بقلم الكاتب اللبناني

عصام محمد جميل مروّة .

في نهاية شهر آذار من العام الماضي عندما سافرتُ في زيارة الى بلدي لبنان قاصداً من ذلك التخلص من اعباء الشتاء الثقيل الذي بدا منذُ بدايته مبشراً بفصل من البرد القارص من العيار الثقيل الذي تعودنا عليه في بلاد الشمال الاوروبي.
لكن ما ان وصلتُ الى مطار بيروت حتى لفت نظري شحوح او قلة الناس الوافدين في ذلك الشهر من العام، مع العلم بإن أعياد الفصح المجيد كانت على الأبواب .لكن بعد قضاء ليلةً او اكثر في بيتنا الواقع قرب مطار بيروت في منطقة المريجة ، حيثُ غدّت واصبحت مكتظة بالسكان خصوصاً من ابناء الجنوب اللبناني، و البقاع وبعلبك، كما تعارف على تسمية السكان ابناء الضاحية الجنوبية،
بعد تلك الأيام القليلة قررنا الصعود والمغادرة الى قضاء نهاية العطلة الأسبوعية كالمعتاد في قريتنا “الزرارية “الواقعة في قلب ووسط جبل “عامل الأشم “.
ما أن وصلنا الى البيت ونزلنا من السيارة حتى ادخل اخي ورفيقي علي مروّة “ابو خليل” رسالة على شكل شبه دعوة .قال مغطبتاً بلشنا الشغل،
هنا فهمت سريعاً إن هناك دعوة الى مكان ما مهم اي كان علينا تلبية الدعوة. لكنني تكاسلتُ على النزول من السيارة وبدأتُ في فتح الرسالة وإذا بها كانت عبارة عن كرت مطبوع يتخللهُ صورة الكتاب والمكان والزمان والاسم للكاتب ولصاحب الدعوة الكريمة مناسبة “توقيع كتاب” . كان الاستاذ ابو مازن صديقاً ورفيقاً ووجهاً من ابناء القرية واستاذاً في مدارس الجنوب اللبناني حيثُ لَهُ علاقات وطيدة مع الكثير من ابناء تلك القري الجنوبية التي كتب عنها في هذا الكتاب الجميل والرائع في لغة ادبية ولغة لبنانية قروية محكية،  عن البدايات ،وعن مرورهِ السردي الممعن للمهنة التي جعلتهُ فناناً واستاذاً جديراً في كيفية إختيار المواضيع الكثيفة والمهمة لتلك الرسائل التي ارسلها الى كبريات الصحف اللبنانية عن اوضاع ارض الجنوب وعن المقاومة وعن رائحة عطر “زهر الليمون” التي لم تزال تعبق على مكاتب الذين فتحوا الرسائل تلك في الصحف منها ،النهار ، الحياة، السفير،النداء، لكن الرفيق الاستاذ المناضل الذي لم يغادر تلك المنطقة من الجنوب اللبناني في ” سهل بلدة عدلون” حيثُ ترعرع وإتخذها مكان لتكون مسكنهُ مع أفراد عائلتهِ.تحدث الكاتب بكل صدق عن إن الكتاب ليس رواية او اية إيحاءات الى انهُ سيرة ذاتية او حكايا من الماضي او دراسة سوف يقدمها الى المرجعيات والجامعات التي تهتم في ما يدور داخل خبايا “الكتب”،
بعد قرائتي ومتابعة الفصول الخمسة للكتاب وجدتني امام مرجع لا بد من ان الرفيق ابومازن كان بكل تواضعهِ وإسهامه وإسهابهِ في تقديم موسوعة من المعلومات المهمة والمهمة جداً عن كل ما كان تعرف اليه منذُ البدايات في مقلع جبل عامل الأشم . ها هو يروي لنا عن الأيام الاولى لأبناء تلك البقعة المنسية في بداية نشوء ما بعد الاستقلال اي الجمهورية اللبنانية .حيثُ كانت القري والبلدات الجنوبية المحرومة والمعدومة من اي مكان رسمي لما سُميّ “المدارس” ،كان الأستاذ حسن  يروي ويغمز ويعبر في “غُمر من حصاد العُمر” عن تجربةً طويلة  في مراحل متفاوتة من ما كان وما زال وشدد على إنهُ يُرِيدُ للمستقبل ان يكون أفضل في الإشراقات الثقافية الواسعة التي لها البعد التاريخي لأية شريحة من المجتمعات ، ان لم تكن على علم ودراية بما يدور حولها من الاخطار في كافة المجالات ، نراهُ في امكنة واسعة في الكتاب يتحدث عن المدارس والمعاناة حول كيفية حث المخلصين على تطوير امكنة دور المعاهد والمدارس والجامعات .
كما لم يبخلُ علينا الاستاذ في شرحهِ العميق للأسباب الواقعية والحقيقية للتخلف الذي ضرب ويضرب تلك المنطقة في جعلها منسيةً من قِبل الدولة من ناحية ، ومن العدوان الصهيوني المتكرر منذُ طرد ابناء الشعب الفلسطيني عام “١٩٤٨” الي الجنوب اللبناني ، مع أهمال الدولة بشكل كامل للجنوب اللبناني بعد الإجتياحات المعروفة منذُ آذار “1978” لغاية الإجتياح الأكبر في صيف “1982”
الذي بدل وغير الخارطة العسكرية والسياسية على عالساحة اللبنانية ،كما لم ينسى الاستاذ حسن تشييد معتقل “أنصار ” حيثُ يُذكرنا بمظاهرة الأهالي للمعتقلين في رشقهم الحجارة على الجنود والضباط والعملاء الصهاينة،
هناك محطات مهمة في الفصول الخمسة للكتاب عن اوضاع ابناء تلك القري والبلدات وما لفت نظري بكل إحترام للتضحية التي قدمتها الأجيال السابقة والحالية من المغتربين الذين هربوا وفروا من “الفقر والعوز ” والحاجة حيث هاجروا منذُ مطلع بدايات القرن التاسع عشر وكان ابناء القري تلك منهم من إلتقاهم الأستاذ “حسن موسى جعفر مروّة “بصفتهِ الصحافية عن آلامهم وأوجاعهم في الغربة الطويلة والخطيرة التي كانوا يسمونها “فزاعة القرن” لأن العيش في الوطن والإحساس بالغربة اصعب من الشعور في شق اعباب البحر والسفر الى المجهول كان بمثابة الهروب الكبير نحو البقاء على الحياة.
لكن جميع من إلتقاهم أفصحوا عن رغبتهم وحبهم للبنان ،وللجنوب ،وللزرارية، ولعدلون، وللعباسية،
حيثُ قدموا جل رأسمالهم الذي جُمعّ في البلاد الافريقية في “السنغال” وفِي “ساحل العاج “وفِي “نيجيريا “وغيرها من الدول الإغترابية التي كانت مقصداً لمئات الألاف من ابناء الجنوب اللبناني ، 
إن النمط الوطني والثقافي الذي بذلهُ الاستاذ في بحثهِ التاريخي والعميق للأحداث والوقائع التي كتب عنها وقدمها لنا ما هي إلا “غلة العمر “الثمين والنضال والكفاح والأصرار على التحدى للظلم وللتخلف داعياً إيانا الى الحفاظ على معالم الثقافة لأن الشعوب لا تعرف الحرية ومعنى الثورة إلا من باب الفقر ،
عصام محمد جميل مروّة ..
اوسلو في كانون الثاني/جانفييه/٢٠١٩/..