بقلم الكاتب اللبناني

عصام محمد جميل مروّة

يجب ان يعلم الجميع وقبل اي شيئ عن الفكر البريطاني الإستعمارى الذي لم يترك فترة من الزمن إلا ولهُ ايادى وعبيد ومراكب وبواخر وأساطيل لا تنقطع عن الإبحار في الإتجاهات الأربعة بحثاً عن مستعمرة قد يجدها خُدام الملكة فيكتوريا التي سادت في عهدها النظرية التى أضحت واقعاً الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

من امام مبنى الرسمي للحكومة البريطانية  في “دوانينغ ستريت ١٠” ، اعلنت  السيدة رئيسة الوزراء البريطانية “ماى تيريزا” عن إستقالتها من منصبها بعد مرور ثلاثة أعوام من النقاش الجاد والموضوعي في حقيقة فرض سياسة جديدة على المملكة المتحدة.  من باب احترام جيران بريطانيا العظمى،  حول تقبل الإنفتاح والمشاركة أسوة بالأنظمة الأوروبية الجديدة او الحديثة العهد،  في ترسيم السياسات الجماعية للقارة العجوز ،ومن المعروف لدى الجميع حب القادة الأنجليز في عدم فتح الأبواب للأخرين في مشاركتهم الاّراء حول كيفية الهيمنة والسيطرة على اوروبا وربما ما وراء المحيطات، كل ذلك لم يغيب عن ذهنية وعقلية من مروا على المملكة التي لا تريد سوى المثابرة على نهج الفرادة في التحكم السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء.

إذا السيدة الثانية بعد تاتشر زعيمة حزب المحافظين التي كانت قد شاركت في انتخابات طويلة المدى في عضويتها داخل حزب المحافظين وبعد خدمتها في الحكومات المتعاقبة ولها تجربة طويلة في معرفة كل شاردةً وواردةً داخل المملكة المتحدة حيث ادت واجبها كوزيرة داخلية في حكومة “ديفيد كاميرون” سلفها قبل فوز الذين طرحوا موضوع “بريكسيت”،

او الخروج البريطاني من السوق الأوروبية التي على ما يبدو للجميع بإن الموضوع اكبر من ان يُقال عَنْهُ السياسة الخارجية لبريطانيا ، حيث لا تقبل في ان يُفرضُ عليها فتح ابوابها امام جموع كبيرة من “المهاجرين واللاجئين”، في العقود الأربعة الاخيرة. التي تخللها تبديل واسع على الساحة الدولية حتى وصلت الأزمات الى السوق الأوروبية المشتركة وطالت المملكة المتحدة برغم عزلتها عن اليابسة في الجزر العائمة تحت غيوم وشتاء دائم ، وإرتباطها مع بقية الدول الأوروبية عبر معابر ضخمة في “المانش”، مع غريمتها فرنسا ،وألمانيا، لما لهما تاريخ طويل من العداء والحروب ، وذلك متداول حول السيطرة والهيمنة والنزعات في قيادة اوروبا،

لكن موضوع الإنتخابات الاخيرة في البرلمان الأوربي الذي ادى الى فوز اليمين المتطرف في كل من بريطانيا حيث حقق “نايل فاراج” تقدماً ملحوظاً في إنتصاره ودفاعه عن خروج بريطانيا من السوق  الأوروبية دون قيد او شرط ، مما عجل في فتح الأبواب اما ماى تيريزا في الإسراع بتقديم إستقالتها من رئاسة الوزراء ومن قيادة حزب المحافظين نتيجة الخسارة الديموقراطية المفرطة،

كما ان فازت احزاب اخرى في البرلمان الاوروبي لها نفس النزعة العنصرية السريعة في الخروج من السوق الأوروبية وإقفال المعابر في وجوه من يُرِيدُ ان يدخل الى القارة العجوز ويفرض عليها مسارات ومساومات في خصوص الحياة العامة .وهناك العامل “الديني الإسلامى”، الذي صار اساساً ورقة حسابات كبيرة تجمع احزاباً أوروبية كبرى كتبرير في سياساتها الداخلية وإلتقاؤها واتفاقها في العداء التام مع الوافدين الجدد الذين سوف يغيرون نمط الحياة اليومية في اوروبا،وقد إشتدت حدة العداء للنزوح الجديد نحو اوروبا في فرنسا وكادت زعيمة حزب جبهة الوطنية في فرنسا “ماريان لوبن “،ان تحقق فوزاً خارقاً اثناء الانتخابات الفرنسية الماضية،وكان لها شعار عنصري في طرد كافة الواردين الى السوق الأوروبية بلا هوادة او مهادنة او معاهدة، كذلك في النمسا، وبلجيكا، وهولندا،

في العودة الى إستقالة ماى تيريزا حيث من المتوقع ان يخوض غمار التنافس حول خلافتها في مقر “داونينيغ ستريت ١٠ “، وزير خارجية بريطانيا السابق وصاحب فكرة الفوز الكبير في بريكسيت “بوريس جونسون”، الذي سارع الى تقديم ترشحه للقيادة خلفاً للسيدة التي ذرفت الدموع بعدما ضاعت كافة فرصها في خدمة بلادها حسب تعبيرها اثناء تقديم استقالتها مودعة المنبر الإعلامى في وجه حزين ومنكوب وعاجز على تقديم اى جديد لكى تستمر في منصبها.

تختفي تحت نظرات السيدات الأربعة “الملكة فيكتوريا”، التي ساد في عهدها الغوص في بحار مجهولة حول نهب وسرقة الشعوب الفقيرة،

والملكة” إليزابيت” التي أوصدت ابوابها في إحكام بغيض اثناء قوة الجبارين السوفيتية والأمريكية ،

“ومارغريت تاتشر” السيدة الفولاذية التي قالت عندما إندلعت حرب “الفوكلاند الجزر الارجنتينية “، إننا نحنُ من إبتدعتا فكرة الامم المتحدة لكى نفك مشاكل الدول،

والسيدة” ماى تيريزا “، لعلها وقعت ضحية العصر الحالى في تجاذبات ليس لديها خبرة طويلة في تخطيها.

كما ان هناك وزير الخارجية الحالي “جيرمي هانت “، من كبار المرشحين وعينه على المنصب الشاغر منذ اللحظات الاولى للفراغ الذي احدثته صاعقة الإستقالة المتوقعة والمدروسة جيداً،

ومن الأقوياء الجدد الذين يطمحون في الفوز بالمنصب إياه وزير الداخلية الحالى “ساجد جاويد “، الذي تعود اصوله الى الاسلام وقد اعلن مراراً عن طموحه في الوصول والتغيير اذا ما حالفه الحظ في نيلهِ ثقة الملكة إليزابيت .

لكن الحزب العمالي المعارض تحت قيادة حكومة الظل المتوقعة لم يقدم الامين العام الحالى “جيرمي كوربن “، ورقة واقعية تخوله إختراق وإنتهاز الفرص في الوصول الى قيادة البلاد التي يجب ان تحظى اولا وأخيراً في وجهها الإستعمارى والنظرة الدائمة ان تبقى الامبراطورية التي لا تغيب عنها انوار الشمس.

لكن حزب العمال له رأي ونظرة مختلفة في السياسات الخارجية خصوصاً في مسألة ومبدأ أحقية عودة فلسطين الى أصحابها ولجم دور اسرائيل في التطاول على جيرانها ،

عصام محمد جميل مروّة ..

اوسلو في ٣١/ايار/٢٠١٩/..