:المنتديات اتصل بنا

 
 



صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » كيف نفهم تضامن ووحدة شعبنا “الكلداني السرياني الآشوري”  وفق نظرية الأواني المستطرقة؟أبرم شبيرا

أبرم شبيرا

توطئة:
—–
في زمن ليس بالبعيد ضربت مثال نظرية الأواني المستطرقة على تضامن ووحدة شعبنا بتسمياته الثلاث الكلدان والسريان الآشوريون الحضارية الجميلة مع شرح مبسط ومختصر، فأثار ذلك إهتمام بعض الأصدقاء والقراء الأعزاء مما وجدت من المفيد ان نزيده شرحاً وتفصيلا عن هذا المثال وتطبيقاته على وضعنا القومي والسياسي في العراق خاصة وهناك الكثير لا يزال لا يفهم أهمية تضامن ووحدة جميع تقسيمات شعبنا  قصداً أو جهلاً في هذه المرحلة الحرجة والمميتة التي تهدد مصير وجود شعبنا في أرض أباءه وأجداده وبالتالي زواله من الوجود كقومية أو ككنيسة تاريخية عريقة.

تعريف بسيط للأواني المستطرقة:
———————

لنبدأ أولاً وبإختصار تعريف بسيط للأواني المستطرقة والتي هي مجموعة من الأوعية مختلفة الأحجام والأشكال وحتى الألوان وقد تكون دائرية الشكل أو مستطيلة أو حلزونية ولكن تتصل بقاعدة مشتركة، كما مبين في الصورة. فإذا صب سائل في أحدى من هذه الأوعية سوف يتوزع في جميعها وبنفس الإرتفاع. ومرجع هذا التوزيع المتساوي للسائل في جميع الأوعية هو كون الضغط الجوي المسلط مباشرة على جميع الأوعية متساوياً رغم إختلاف حجمها وشكلها. أي بهذا المعنى بأن إرتفاع السائل في جميع الأواني لا يعتمد إطلاقا على الحجم والشكل واللون، بل على الضغط المسلط عليها. وحتى إذا أضيف سائل إلى أحدى الأوعية فأن السائل سوف يصل إلى مستوى جديد متساوي في كل الأوعية حيث يكون مقدار الضغط والجاذبية ثابتين في كل أوعية الأواني المستطرقة. أي الضغط السائل المسلط على أي وعاء من أوعية الأواني سوف ينفذ بالكامل بنفس الشدة في بقية الأوعية. هذه النظرية الفيزيائية البسيطة كانت من ضمن المناهج التدريسية لمادة العلوم أو الفيزياء في معظم المدارس إبتداءا من المرحلة المتوسطة وحتى الإعدادية. فمن المؤكد بأن معظم ان لم يكن جميع القراء وتحديداً المثقفين والسياسين والمعنيين بالشأن القومي والكنسي من أبناء أمتنا قد أكملوا المرحلة الدراسية والمتوسطة والثانوية وألموا بهذه النظرية. وقد يكون ممكنا بأن بعضهم قد دخلوا الإمتحان وإجتازوا المادة وبنجاح، وأيضا قد يكون البعض الآخر قد فشلوا ورسبوا في هذه المادة أو لم يجتازوا المرحلة المتوسطة من الدراسة أو لم يدخلوا المدرسة قطعاً.

نظرة إلى أوضاع شعبنا “الكلداني السرياني الآشوري” من خلال النظرية:
———————————————–— 

كغيرها من النظريات في العلوم الطبيعة أستعار علماء علم السياسة هذه النظرية وأستخدموها في بحوثهم المتعلقة ببعض الشعوب التي تتعرض لعوامل وتأثيرات خارجية وداخية تحدد مصيرهم سلباً أو إيجابا. ونحن بدورنا نستعير هذه النطرية لفهم أوضاع شعبنا “الكلداني السرياني الآشوري” في العراق الذي يتعرض إلى ضغوط بالغة الخطورة وتحديات مميتة قد تهدد وجوده التاريخي في أرضه وتقلعه من جذوره وتقوده نحو المصير المجهول. ومن البداية أؤكد تأكيداً قاطعاً، ونحن بصدد هذا الموضوع، بأن إيمانا المطلق قائم على كون الكلدان والسريان والآشوريون قومية واحدة بغنى عن هذه التسمية أو تلك، ولكن هذا الإيمان مرتبط إرتباطا متيناً بشرط أن يعتز كل واحد منا بتسميته إيما أعتزار وأن لا يعظمها أو يمجدها عن طريق تحقير وإهانة أبناء التسميات الأخرى، كما يفعل البعض. أما من لا يومن بهذه النظرية فليس لنا إلا أن نشير إلى المثل القائل “الأواني الفارغة تحدث ضحة أكثر من الأواني الممتلئة” فكذلك نقول بأنه لا يحدث ضجة إلا العقول الفارغة لذلك يستوجب علينا أن لا نضيع وقتنا في المناقشة معهم لأنهم خارج حسابات أمتنا القومية والسياسية.

تطبيقات النظرية على واقعنا القومي:
————————

طبقاً لهذه النظرية نقول بالرغم من تعدد تسميات شعبنا وإختلافه من حيث الحجم الديموغرافي والمدى الجغرافي والمعتقد الكنسي والطائفي ومن حيث العمق الثقافي والفكري والإقتصادي والخلفية السياسية في المسألة القومية، فأنه لا محال من التأكيد في كونه يشكل قومية واحدة ترتبط بقاعدة مشتركة شاملة لللغة والتاريخ والعادات والتقاليد والأرض وبالتالي فأن أي ضغط، فلنكن أكثر وضوحاً ونقول بأنه أي ظلم أو تعسف أو إضطهاد أو تهجير قسري على أي مجموعة من أبناء شعبنا تؤمن بتسمية معينة كمرجع أساسي لإنتماءها الجمعي، لنقل هنا الكلدانية، يترتب بالنتيجة المباشرة نفس الظلم أو التعسف أو الإضطهاد أو التهجير القسري على المجموعتين الآخرتين التي تؤمن بتسمية معينة كمرجع أساسي لإنتماءها الجمعي، أي السريانية والآشورية، كما هو الحال بالضبط مع الأوعية المختلفة للأواني المستطرقة. والحال نفسه على الجانب الإيجابي إيضاً، فأن أي تقدم وإزدهار ونجاح في العملية السياسية ونيل بعض الحقوق القومية وتحقيق بعض الإنجازات على مجمل المستويات الثقافية والفنية والإجتماعية والكنسية لا محال من تمتع المجموعتين الآخرتين بنفس الإمتيازات والحقوق والإنجازات، وهكذا الحالة بالنسبة لأبناء التسميتين السريانية والآشورية وتأثيراتهما على الكلدانية.
وهذا أمر مهم، أي المصير المشترك، هو عامل أساسي آخر يضاف إلى العوامل الأخرى التي تشكل المقومات الأساسية لوجودنا القومي في أرض الوطن. أما من يعتقد بأن أي من هذه التسميات الثلاثة تشكل وحدها وبمعزل عن التسميات الأخرى قومية مستقلة بحد ذاتها ولها مقومات خاصة بها فهو واهم ويسبح في بحار من الغيوم لأنه فعلاً، أما هو خارج أطار الحقيقة الموضوعية التي نعيشها أو كان من الراسبين في إمتحان الفيزياء ولم يستطيع أن يفهم نظرية الأواني المستطرقة أو هو بالأساس جاهل وغير متعلم ولم يجتاز حتى المرحلة الإبتدائية من الدراسة. أفليس جاهلا، أن لم نقل بأنه يدخل حيز الخيانة عندما يقول من يدعي بالآشورية بأن الأمر لا يعنيه عندما تسلب وتهان وتدمر بلدات مثل برطلة و بغديدة لأنها سريانية؟ أفليس جاهلاً إن لم نقل بأنه مساند وداعم لجرائم داعش من يدعي بالسريانية ويقول بأن أمر تهجير أهالي تلكيف وتسلقف وبطنايه لا يعينه بشيء لأنها بلدات كلدانية؟ والحال لا يختلف مع من يدعي بالكلدانية ويقول بأن تهجير أبناء شعبنا الآشوري من قرى منطقة الخابور في سوريا وتفريغها من أهلها هو كفر ويدعم جرائم داعش في السلب والنهب والقتل والتهجير؟ مثل هؤلاء يمثلون قمة الجهل في أبسط الأمور السياسية والقومية، أن لم نقل فعلاً بأنهم من أنصار داعش طالما يحققون نفس هدفها، لأنهم فعل يجهلون أو يتجاهلون بأن حجم السكان المتكون من الكلدان والسريان والآشوريين مع كثافتهم في مناطقهم التاريخية والحالية يشكلان عاملان أساسيان في المطالبة بأية حقوق قومية وسياسية، ولا يمكن إطلاقاً النجاح لأي مطالبة تقوم على تسمية واحدة من دون أن تشمل هذه التسميات الثلاثة معاً، ولا أن تحقق خطوة واحدة نحو الأمام. لنعرف جيداً وبعقول مفتوحة بأنه بسبب فرقتنا وإنقسامنا سهل أمر الذئاب الكبيرة لتشتيت وتفتيت وجودنا في أرض الوطن وبالتالي إفتراسنا وبسهولة، كما يفعل الذئب في القطيع المشتت. لا، والأنكى من هذا، أصبح أمر تشتتنا وإفتقارنا إلى وحدة خطابنا القومي السياسي حجة لدى الغير للنكوث وعدم الإستجابة لمطالب شعبنا… “روحوا توحدوا وتعالوا نناقش مطاليبكم” هكذا هو جواب بعض المتولين زمام الأمور في الوطن وحتى في الخارجية الأمريكية.

حقيقة وجودنا القومي الشامل بين الموضوع والذات:
———————————- 

حقيقة وجودنا القومي الشامل لجميع التسميات الحضارية هي حقيقة واقعية وليست وهماً أو خيال، ويشكل الجانب الموضوعي لظاهرة وجودنا القومي والذي من المفترض أن ينعكس على الجانب الذاتي الفكري ويدركها أبناء شعبنا خاصة المعنيين بالشأن القومي والسياسي ويعملون بموجبها. ولكن هذا الإفتراض في الإنتقال من الحقيقة الواقعية إلى الفكر، أي وعي الموضوع في الذات الفكري وإنعكاسه فيه والعمل بموجبه يعتمد بالأساس على مدى سعة إدارك الفرد وثقافته ووعيه بهذا الواقع  وتوفر الأداة أو الوسائل اللازمة للعمل بهذه المعادلة وبإيمان عميق بين الموضوع والذات، بين الواقع والفكر ومن ثم تطبيقه على الواقع. ولما كان الحزب السياسي أو أي تنظيم قومي آخر هو طليعة العمل القومي فعلى أعضاءه أن يدركون كل الإدراك هذه المعادلة بين الموضوع والذات ويعملوا بموجبها لكي تكون على الأقل ضمانة بسيطة في المطالبة بالحقوق القومية لهذه “الأواني المستطرقة”. من هناك نود التأكيد على أهمية الأحزاب السياسية أو التنظيمات القومية التي تعمل في نفس الحقل السياسي القومي ونقول بأنها هي المرآة الحقيقة للمجتمع ومدى تقدمه أو تأخره من جميع النواحي خاصة السياسية منها. وهكذا نقول بأن النظام السياسي والحزبي الناجح والفاعل في أي دولة يمثل نجاح الدولة وتقدم  شعبها. والعكس صحيح، فأي نظام سياسي وحزبي ضعيف وفاشل ويراوح في مكانه فهو إنعكاس لتأخر الدولة  ومجتمعها ومن جميع النواحي وليس حصراً بالسياسة. هناك حقيقة واقعية لا يمكن أنكارها وهي أن أي حركة شعبية أو مطالبة سياسية لا يمكن أن تنجح ما لم تكن لها قيادة تتمثل في تنظيم معين. فتاريخ الشعوب يثبت بأن كل الحركات والمظاهرات والإحتجاجات الشعبية والعفوية التي تفتقد إلى القيادة أو من يمثلها تنتهي بدون نتيجة وإلى فوضى وخراب وتدمير البنية الأساسية للبلد.
والحال هذه تنطبق بكل حذافيها على شعبنا، فلا يمكن أن تنجح مطالباته وإحتجاجاته من دون أن تكون له قيادة أو تنظيم يمثلها، ولكن مما يؤسف له فإن ضعف أحزابنا السياسية في العمل السياسي وفشل تحقيق بعض النتائج هو إنعكاس لضعف شعبنا في التضامن والوحدة. أذن أين الخلل في هذه العلاقة الطردية بين المجتمع والأحزاب في حركة شعبنا السياسية القومية؟ هناك مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية المعيقة والمربكة لحركتنا السياسية والتي تشكل مصدر الخلل والفشل والتعثر. وقبل أن نرى القشة (العوامل الخارجية) في أعين الآخرين علينا أن نرى الخشبة (العوامل الداخلية) في أعيننا حتى ندرك حقيقتنا من دون مجاملة ورياء. صحيح أن القشة في أعين الآخرين هي مؤثرة جداً وتتمثل في نهب الذئاب الكبيرة لحقوقنا القومية والسياسية سواء بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء لهم ينفذون من خلال “الكوتا المسيحية” ويغتصبون كراسيها والذي هو أمر تأكد خلال السنوات الماضية صعوبة أو إستحالة مواجهته ووضع الأمور على مسارها الصحيح. ولكن الخشبة في أعيننا التي هي أكثر قوة وتأثير في إعاقة المسيرة السياسية القومية لشعبنا يمكن التعامل معها فيما أذا توفرت الإرادة الحاسمة والإيمان العميق بمصلحة الأمة جمعاء. وبعبارة أخرى فيما إذا تمكنا من فهم نظرية الأواني المستطرقة والعمل بموجها. إذن ماهي هذه الخشبة الظالمة التي تشكل العدو رقم واحد لأمتنا في هذه المرحلة الحرجة.

العدو رقم (1):
———  

بغنى عن القشة في أعين الآخرين التي تشكل في سياق حركتنا القومية في الوطن عدو لهذه المسيرة وتهدد وجودنا، فأن الخشبة في أعيننا المتمثلة في العدو رقم (1) هو الكرسي. وقد يستغرب البعض في أعتبار الكرسي عدو رقم (1) ولكن الواقع ينفي هذا الإستغراب. فمن الملاحظ بأن معظم إن لم يكن جميع اللاهثين وراء هذا الكرسي البرلماني أو الحكومي، هم يتبنون تقريباً التسمية المركبة “الكلدان السريان الآشوريون” ولكن هم في إستحالة من التفاهم على الحد الأدني من مصلحة الأمة بسب النزاع على الكرسي. ومن المؤكد بأن وكلاء العامل الخارجي المتمثل في الذئاب الكبيرة يلعب دوراً كبيراً في شأن تقطيع أوصال أمتنا ورميها أمام أسيادهم، ولكن من جانب آخر نرى بأن هذا الكرسي اللعين يلعب دوره القذر حتى بين الأحزاب والكتل التي هي بعيدة بعض الشيء عن أحضان الذئاب المفترسة، لنقل بأنها نوعا ما مستقلة في قراراتها. لا بل والأكثر من هذا حيث يتجاوز الكرسي اللعين تأثيره حتى داخل الحزب الواحد ليقود أعضاءه نحو الخلاف أن لم يكن الصراع حول رأس القائمة الإنتخابية أثناء اللعبة المقيتة التي تسمى بالإنتخابات في العراق. بهذا نرى بأن الكرسي اللعين فتاك ويحرق الأخضر واليابس وبدون هوادة، والتجارب السابقة أثبت هذه الحقيقة المرة ولا يستطيع أحد أن ينكرها. وإذا حددنا العدو رقم (1) بالكرسي، إذن كيف نواجهه ونتحداه ونزيل أو نحد من شراسته؟ في الوقت الذي أثبت التجارب الواقعية بأن كل الدعوات نحو إصلاح نظام الكوتا المسيحية وتصقيل هذا الكرسي قد ذهبت أدراج الرياح،  وبقى الكرسي العنيد صامداً في مكانه مؤثراً على الجميع دون إستثناء. وحتى لو تم إصلاح هذا النظام فأن الروائح المزكية لأنفوف اللاهثين وراءه ستفتح شهيتهم ويسعى كل واحد منهم للحصول على أكبر حصة من الفتات المتساقطة من هذا الكرسي.

خيار الصفر:
——-

إذا تجاهلنا الواقع وركضنا خلف غير الممكن وتركنا الممكن فهذا بعينه هو قمة التخلف والجهل وبالنتيجة الفشل المطبق في التحليل الأخير. عندما قال لينين بأن السياسة هو فن الممكن كان القصد منها هو الإعتماد على الواقع وليس على الخيال والأماني، فالسياسة لا تتعامل إلا مع الواقع الموضوعي. وهذا الواقع الموضوعي لأمتنا خلال السنوات الطويلة المؤلمة يجب وثم يجب أن يؤخد بنظر الإعتبار وإلا سوف نغرق ونتلاشى في جمهورية إفلاطون المثالية. هذا الواقع أثبت بأن كل الخيارات التي أعتمدت سواء من قبل قادة أحزابنا السياسية أو رجال الكنيسة قد بائت بالفشل. فلا صرخات أبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وقعت على آذان صاغية، ولا أحتجاجات وطلبات أحزابنا السياسية وجدت طريقاً سليماً لمرسليها غير سلة المهملات. ولا التسمية المفردة لأمتنا حققت خطوة واحدة غير سطور على ورق. ولا التنظيمات الهشة مثل “تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية”، رحمه الله، قد عمل شيء غير إصدار تصريح أو تصاريح في الهواء الملوث. ولا مجلس الطوائف المسيحية في العراق المبنى على أسس هيكلية خاطئة وركيكة أستطاع إقناع مسيحي واحد في العراق بفائدته. وحتى التسمية المركبة الموحدة لم تخلص من العدو رقم واحد (الكرسي) إلا ونهش بها فتناثر أطرافها يميناً وشمالاً. إذن بهذا المعنى وصلت حركة مطالبتنا بحقوقنا القومية وبحماية وجودنا في الوطن إلى مرحلة الإفلاس بعد أستنفذت كل الخيارات ولم يبقى إلا خيار الصفر الذي لا قيمة له ولا وزن في العملية السياسية. وقد أكون متفائلا وإيجابيا عندما أوصلت حالتنا إلى خيار الصفر وليس إلى حالة تحت الصفر المروعة، وهي الحقيقة التي يخاف منها بعض المعنيين بالشأن القومي والكنسي ويتجنبون الإشارة إليها ومحاولة معالجتها. أستغرب جداً لدرجة الذهول والجنون عندما أسمع من قيادي في أحدى أحزابنا السياسية يقول بأن وضعنا بشكل عام بعد عام 2003 أحسن بكثير من قبل !!!!! كلام كأنما يصر ويؤكد بأن الأرض مسطحة وليست كروية وأن الشمس تدور حول الأرض وليس الأرض هي التي تدور حول الشمس. التراجع الفضيع لأحوالنا وعلى جميع المستويات خلال السنوات القليلة الماضية أوصلتنا إلى حالة تحت الصفر ومن يقول عكس هذا فلا محال فهو مصاب الهوس والهذيان.
إذن من هذا المنطلق فإن مهمتنا الأساسية وتحديداً الأحزاب والمنظمات والكنائس هو ليس البناء والذي هو امر مستحيل في مثل هذه الظروف لأنه لا نملك مقومات ومتطلبات البناء المثمر، بل مهمتنا يجب أن تكون بالدرجة الأولى محاولة إيقاف الإنهيار والحد من مهالكه. وقد يكون موضوع الهجرة مثالا على ذلك، فبدلا من ضرب الأخماس بالأسداس وطلب المستحيل من المهاجرين العودة إلى الوطن، يجب القضاء أو التخفيف من العوامل التي تسبب الهجرة في أرض الوطن. صحيح هو بأن هناك عوامل خارجية مؤثرة جدا، كفقدان الأمن والسلم، تدفع أبناء شعبنا لترك الوطن والتي يصعب التعامل معها أو التأثير فيها أو التخفيف منها، لكن هناك عوامل داخلية مرتبطة بطبيعة حراك تنظيمات شعبنا وأحزابه يمكن التعامل معها ودفعها نحو إقناع أبناء شعبنا في الصمود في الوطن. ولعل أهمها هو خلق الثقة في أبناء شعبنا من أن نتائج “نضال” أحزابنا السياسية ستكون مثمرة ومحققة لطموحات شعبنا في الوطن وأن مشاركتهم في النظام السياسي ستصب نتائجه في مصلحة الأمة، وأنا متأكد وغيري أيضا متأكد، لو جلس الأباء الأفاضل لفروع كنيسة المشرق في العراق وتباحوا ووصلوا ألى الحد الإنى من التفاهم والتقارب سيخلق نوع من الثقة في أبناء شعبنا ويقتنعوا بأن فروع كنيسة المشرق تعمل فعلاً بوصاية ربنا يسوع المسيح في وحدته. ولكن هيهات من هذا الإقناع لأنه يمكن التأكيد بأن غالبية شعبنا لا يومن بأن احزابنا تعمل لمصلحة الأمة بل تعمل لمصحلتها الخاصة والشخصية، خاصة من خلال الكرسي اللعين، اما بالنسبة لفروع كنيسة المشرق فانني أخشى أن أكشف المستور خوفاً من أتهامي بالكفر والزندة وأنا مسيحي مؤمن بسيط.
من هذا المنطلق نقول بأن أية محالة للتحول من تحت الصفر إلى الصفر ومن ثم إلى أعلى لا يتم لها النجاح ما لم يتم القضاء على المسببات وخصوصاً العدو رقم واحد والتخلص منه والإبتعاد بأكثر ما يمكن من الروائح الكريهة التي تنبعث من النظام السياسي الفاسد والمتعفن في العراق ومن ثم أعادة تركيب مؤسساتنا القومية والكنسية بعيدة عن الأجواء الفاسدة لعل قد يستنشق شعبنا قليلا من الهواء النقي ويعيد فيه أمل البقاء في هذا الوطن. لقد وصلت حالتنا السياسية والقومية في الظروف المأساوية المميتة إلى درجة الإفلاس ولا أعتقد بأن المباشرة ببعض الحلول حتى لو كانت الكلفة كبيرة فأن نتائجها حتما سوف لا تكون أسوء مما هو عليه في الوضع الحالي لشعبنا. فالشخص المفلس عندما يدخل أية مقامرة فلا يخسر شيئاً ولكن إذا أستطاع إقناع الجالسين على طاولة المقامرة بالمشاركة معهم ربما قد يربح شيئاً. ولا نريد الإطالة أكثر لأن هذا الموضوع سبق وأن تطرقنا إليه ولكن مما يؤسف له بأن الكثير من المعنيين بالشأن القومي والكنسي آذانهم مليئة بالشمع اليابس وغير قابلة للسماع لكل ما يمس نرجسيتهم ويكون خارج أطار مصلحتهم الشخصية والتحزبية.
وأخيرأ أكلل هذه الصفحات برسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا” (12:12).  فلو فعلاً تعمدنا بروح القدس فيجب عليها أن نؤمن بهذه الكلمات من الكتاب المقدس ونعمل بموجها حتى نكون فعلا مسيحيون أتقياء.

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی