نوزات شمدين آغا اسماً حديثاً لمع وسمعنا عَنْهُ في العقد الاخير من هذا العالم العربي الذي ينقلنا من حينٍ الى اخر ، لكن لكل منا أسلوبه الأدبي في التعبير عن مكنونات والام الثقافة في جوانبها المتفرعة والمتعددة مروراً بالاحداث الدائمة الخطورة .

يُطلُ علينا الروائي نوزات شمدين آغا بعد (سقوط سرداب) الذي تناول فيه روايته عن الأحداث خلال عقود من الزمن اثناء أسر الشعب العراقي بكافة اطيافهِ، وتشعباته الطائفية، والسياسية ،التى أغرقها النظام البائد في ظلام دامس ،استمر لغاية سقوط الإستبداد  في الأعوام ما بعد العشرة من مطلع الألفية الثالثة، وكانت لَهُ نظرةً في خروج الشعب العراقي منتصرا بعد سجنهِ في سراديب الزمن .

لكنهُ نوزات كان يرا في روايته الأكثر جرأةً في تسميتها “شظايا فيروز”  بعد تطاول داعش وإخواتها على صبايا وبنات الأزيديات وإغتصابهن بطريقةٍ وحشية وبدائية ، وهذا ما دفع المجتمع الدولى الى النظر في قضية الناشطة “ناديا مراد طه “، بعد فرارها من سجنها ومقتل عائلتها كاملة وتم منحها جائزة نوبل للسلام مع الطبيب “الكونغولي دينيس ميكونجي”،  بعد رصدهِ لعمليات الاغتصاب للقاصرات  في بلاده ، لكن نوزات شمدين آغا كان قد المح في روايتيه عن رؤيتهِ في الكتابة عن العواقب اللاحقة ما هي إلا توقعات تحمل في خباياها تاريخ اسود لمن يتحكم في رقاب العباد أينما كان الحدث.

اما الرواية الجديدة الطبع التي تحمل اسماً جديداً

غريباً نوعا ما عن اللغة واللهجة العربية اوحتى العراقية ” ديسفيرال” ،

التي لاقت إعجاباً ملحوظاً ومتابعة من قبل الذين يُراقبون اخر الإصدارات الثقافية في عالمنا العربي مروراً في القاهرة ، التي يجب عليها ان تكتب ،وبيروت التي تتحضر للنشر والتوزيع ، وعلى أهل العراق ان يباشروا في القراءة،

لكن الأحداث في قالب جديد ومأسى ومعاناة قل ما يتحدث عنها في مجتمعاتنا العربية لكثرة الأهوال ولتغطية حوادث فردية ، ورصدها يحتاج الى وقت غزير من الذين يبحثون في مهنة الكتابة عن روايات قد تنجح في إيصال الحقيقة المرة ، “للمرضى المنسيين “من ابناء شعب العراق، لماذا كانت ديسفيرال بعد الدخول الى عالم العشائر والعائلات التي تعيش في تقاربها من منطلق بداوة ،

لو راقبنا قليلاً في مطلع الرواية حيث سوف نصطدم اولاً في عقلية “الامام “الذي كانت دعواه على” آل سعيد “وتنبأ لهم مستقبل مشؤوم بعد ما تعرض الى رشات من الدماء الناتجة اثناء نحر و ذبح الخزاف،  التي تُقدم كبش فداء للأئمة بعد صلاة بداية فترة زمنية من العبادة الخاصة.

لكن توجه نوزات شمدين آغا الى إعطاء حيّز كبير في الرواية عن دواء الديسفيرال ما هو إلا نقطة ضعف في التصور البدوي للأبناء او الأولاد الذين يولدون مُصابون بالتلاسيميا نتيجة الزواج من ابناء وبنات العمومة او القريبة جداً،

لكن العداء المزمن بين الاخين (الحاج مجيد )،(والشيخ عزام )، الذين يعيشون منذ زمن بعيد وموروث في حب الانانية والبغض وحب البروز والسيطرة على “مكتسبات  الزعامة والوجاهة” مهما تجاوزت درجة العداء حتى لو وصلت الى القتل ،

في أبواب كثيرة من الرواية يتحدث الكاتب عن الجراح والآلام التى تبرز بعد” ولادة جابر” الذي هو محور الديسفيرال الخطير بعد وصول الحقن اللازم أسبوعيا بعد تلقيه متبرعاً او متبرعة للدماء ،

لكن من جمال الرواية بإن جابر بعد كل أسبوع يتحول من انسان الى شخص اخر حيث يستنتج الجميع ان جابر على سبيل المثال سوف يُصبحُ “مسيحياً “،”او مهندساً”، من خلال اصحاب الدماء التي تسري في عروقه ،

هكذا شدنا الاستاذ نوزات الى اخر صفحات الرواية بعد التعلق في صداقة جابر مع “وليد” الذي كان اعرجاً لكنهُ “جميل المعشر” والحركة ، خصوصاً بعدما أسّر وليد عن حبه لكي يُصبحُ طياراً،  مما اثار فضول جابر  نتيجة الإعاقة طارحاً سؤالاً مبهما ؟  ايها الأعرج هل بإمكانك السير على قدميك اولاً لكى تحقق طموحك المدفون.

لكن المفاجأة كانت صعبة على جابر بعدما تدخلت العناصر الظلامية في “اغتيال وليد وتصفيته “بعد عرض الثياب “والسراويل الداخلية “لبيعها علناً في السوق الشعبي الذي تسيطر عليه جماعات متطرفة تنهي عن المنكر وتأمر بالمعروف،

بعد اطالة طويلة من الحزن العميق في بيت “زاهدة ” والدة جابر وتلعمها حقن ابنها للمادة الجديدة التي كانت يجب ان تتعلم كيف تستطيع ان تحقن ابنها المريض والمتلاشى أمامها يوماً بعد يوم في ضمور جسده النحيل الآيل الى السقوط والموت المحتم.

حتى كان والده سليم بعد زيارته الى المسجد كل يوم يسمع من “الامام شجاع “، عن الآيات القرأنية التي تشير الى البلاء والمرض والشفاء معاً.

قرية السعف، وقرية النور ،والحاج مجيد ،والشيخ عزام،وفردوس، والحاجة غنية، وأسماء مثيرة وردت في الرواية ولكل واحدُ وواحدة أسلوبه في كيفية التعاطي والتعامل مع تقبل الألام والوجع والمرض الغريب،  الذي لا يشعر به أحداً سوى صاحبه جابر. وصولاً الى تقبل العائلة مولوداً جديداً قد يتناسب مع أخيه في منحه “النخاع العظمي”  المطلوب لكى يشفي ،وُلِد “إثار” حتى سافروا جميعا الى إيطاليا لزرع النخاع العظمي لكن المعلومات الطبية في العراق كانت مغالطة لما شاهدوه بعد الفحص المخبري في عدم التطابق بين الشقيقين !  وصار (الموت الحائمُ ) لجابر بين قاب قوسين،  خصوصاً بعد ما اعلن سليم لزاهدة عن مقتل والدها اثناء الاحتفال في تحرير العراق من الأعداء،

هنا ما رأيناه في ذلك المشهد المستغرب الذي حمل سليم على افصائحه (لسرهِ الدفين ) ، الذي حوله نتيجة حباً قوياً لها بعدما إكتشفها ومال لها قبل ان يعلم انها ابنة عمه اللدود المخاصم دوماً وابداً  لأبيه،

في نهاية المطاف يعود جابر الى الموصل ويباشر في مواصلة التطلع الى أيجاد “متبرعون” جدد لَهُ لكي يستمر في الحياة ويكون الديسفيرال الاخير في دمائهِ جرعةً قويةً من (محبوبته ليان) التي تحتفل الان مع خطيبها نسيم في وضع اللمسات الاخيرة للعرس القادم ، والتي سوف تكون منسقة الورود والزهور مساعدتها دلال التي كانت دائما ناشطة وتتنقل من مشتل الى اخر حسب إرشادات صاحبة محل الزهور حبيبتهِ الوهمية ليان.

لكن جابر حاول في اخر جرعة من الديسفيرال ان يتواجد في المستشفي وحيداً حتى يغادر الكرسي المستلقي عليه متلقياً الدماء موعوداً في العالم الاخر بالإبتسام ،

لكى لا تخطلت الأمور كثيراً على الذين يريدون قراءة الرواية لا بد من عدم تقطيع او تفويت اي صفحة من الكتاب،  حتى نصل الى ما كان يأخذنا نوزات شمدين آغا ووعدنا في النهاية رؤية جدية عن متابعة الأدب الغير المرتهن،

عصام محمد جميل مروّة ..

اوسلو في /٧/ايار/٢٠١٩/..