بقلم الكاتب اللبناني

عصام محمد جميل مروّة 

الرأسمالي لا يرا في العامل إلا قوته البدنية لإستغلالها الى أقصى مرحلة متقدمة حتى نهاية الهجيع الأخير من العمر والليل معاً مقابل مبلغ زهيد من المال لا يكاد يسد رمق عائلة الشغيل الذي ينفقُ على عشرة أفراد وذلك موثق منذُ بداية الزمن البشري الى المراحل المتتالية وصولاً الى أيامنا الحالية.

في الاول من ايار “مايو” من كل عام ، تحتفل الساحات والميادين الدولية في جميع المدن الكبرى العالمية ،موسكو ،وباريس، ولندن،رافعين رايات حمراء تحمل في معناها الأدوات التي يستخدمها العامل، والفلاح، والمثقف، مناجل، و مطارق،  ومعاول، وأقلام ،في تظاهرات تضم العاملات والشغيلة من كل الأجناس والأعمار و الألوان ، منذُ الإنتهاكات للحقوق المشروعة للعمال في مدينة” شيكاغو” الامريكية في أعوام ما بعد “١٨٥٠” وصعوداً تظاهر العمال في ميدان “هايماركت” ، مما ادى الى تصادم وصراع دموى بين أفراد وعناصر من الشرطة المحلية الذين خرجوا بكافة الأسلحة، والهراوات ،والكلاب ، التابعة للشرطة ، حيثُ تم قتل وجرح العشرات وجر المئات الى السجون والمعتقلات ، بعد معركة غير كفوئة بين العمال والجلادين الذين كانوا يُنفذون ويُؤدون ويُطبقون الأوامر الصارمة المعطات لهم من قبل اصحاب الشركات التجارية التي تحظى وتحمى نفسها وتتحصن وتختبئ خلف “الكم الهائل من الرساميل والاموال المنهوبة”، والمسروقة من “عرق العمال والإجراء والشغيلة “، الذين ليس لديهم “سلاحاً سوى أبدانهم “، في تذخيرها مقابل الحصول على بدل زهيد من المال ، لكن بعد الحادثة تلك في الولايات المتحدة الامريكية تم تعميم وإنتشار الأخبار عن الصراع ما بين الضحية العامل والجلاد الفاسد والجشع ،  الحاكم بأسم المال، وإستدعت نقابات العمال الى تظاهرة مماثلة في مدينة نيويورك، وفِي مدينة تورينتو، الكندية بعد انتشار باكورة الثورة وشعلة المطالبة في تصحيح الاجور في معظم الدول والقارة الامريكية، وسرعان ما وصلت الى ما بعد المحيطات . حتى غدا يوم الاول من ايار في ما بعد إنتصار الثورة الاشتراكية والشيوعية في الاتحاد السوفييتي عام (١٩١٧)، بعد لهب ونار وشعاع كان العامل والشغيل والثائر على الظلم والإضطهاد يستمد العون وروح العمل الجماعي والنقابي الذي اصبح منظماً وممنهجاً يخدم العامل وحدهُ في صون الحقوق الكاملة لدورهِ  في تحقيق فترة عدد الساعات للعمل ان لا تتجاوز “الثمانية ساعات” تاركين” ثمانية للنوم”،” وثمانية للراحة” ،بعدما كان الشغيلة اداة يستغلها الرأسمالي واصحاب وارباب العمل في عدم منح الأجير فترة وجيزة في الاهتمام في “الاكل والشرب والنوم”،  والذهاب حتى الى “الخلاء”، لأن من كان يُراقب العمال مجموعات تحمل “الكرابيج السلكية والهراوات”، وصولاً الى مراحل متقدمة في إطلاق الرصاص على رؤوس العمال الذين كانوا يمارسون الاعمال الشاقة في الزراعة كالفلاحة،  والملاحة البحرية، كل الدلائل تُشير عن التخلص من “البحَّارة والعبيد” الذين كانوا يتعرضون للأمراض والهلاك الجسدي كانوا يُرموا بهم احياءاً في عرض البحر وعدم منحهم المضادات الحيوية والتخلص منهم بتلك الطريقة الوحشية والغير إنسانية، و عند النزول الى المناجم في أوقات دقيقة وصعبة كانت اليد العاملة مرهونةً في إنجرارها الى امكنة الشغل مقابل مبالغ لا تُذكر قياساً عن ما يُنتجهُ العامل اثناء الأيام والليالي التى لاتُحصىّ . هكذا كان سائداً في امكنة كثيرة من العالم للإستغلال والإستعباد” لليد العاملة ” ، وقد نراها اليوم في أماكن منتشرة لم تتوصل الأنشطة النقابية في التعاطى معها في دول متخلفة في القارة الافريقية على سبيل المثال وليس الحصر ! وإلا كيف نترجم كيفية اعلان الامم المتحدة عن المدخول السنوى للعامل او للفرد لا يتجاوز “”١٢٠”” دولاراً أمريكياً ؟  أليس ذلك دليل قاطع على ان الرأسمالية ما زالت تتمتع بحماية دولية وأمنية ضخمة فقط من اجل ان تستمر في جمع المليارات من الدولارات والثروات المنهوبة والمسروقة من امام” افواه الجياع “، الذين لا امل لهم في تحقيق العدالة الاجتماعية وتنظيم الحقوق والواجبات المدنية إلا من منظار رأسمالي يمص دماء الفقراء في كافة ارجاء المعمورة.

ليست ثورات الشعوب مجرد وقائع او احداث تُطلقها طلائع وأفواج عمالية في الوقت الحالى والعصر الحديث المرتقب الذي تخوض غمارهُ القوة الاساسية للشباب وللطبقات العمالية في بلداننا التي تلتهب برغم الربيع العربي المدمر،  في كل من تونس، والجزائر، واليمن، والسودان، والقاهرة، ودمشق، وبغداد، وبيروت ،والأراضي العربية المحتلة في فلسطين، من هنا نشدد على الدور الثنائي الذي يقوم به العامل في تلك البقعة المزدوجة الوجهين للأحرار في سيرهم وسعيهم من اجل التغيير والتحرير معاً.

برغم كل تلك الصعاب نجد العامل يناضل بلا كلل وبنفس طويل من اجل تأمين وتصحيح الأجور بكل جهد وكد رافضاً الخنوع الى التسويات التى لا تمت بأية صلة دون التوصل الى تصحيح الخلل الفادح والبارز بين العمال من جهة واصحاب الأموال المكدسة من جهة ثانية،

حان الوقت ايها المناضل ايها العامل ايها الشغيل ان لا تتراجع عن مواقفك في نبذ إغتصاب الحقوق وان تُصبحُ ثورة الشغيلة مشعل ونبراس منير سائر لا ينطفئ حتى تحقيق المجد للعمال جميعاً ،

كل التعاضد والتحايا والورود الحمراء في عيدكم ايها العمال أينما وُجدتُم،

عصام محمد جميل مروّة ..

اوسلو في ٣٠/نيسان/٢٠١٩/..