بقلم الكاتب اللبناني

عصام محمد جميل مروّة .

دخلت بلاد المليون شهيد من جديد في غابات من الضبابية الأعلامية التي فُرِضت على مكانة الدور الكبير والمميز الذي قادتهُ قيادة حزب جبهة التحرير الوطني في الجزائر منذُ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وصولاً الى مطلع عقد الستينيات حيثُ كانت الثورات في شمال افريقيا في طريقها الى تحقيق بعضاً من الانتصار على بقايا الإستعمار الفرنسي في الجزائر وفِي جارتها تونس  كما إن الدعم الكامل الذي قدمهُ الرئيس المصري جمال عبد الناصر لم يكن إلا تكملةً للإنجازات المتواصلة والمتتالية عن نوعية الثورات في شمال افريقيا ونبذها نير العبودية من جهة والتخلص من اثار الإستعمار المستديم من ناحية اخرى.
لقد خرجت المظاهرات منذ أسابيع متعاقبة في بلاد الثورة التى لاقت إعجاباً ونموذجاً في كيفية إنجرار ونزول الجماهير الغفيرة الى الشوارع لكى يُبدوّن ويُعبرّون عن سخطهم ورفضهم الى اي شكل من أشكال الاستبداد والحكم ، الذي تفرزهُ في العادة ما بعد الإنتصارات وإعادة الحقوق الى الشعوب كافة كتعويض عن مراحل الغبن وتغييب الحقوق لابناء ما بعد الثورة، إنتصرت قيادة جبهة التحرير الوطني في حزيران من العام “١٩٦٢” واصبحت البلاد تلملم بعضاً من اشلاء الجزائر ومحاولة القيادة اياها ان تكون مثلاً يُحتذىّ بهِ على الأقل نتيجة مسار الثورة التي إستغرقت اكثر من عقد من الزمن لغاية الوصول الى إجلاء الإستعمار الفرنسي وإنسحابهِ من بلاد “المليون شهيد “، بعد رفض الهيمنة الفرنسية على كل إمكانيات الإنتاج من ثروات الجزائر التي كانت مشروع إنتاج النفط والغاز حيثُ تم الإكتشاف المبكر من قبل خبراء كانوا يتوزعون في العالم بحثاً عن إكتشاف الثروات المدفونة تحت “رمال الصحراء او حتى البحار “، والمحيطات،لكن اليوم ما يستدعى الى تلبية الدعوات العفوية للجماهير الجزائرية في الإلتفاف حول زمان ومكان التظاهر على كافة الاراضي الجزائرية ، والمدن الجبلية والساحلية وخصوصاً في العاصمة التي تصرخ بصوت واحد وهو عدم السماح الى التجديد للرئيس “عبد العزيز بوتفليقه ” ، لولاية خامسةً على التوالي ،برغم الأصوات المتعددة التي لبت الدعوات ومنها المناضلة والسجينة والأسيرة (جميلة بوحيرد )التي عاصرت وكانت شاهدة على تسلم “احمد بن بيلا “زمام الأمور و من ثم كيفية “الانقلاب الرفاقي الذي دبرهُ محمد بو خروبة والملقب بهواري بومدين “،كذلك شهدت الإنتقال السياسي في وصول “الشاذلي بن جديد “،والجنرال “محمد ابوضياف “،الذي تم أغتيالهِ والقائد العسكري “اليمين زروال “، وصولاً الى الرفيق العزيز عبد العزيز بوتفليقه ،كانت رمزاً للثورة ودور النساء والمرأة الجزائرية في ترسيم وتحديد المشاركة في تحقيق المساواة والعيش جنباً الى جنب من اجل وطن جزائري حر يستمد العزيمة من تاريخ طويل في النضال سعياً وحراكاً في التطلع الى الحرية ، اما في الأيام القليلة الماضية كانت المظاهرات قد اخذت منحىّ اخر بعد سفر الرئيس بوتفليقه الى خارج البلاد وتحديداً في جنيف سويسرا حيثُ هناك يخضع الى دورات مراقبة للعلاج الذي يتلقاه منذُ أعوام بعدما أُصيب بأمراض حددت لَهُ عدم الإمكانية في السير والمشي وإعتمادهِ على “كُرسيٍ متحرك” ،حتى كانت المظاهرة الاخيرة قد هددت في عصيانها المدني والمطالبة في إلغاء يوم الانتخابات المحددة في “١٨/نيسان ” القادم ويكون ترشيح بوتفليقه عبارة عن مرحلة إنتقالية قد تحددها قيادة الجيش الوطني الذي يتحكم بكافة الأمور سراً ،أكان  بوتفليقه يعلم او لا يعلم؟  عن تدخل القيادة العسكرية واصحاب رؤوس الأموال في زمام كافة الأمور وسيطرتهم على مجريات الحياة العامة للشعب الجزائري الذي ما فتِئ الى الان يتعلم الدروس ويُعلنُ للأجيال اللاحقة التي تقود المظاهرات اليوم بإن الشعب الجزائري لا يستكين ولن ينام على ريشِ او حرير ما دامت القيادة العسكرية الحاكمة وطموحها في تمييّع مكتسبات الثورة وسمعة بلاد المليون شهيد في تطبيق الأسس الديموقراطية للشعب الجزائري الذي تجاوز الأربعين مليون نسمة، الم يكن الرئيس ابو تفليقة قد طرح نَفْسَهُ في نهاية التسعينيات بعد إغراق الجزائر في حرب دموية بشعة قادتها “جبهة الإنقاذ الإسلامية”،  تحت قيادة “علي بالحاج -وعباسي مدني “، حيثُ كانت خسارة كبيرة للشعب الجزائري أنذاك في “العشرية السوداء” التي دفع ثمنها الشعب الجزائري نتيجة عدم الإستقرار الاقتصادي والامني معاً وعدم النظر الى الاحقية في التأمينات للحياة الكريمة والشريفة التي يستحقها أهل البلاد،وذهب اكثر من مئة الف ضحية لدورات العنف التي كادت ان تتحول الى حمامات جارية للدماء،
كما إن هناك ادواراً كان قد لعبها عبد العزيز ابوتفليقة في بداية منتصف السبعينيات بعدما كلفهُ الرئيس “هواري بومدين”،  ملف السياسة الخارجية حيثُ برع في فك النزاعات والمشاكل الخارجية ومنها على سبيل المثال دورهِ في التفاوض مع مجموعة الخاطفين لوزراء النفط في النمسا حيثُ لعب دوراً تاريخياً في عدم حدوث كارثة ومجزرة حقيقية كان قد تحدث عن وقائعها لاحقاً وعن خباياها وأسرارها ودور ومطالبة الرئيس الليبي معمر القذافي أنذاك في سحق وزراء النفط الخليج،
إن حضارة وثقافة الشعب الجزائري العريقة في إمتداداتها من  ابناء شمال افريقيا والحياة للسكان البرابرة هي اساساً مربوطةً ومتواصلة في الاصالة مع السكان الأصليين للمغرب العربي الذي لعب دوراً اساسياً في الوقوف ضد الاستعمار الغربي الإسباني والفرنسي ،
المطلوب الان وليس غداً ان يترجل الرئيس عبد العزيز بوتفليقه عن كرسيه المتحرك وان يعتذر من الشعب الجزائري وان يكون من الأوائل المطالبين في تعديل الدستور وحق الانتخاب وإنسحابهِ من السباق الانتخابي كعربون عن منح الشعب الجزائري حقهُ في الاختيار والسعي الى منح الأجيال الجديدة ان تلعب دوراً طليعياً في الإنماء والتطور وان يُفّوت على الذين لهم مطامع في ان تعود وتدور دورات الحروب في بلد اهلكتهُ منذ قرون دول كبرى .
عصام محمد جميل مروّة ..
اوسلو في/١٠/آذار /٢٠١٩/..