساسية في التسمية الأثنية، كما هي أهم عامل أدى إلى نشؤء صراع التسمية (ص 116). هذا الأمر الذي يشير إليه رابي لا ينطبق بشكل مطلق على الكثير من الحالات، خاصة في الزمن المعاصر. فهناك العشرات من التسميات الأثنية أو القوميات لا تعد اللغة التي يتكلمون بها مقوم أساسي في تسميتهم الأثنية أو الوطنية أو القومية، والأمثلة عديدة: فعلى الرغم من أن الأمريكيين والكنديين والأستراليين والعشرات غيرهم يتكلمون الإنكليزية إلا أنهم ليسوا إنكليز بل أمريكيون وكنديون وأستراليون، وهكذا الحال مع عشرات شعوب الدول الفرنكوفونية الذين يتكلمون اللغة الفرنسية إلا أنهم ليسوا بفرنسيين، وأيضا بالنسبة لشعوب بلدان القارة الأمريكية الجنوبية الذين يتكلمون الإسبانية ولكن ليسوا بإسبان. كل هذا يوحي لنا بأن رابي يحاول تطويع وتعميم بعض الحقائق التاريخية وبعض المناهج العلمية للوصول إلى إستنتاجه في صراع التسمية بين الآشوريين والكلدان والسريان، وهو أمر ينافي البحث الموضوعي.
قبل أن أختم هذا الفصل نرى رابي يعتمد على مصطلح الأثنية في تعريف الكلدان والسريان والآشوريين ويرى فيهم ثلاث أثنيات، وهذا ما يؤكده في معظم صفحات الكتاب. وهو أمر لا نتفق معه ولا يتجانس مع واقع هذه التسميات الثلاث لقومية واحدة. فمن المعروف بأن مصطح الأثنية (Ethnical) والذي تترجمه معظم القواميس إلى العرق و(Ethnology) إلى (علم الأعراق البشرية)، هو مصطلح قليل الإستخدام في العلوم الإجتماعية خاصة السياسية وفي العملية السياسية، حيث وأن أستخدم فهو يشير إلى المجموعة البشرية الصغيرة المتميزة بعرقها وثقافتها، على الأغلب بدائية، التي تعيش في كنف قومية كبيرة أو ضمن حدود دولة معينة وفي معظم الأحيان ليس لها طموحات قومية سياسية أو تسعى لتكوين دولة مستقلة خاصة بها، في حين أن الكدان والسريان والآشوريين، وأن كان الواقع الحالي قد فرض عليهم هذه التسميات، فهم قومية كاملة المقومات المعروفة في العلوم الإجتماعية، لهذا السبب فرق الإعلان الأممي لعام 1992 بين الأقليات القومية والأثنية …. لنا لقاء في القسم الثالث.

© 2018 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی