:المنتديات اتصل بنا

 
 



صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا ايمان لكم؟ (مرقس : 40:4)أبرم شبيرا


==============================================

أبرم شبيرا
في بعض الأحيان ألجأ إلى الكتاب المقدس لإقتباس بعض العبر والأمثال والدروس التي ذكرها ربنا يسوع المسيح وأحاول إتخاذها كمنهج أو كدليل للبحث في موضوع يمس شعبنا الكلداني السرياني الآشوري سواء في الوطن أم في المهجر. وخلال الأيام القليلة الماضية، وأنا غائصاً في سطور إنجيل مرقس وجدت في الإصحاح الرابع صور واضحة عن حال شعبنا في هذه الأيام العصيبة. أصحاح يعبر عن صورة ناطقة عن الظروف العصيبة المأساوية التي عصرت وتعصر بشعبنا في الوطن وقادت الكثير منهم إلى هجره نحو المستقبل المجهول، صورة  وعن ظروف الضياع والتسيب والامبالاة في بلدان المهجر. ومن الملاحظ بأن الأطار العام الذي يأطر كل النتائج الناجمة من هذه الظروف المأساوية هو الخوف لا بل الرهبة أو ما يسمى بـ “الفوبيا من الضياع”. فبسهولة يمكن تلمس لمسة اليد مثل هذا الخوف أو الخشية من ضياع أمتنا سواء في المأساة والفواجع والمتاهات المؤدية إلى هجرة الوطن وتركه أو من نتائج الضياع في مجتمعات المهجر التي هي بمثابة بوتقة الإنصهار، خاصة الحديث المرعب الذي في معظمه يدور عن إنقراض لغتنا القومية ومن ثم إنقراض أمتنا سواء في الوطن أم في المهجر.
ومن الملاحظ بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على عامة الناس، بل على الكثير من المثقفين والسياسيين ولا أستثنى منهم رجال الكنيسة. قبل بضعة سنوات كنت في حديث مع أحد أساقفة فرع من فروع كنيستنا المشرقية، قلت له لو سهل أمر هجرة أبناء شعبنا للوطن وفتح باب الفيزا لهاجر الوطن أكثر من 80% من شعبنا إلى الخارج والباقي سيكون من أتباع الكنيسة المؤمنين ورجالاتها. فقال أنت غلطان يا أبرم!!! لأن بعد هذه النسبة الكبيرة المهاجرة سأسافر أنا أيضا وأترك الوطن طالما لم يبقى لي رعية غير جدران الكنيسة الفارغة. وهذا ما نشاهده في الكثير من المناطق التي هجرها شعبنا. لا بل والأكثر من هذا فسيف الهجرة ضرب حتى رجال الكنيسة الذين لهم رعية معقولة النسبة فتركوا كنيستهم وهاجروا إلى بلدان الشتات.
صحيح هو أن المأساة والفواجع التي حلت وتحل بشعبنا في الوطن هي من الأسباب الرئيسية التي تدفع أبناء شعبنا إلى المهجر وبالتالي الخوف والضياع كأمة تاريخية في متاهاة العصر الحديث، فحال هؤلاء يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح عندما عصفت الرياح العاتية بسفينتهم وسيطر عليهم الخوف والرهبة فنهرهم اليسوع وقال لهم “ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم”، كما ورد في إصحاح مرقس المذكور. وفي ترجمات أخرى تذكر “مابالكُم خائفين هذا الخوف؟.. إلى الآن لا تؤمنون؟”. ثم أنقذ يسوع اليسوع تلاميذه من الغرق وإبتلاع البحر لسيفنتهم. وهنا من الضروري التأكيد على المغزى المراد أخذه من هذا الإصحاح وإعتماده كمنهج ليس لإغراض روحية ودينة وكنسية، بل لهدف فهم بعض الوقائع الموضوعية في عالمنا الواقعي وإقتباس منهجه بما يمكن إقتباسه من هذا الإصحاح الرائع والنظر من خلاله إلى أمواج البحر الهائجة التي تلطم بأبناء شعبنا وتدفعه نحو الضياع والموت كأمة تاريخية. الإيمان … ثم الإيمان، ليس بمفهومه الديني فحسب بل بمفهوم إيمان الرجل بنفسه وبجماعته ومن ثم بوطنه ليكون هذا الإيمان سبيلا بسيطاً وأولياً لخلاص الإنسان. فقلة الإيمان أو إنعدامه عن الإنسان يفقد وجوديته وكينونته وهويته الجمعية وحتى القومية. فهو العامل المعنوي الذي قد يدفع شعبنا على بداية طريق الخلاص وإنقاذه في نهاية المطاف من الضياع النهائي والكلي. أتذكر بعض الأقوال لأبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو وأخص بالذكر منها عندما ذكر قبل سنوات وقال صحيح أن شعبنا يهاجر الوطن بأعداد كبيرة ولكن هناك أيضا من أبناء شعبنا لا يزال باقي في الوطن ويرغب البقاء والصمود فيه رغم كل المأساة والمعاناة. فلو تسنى لنا مجازا الولوج في نفسية هؤلاء الصامدين على أرض الوطن لوجدنا فيهم نوع من الإيمان بضرورة الإلتصاق بتربة الوطن لا بل تأكيد نفسه كأنسان وتعزيز هويته المرتبطة بالأرض التي عاش عليها هو وأجداده العظام.
فحال أبناء شعبنا في الوطن يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح وهم هائمين ضائعين بين أمواج البحر. فأمواج الظلم والإستبداد والقهر تعصف بسفينتهم وتعرضهم للضياع والموت في ظلمات البحر الهائج. ومما يزيد من سرعة هلاك ركاب السفينة وغرقها هو الشيطان المتمثل في جدالهم وخصامهم ونزاعاتهم وقلة، أو إنعدام الإيمان بقدرتهم على الخلاص من الضياع والغرق. ذلك الإيمان بأن مصيرهم لا محال هو واحد لا يفرق بين هذا أو ذاك. فالبحر غدار، كما كان داعش والقاعدة والتطرف الإسلامي الذي يضع كل أبناء شعبنا دون إستثناء طائفي أو تسموي أو عشائري أو إنتمائي تحت مقصلة التدمير والإفناء. فلا أحد من ركاب السفينة يتخلص من هذه المظالم عبر طائفته ولا عشيرته ولا بإرتمائه في أحضان الغير، بل الخلاص المتاح للجميع دون إستثناء هو الإيمان بأن التكاتف والتضامن والتعاون بينهم هو السبيل الممكن لقيادة السفينة نحو بر الأمان، ثم حين ذاك، أي بعد الخلاص، ليدخلوا الجميع في حوارات حضارية متمدنة لتجنب تجارب تعرض سفينتهم إلى نفس أمواج البحر القاتلة.
صحيح هو أن هناك عوامل كثيرة تحول دون تفاهم وتقارب بين من يمثل شعبنا أو قادتنا سواء على المستوى القومي أو الكنسي ولكن ليعرف الجميع بأن تحقيق مصلحة معينة لهذا الجزء من شعبنا أو ذاك أو حصول ممثله على كرسي في هياكل الدولة العراقية ليس هذا إلا وهما عن الخلاص لأن مصيره في التحليل الأخير هو كمصير غيره من ركاب السفينة المعرضة للغرق. الإيمان… ثم الإيمان بمصيرنا المشترك ثم العمل بقدر الإمكان لتحقيق ولو جزء قليل من مصلحة شعبنا هو السبيل المتاح للخلاص من هذه الأمواج العاتية والقاتلة. فالبحر بأمواجه الهائجة لا يرحم أحد إذا لم يرحم ركاب السفينة حالهم ويتكاتفوا بعضهم ببعض للوصول إلى بر الإيمان. صحيح هو من يقول بأن مثل هذا الإيمان لا يستطيع بشكل مباشر من إيقاف الهجرة أو تقليل منها ولا أن يضع حجر على حجر لإعادة بناء قرانا وكنائسنا ولا أن يقضي على الظلم والإستبداد المفروض على شعبنا في الوطن. ولكن لنقول بملئ الفهم بأنه لا يمكن للإنسان مهما كانت قوته وإمكانياته ومواقعه أن يحقق أي نتيجة مثمرة من عمله مالم يكون مؤمناً بهدف عمله. إذن، حتى يكون عمل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية والكنسية أيضا منتجاً لنتائج مثمرة لا بد أن يكون هناك نوع من الإيمان بهذا العمل والهدف المراد تحقيقه. وهنا نعيد ونكرر القول بأن تحقيق نتيجة مثمرة من أعمال أي تنظيم من تنظيمات شعبنا هو وهم فيما أذا أعتبر نفسه بأنه ليس من ركاب السفينة الهائمة بين أمواج البحر القاتل. فالإيمان بوحدة المصير هو السبيل الوحيد لوصول إلى بر الإيمان ومن ثم بعد ذلك نبدأ بالتفكير في كيفية بناء قرانا وكنائسنا ومحاولة التخفيف من هجرة أبناء شعبنا إلى بلدن الشتات.
مهلاً… مهلاً… كيف الحال ونحن الذين نصبنا خيامنا في بلدان المهجر ونتكلم عن غرق السفينة وهلاك ركابها؟؟ فأمرغرق السفينة بركابها لا يهمنا طالمنا نحن على اليابسة نستمع بحياة سعيدة وبرفاهية بعيدين عن الأمواج القاتلة لداعش والتطرف الإسلامي. كما أن الفضاء السياسي الديموقراطي يوفر لنا مجالاً واسعاً للإجتماع والحديث الحماسي وبأقوى الكلمات والتصريحات عن خلاص الأمة لا بل  حتى عن “تحرير آشور المحتلة”!!!؟؟؟.. ولكن لنكن، أولهم أنا قبل غيري، يقينيين بكل قناعة وصدق وإيمان بأنه لا يمكن لأي كلداني أو سرياني أو آشوري أن يبقى كلدانياً أو سريانياً أو آشورياً ويفتخر وبإعتزاء بإنتماءه لهذه التسميات الحضارية الجملية إذا تعرض ركاب السفينة الكلدانية السريانية الآشورية إلى الغرق والموت… فالمصير واحد إينما كنا سواء في الوطن أم المهجر ولا يمكن إطلاقا الإحتماء تحت المظلة الديموقراطية المنصوبة في بلدان المهجر وأن تبقى كلدانياً أو سريانيا أو آشورياً إذا تعرضت سفينتنا القومية في الوطن إلى الغرق.  فالوطن هو التربة الصالحة وأبناء شعبنا هناك هم الجذور المتعمقة في هذه التربة وهم الأغصان الصلدة. أما نحن في المهجر فلسنا غير أغصان معرضة للكسر وأوراق مهلهة لا حياة لها إلا إذا أرتبط بالأغصان الصلدة وبالجذور المتعمة في تربة الأباء والأجداد. وعندما أقول مرتبطة يعني متصلة إتصالاً صميماً وموضوعية قابلة لتعزيز ومساعدة من هم صامدين في أرض الوطن وليس عن طريق الأوهام والخزعبلات والسباحة في فنجان قهوة. فلننتبه جميعاً بأن ما يصيب شعبنا في الوطن خاصة غرق سفينته في البحر القاتل سيصيب أبناء شعبنا في المهجر وستغرق هويته القومية وحتى الكنسية في أتون الضياعة والإنصهار في هذه البلدان مالم يعتبر نفسه أحد ركاب هذه السفينة القومية.
وأخيراً لم يبقى إلا أن أوكد، خاصة لأبناء شعبنا في المهجر، وأنا أولهم، بأن الإيمان بوحدة ومصير هذه الأمة وبكل تسمياتها الحضارية الجميلة لا يعني ترك بيته في المهجرة والعودة إلى الوطن للإستقرار فيه، بل الإبقاء بصلة بينهم وهم في المهجر وبين الوطن.. ولعل زيارة  إلى أرض الوطن  مرة واحدة في السنة قد يعزز هذه الصلة ويتلمس معاناة شعبنا هناك، وقد يستطيع أن يمد يد الخير والمساعدة والتضامن فلربما سيكون ذلك عاملاً مساعدا للتخفيف من الأمواج العاتية التي تعصف بسفينة أمتنا في أرض الوطن. ومن يريد التعلم عن هذه الصلة ليذهب ويتعلم من تجربة منظمة كشرو التي في كل عام تأخذ مجموعة كبيرة من الشباب والشابات لزيارة الوطن والتفاعل هناك مع أبناء شعبنا. وهنا قد يتحجج البعض بحجة عجز الحالة المادية وعدم إمكانية توفير تكاليف السفر إلى أرض الوطن. ولكن لنكن على يقين بأن معظم أبناء شعبنا أو أكثريته في المهجر يقومون سنوياً بسفرات سياحية إلى بلدان مختلفة ويصرفون مبالغ كبيرة، وهذا من حقهم ولا عتاب عليهم من توفير أجواء الراحة والإستجمام له ولعائلته، ولكن قد تكون التكاليف المالية لزيارة الوطن أقبل بكثير ولكن من ناحية أخرى ستوفر مثل هذه الزيارة لا الراحة والإستجمام فحسب وإنما أيضا الإعتزاء بالهوية القومية وبصلة الإرتباط بأرض الوطن، والأكثر من هذا فأن مثل هذه الزيارة ستشرعن كلدانيتك وسريانيتك وآشوريتك، أفلا تستحق هويتك بعض القروش التي تعتز بها ليل نهار امام الغير وتصرح بها جهاراً؟؟

اكتب تعليق

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی