بقلم الكاتب اللبناني

     عصام محمد جميل مروّة

لن ندع المناسبة تمر مرور الكرام تلبيةً لرغبات من ساهم ومن دبّر ومن اعلن الحرب على الاجساد العارية والنحيلة التي لم تذق الطعام ولا الشراب ولا الدواء سوى زخات من الرصاص الخارج من فوهات العصابات المأزومة والمدعومة من اكبر عدد من الدبابات المتراصفة قبالة المخيمات البالية في اسمالها شكلاً و منظرها الخارجي الذي يوحى بإن هناك من يكمن ولو في الصدور مواجهة الصهاينة.

في البداية وَمِمَّا لا شك فيه ان أغتيال الرئيس اللبناني الشاب” بشير الجميل”  الذي أُنتخِب في “٢٣ آب ١٩٨٢ ” غداة واثناء الاجتياح الصهيوني الغاشم الى معظم الاراضي اللبنانية منذ “٦ حزيران ١٩٨٢ ” كانت بمثابة شرخ واسع في فداحة الحدث المنتظر وذلك من إشارات ودلالات الأزمة التاريخية منذ مطلع السبعينيات ، بعدما طُردت منظمات الثورة الفلسطينية من “الاْردن بعد تصفية الجيش في عمان وحصار منظمة التحرير الفلسطينية ودحرها وطردها من الاْردن ” حيث كانت” بيروت الحضن الدافئ ” لأستقبال الثورة على ارض لبنان المقاوم شعباً واحزاباً ، ترى ان القضية الفلسطينية هي واجب وطني وقومي وأممي وهذا ما اثار النصف الاخر “للكيان اللبناني المتمثل في الأحزاب اليمينية والمارونية والمسيحية المتطرفة”  التى وقفت بكل ما تملك من قوة قد استمدتها من الداعم الاول والأخير للكيان الصهيونى الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا والمملكة المتحدة منذ البدايات.

لكن يوم اغتيال بشير الجميل كان الجيش الاسرائيلي قد إتخذ تدابير إحترازية شديدة القصوى في مراقبة وتحرك اية قوات عسكرية “وميلاشيوية خوفاً من المجهول” ، لكن الاتصالات المتكررة بين القوات اللبنانية اثناء لجوء “ارئيل شارون جزار صبرا وشاتيلا”  الى تلقى الدعم والمعلومات عن المواقع والأمكنة التي تشكل خطراً على الكيان اللبناني وخوفاً من وجود الثورة الفلسطينية وحلفاؤها من احزاب الحركة الوطنية اللبنانية،  كانت تضرب وتدك جحافل التجمعات للجيش الصهيوني المحتل في الجنوب اللبناني وفِي العاصمة بيروت وفِي الجبل الأشم وفِي البقاع وعلى كافة الاراضي التي توسعت رقعة الاحتلال وعملاؤها في الوصول اليها ، والسيطرة العسكرية بدعم العالم مجتمع من اجل خروج وطرد منظمة التحرير الفلسطينية  من لبنان بعد إتفاقات ومؤامرات معروفة.

لكن الميليشيات التابعة لقائد القوات اللبنانية أنذاك بعد اغتيال بشير الجميل حيثُ اجتمع “ايلي حبيقة” الوريث المرحلي للرئيس المغتال ، كان وزير الدفاع الاسرائيلي وقائد اللواء والأركان الاسرائيلي  “رفائيل ايتيان”  في اجتماع داخل احد المستشفايات المقابلة للمخيمات الفلسطينية المنكوبة (صبرا وشاتيلا)  حيث تم إفراغها من الفدائيين والمقاتلين وتم ترحيلهم مسبقاً لكن الانتقام الغير مبرر من الميليشيات التابعة للقوات اللبنانية والمحروسة من قوات جيش ” العميل سعد حداد”  الذي كان حريصاً على مرافقة القيادة الاسرائيلية الى بيروت لرؤية خروج منظمة التحرير الفلسطينية وطردها ليس من الجنوب فحسب بل من كل لبنان ، شاع خبر اغتيال بشير الجميل وخلت شوارع بيروت من المارة ليلاً ونهاراً ًاثناء يوم /١٥/و ١٦/أيلول /ودخلت مجموعات مسلحة الى المخيمات وقامت بأبشع مجازر عنيفة وتتقزز لها الابدان ، حيثُ تم بقر البطون وذبح الأطفال والرضع وأغتصبت النساء واعدم السفاحون بالرصاص كل من حاول الاختباء او الهرب ،دمروا البيوت فوق ساكنيها وحصدوا عائلات بأكملها كالعواصف المجنونة، كان المنفذون من الميليشيات يصرخون بأعلى الأصوات لكي يخرج من بقي هناك من احياء ولو كانوا من الجرحى او العجزة والشيوخ بعدما بتروا أوصال من يأنون من الإصابات وكانوا قد تفننوا في إبداعهم من الإنتقام لمصرع وإغتيال بشير الجميل!؟

لم تكتمل اعمال القتل ولم تنتهي بل دخل بعض الأفراد الى المستشفايات والمستوصفات المحلية واعدموا الأطباء وكل من يحاول إنقاذ الناجين من المجزرة الملعونة تلك،

لم تسكت العصابات القاتلة تلك بل تناوبوا على رفع الانخاب على إنقاذ وجثث الأطفال في شوارع الرعب والخوف والقتل الجماعي دون حسيب او رقيب،

كان ارئيل شارون غاضباً من تصرف الميليشيات امام الصحافيين المرافقين لَهُ من مؤسسة “رويتر” ومن “وكالة الصحافة الفرنسية”،  لكن المضمون والداخل كان يوحى بإنهُ هو من إستغل الموقف بكل ما يملك من إيحاءات حول بعد الشبهات التي لاحقتهُ لاحقاً بإتهامه في تحمل المسؤولية الكاملة سواء شارك، اوحمى، او غطى، وأمن، كل ما يتطلب من اجل التعتيم على مسرح المجزرة التي استمرت يومين متتاليين وهو الوحيد الذي يستقبل وينظم دخول وخروج الجيش اللبناني ،وقوات سعد حداد، والميليشيات التابعة للقوات اللبنانية، الى بيروت الغربية وضواحيها، بعد حظر للتجول غداة اغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب في وزارة الدفاع اللبنانية المشارفة على بيروت المحترقة .

لقد تم إحصاء اكثرُ من “٣٥٠٠” ضحية من الفلسطينيين واللبنانيين وبعض الفقراء الساكنين في المخيمات البائسة تلك الى الأن، لم تتوصل كل المنظمات التي تتشدق في فضح الفاعل والمنظم لتلك المجازر والمشابهة لها ، ليس هناك سوى الشجب والإستنكار والتعتيم على التصويب الصحيح للجهة الفاعلة،

المجازر الرهيبة تلك ليس المحاكم الدولية لا في “لاهاي “ولا في “الامم المتحدة” ولا في “سويسرا وحقوق الانسان” سوف يُعيدُ لها حقوق من سقطوا ضحايا،

لكن درب المسيرة والشعلة المستمرة للحرية هي الكفيلة دون كلل في نيلها المطالب ليس بالتمنى بل بالنضال وبتقديم الغالى والنفيس من شعب لا ينام على جراحاتهِ المستمرة.

بعد “٣٧” عاماً على المجزرة تلك نجدد العهد في السير والنضال من اجل تحقيق المطالب التي على  دربها  سقط عشرات الألاف على حربة حرية فلسطين،

عصام محمد جميل مروّة ..

اوسلو في /١٦/ أيلول /٢٠١٩/..

مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982