صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » اخبار النوادي والجمعيات, العام » الف الف مبروك للسيد هندرين نعمان اشرف يحصل على دكتوراء في العلوم السياسية بأطروحته المعنونه مع مقومات الحكم الرشيد عراق و لبنان نموذجا

الف الف مبروك للسيد هندرين نعمان اشرف يحصل على دكتوراء في العلوم السياسية بأطروحته المعنونه مع مقومات الحكم الرشيد عراق و لبنان نموذجا


ملخص
تقوم هذه الأطروحة الإشكالية الآتية : ما هي كيفية التوفيق بين مبدأ المحاصصة السياسية بجميع أشكاله وبين مقومات الحكم الرشيد، وبمعنى آخر هل يوجد تأثير لتبنى نظام المحاصصة السياسية على مبادئ الحكم الرشيد؟ أم أنه يمكن أن نكون أمام دولة تتبنى تجربة الحكم الرشيد بشكل ناجح على الرغم من تبنيها بالمقابل مبدأ المحاصصة السياسية؟
كما يثير موضوعها العديد من التساؤلات الفرعية، ومنها :
1- ما هي أهم أشكال المحاصصة السياسية ؟
2- هل يوجد فرق بين المحاصصة السياسية والمحاصصة الطائفية ؟
3- ما هي وسائل قياس الحكم الرشيد في الدول النامية، والتي تعتمد المحاصصة السياسية ؟
4- ما هي العلاقة بين المحاصصة السياسية و الفساد ؟
تقسم هذه الأطروحة إلى بابين، جاء الأول تحت عنوان الحكم الرشيد ومقوماته، بينما جاء الباب الثاني تحت عنوان التطبيقات العملية لنظام المحاصصة السياسية، وذلك على التفصيل الآتي بيانه :
جاء الباب الأول والمعنون بالحكم الرشيد ومقوماته في فصلين، وأنطلق ببيان العلاقة بين الحكم الرشيد والمحاصصة السياسية، إذ تعد المحاصصة السياسية وعلى عكس الكثير من المبادئ المطبقة في الأنظمة السياسية نتاج تطورات وتفاعلات إجتماعية وثقافية ودينية، وبالتالي هي ليست من اقتراح مفكر سياسي معين، أو نتاج مبادرة معينة من حزب سياسي. إذ أن هناك ضرورات موضوعية معينة حتمت على بعض الأنظمة السياسية اعتمادها في نظام سياسي معين.
ويمكن القول بداية أن تعريف المحاصصة السياسية يجب أن ينطلق من أن هذا المنهج وإن كان يحمل في ثناياه رؤية معينة صراعات أو خلافات أو تعداد الأديان أو غيرها فانه يثير الكثير من الجمل والنقاش حوله في الأوساط السياسية الحكومية وغير الحكومية، فإنه يمكن أن يعبر عنها بصورة أو بأخرى بأنها استحقاق انتخابي ينبغي الأخذ به نحو بلوغ أهداف متوسطة المدى لتحقيق نجاح العملية السياسية وتعزيز لمبدأ الديمقراطية، والأخذ بمبدأ المحاصصة لا يكون هدفاً مستقبلياً وإنما يمكن أن يكون وسيلة يُراد منها بلورة ونسج أولى خيوط الديمقراطية.
وفي إطار بيان العلاقة بين الحكم الرشيد والمحاصصة السياسية، كان هناك فريقان، فريق يؤيد المحاصصة السياسية ولا يرى فيها أي تعارض مع مبادئ الحكم الرشيد، وفريق يعارضها بالمطلق ويرى فيها تهديد حقيقي لمبادئ الحكم الرشيد ومقوماته.
يستند الفريق المؤيد في تأييده لتطبيق المحاصصة السياسية إلى مجموعة من الحجج، ويرى فيها ضرورة لا سيما في الدول التي يوجد فيها أقليات دينية أو عرقية أو مذهبية، أو في الدول التي لا تراعي الحقوق السياسية للمرأة، ويستند هذا الفريق على مجموعة من الحجج، ومنها أن تطبيق نظام المحاصصة السياسية يحقق الديمقراطية التوافقية في الدولة، وهذا ما يهدف إليه الحكم الرشيد أساساً، كما أن المحاصصة السياسية تحافظ على السلم الإجتماعي، وهذا ينسجم بدوره مع مقومات الحكم الرشيد أيضاً.
بينما يدلل الفريق المعارض فيما يذهبون إليه بمجموعة من الحجج والأسانيد، ومن أهمها تعارض المحاصصة السياسية مع اعتبارات المساءلة والنزاهة، والذي يعبر عنها بمعنى آخر بالفساد السياسي، كما أن المحاصصة السياسية تأثر على التنمية بكل أشكالها في الدولة.
وحتى يكتمل الإطار الذي يحكم العلاقة بين الحكم الرشيد والمحاصصة السياسية، لا بد من بيان المفهوم الدقيق للحكم الرشيد، وبيان أبعاده ووسائل قياسه. في الحقيقة ساهمت مجموعة من الأسباب في تطور الحكم الرشيد، منها العولمة، وانتشار الفساد، والانتقال نحو اقتصاديات السوق وتقليص دور الدولة، وتطور مفهوم التنمية والإدارة العامة، وقد برز مفهوم الحكم الرشيد بمعناه الحالي، أي كمصطلح علمي في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وذلك بفضل كتابات فقهاء الاتجاه الأنجلوسكسوني وطروحاتهم في مختلف الميادين الفكرية والنظرية والدراسات الجامعية، ومنهم على سبيل المثال المفكر (جون كويمان) صاحب كتاب ( الحكم الحديث) المنشور عام 1993، وبموجب هذا الكتاب يرى الكاتب أن مفهوم (الحاكمية) المرادف للحكم الرشيد أصبح كلمة محورية مركزية عبر العلوم الاجتماعية والسياسية في الإدارة والحكم، وترجع هذه النظرة إلى أعمال (جان كويمان) الأساسية في هذا المجال ترتكز على أن مفهوم الحكومة كعملية تفاعل بين مختلف الجهات الفاعلة الاجتماعية والسياسية والترابط المتزايد بين الاثنين، حيث تصبح المجتمعات الحديثة أكثر تعقيدًا وديناميكية وفاعلية.
يقوم الحكم الرشيد على مجموعة من الأبعاد، ومع أن هناك اختلاف بين المتخصصين بهذا المجال حول تحديد هذه الأبعاد بدقة، فإن هناك أبعاد متفق عليها، وتتمثل في الأبعاد السياسية والتي يندرج ضمنها البعد الإداري أيضاً، وفي الأبعاد الاقتصادية التي تشكل أيضاً هدفاً ومقياساً للحكم الرشيد في الوقت نفسه.
يرتبط البعد السياسي بطبيعة السلطة السياسية وشرعية تمثيلها، ويكمن في ضرورة تفعيل الديمقرا طية باعتبارها شرطاً في تجسيد الحكم الرشيد، ومن خلال تنظيم انتخابات حرة و نزيهة مفتوحة لكل المواطنين، مع وجود سلطة مستقلة قادرة على تطبيق القانون، و هيئة برلمانية مسؤولة لها من الإمكانية ما تستطيع أن تحقق به نظام إعلامي يجعلها في اتصال مستمر مع المواطن.
وبمعنى آخر يتجسد هذا البعد في آلية الوصول إلى السلطة وممارستها بصورة مشروعة، والتمثيل القانوني والشرعي للمجتمع وخلق الصلة الصحيحة وجسور التعاون بين السلطة والمجتمع المدني، أي بين الحكام والمحكومين، وهذا يؤدي إلى مجموعة من النتائج، مثل :
1- التفاعل الإيجابي بين الأطراف الفاعلة بالنسبة للحكم الرشيد، وهي الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتعاونهم ومشاركتهم في خدمة الصالح العام الذي ينسجم مع مصالح الأفراد.
2- تحقيق ديمقراطية فعالة، من خلال الإنتخابات النزيهة والشفافة، وإتاحة المشاركة السياسية الواسعة النطاق.
3- تمكين الأفراد المكونين لركن الشعب في الدولة من التمتع بحقوقهم الناتجة عن رابطة المواطنة.
ويرتبط بالبعد السياسي للحكم الرشيد بعد آخر وهو البعد الإداري، وتم دراسته ضمن هذه الفقرة لأن هناك صعوبة في الفصل بينهما، لأن كلاهما يتعلق بطريقة الحكم والإدارة، وفي الحقيقة يتعلق هذا البعد أساسا بعمل الإدارة العامة وكفاءة وفاعلية موظفيه، فترشيد الإدارة العامة وتأمين استمراريتها بدرجة عالية من الكفاءة والفعالية يعتمد على الاهتمام بالجهاز الإداري والأنظمة والقوانين المعمول بها، والتي تحكم سير العمليات الإدارية للتأكد من مدى ملاءمتها وقدرتها على تحقيق أهدافها، والتركيز على الجودة الشاملة والمرونة في الحركة واتخاذ القرارات، وهذا لا يتحقق إلا بالإبداع والسعي المتصل بالاهتمام بالموظفين وإعدادهم مهنياً، وتنمية روح المسؤولية والولاء والانتماء.
أما البعد الإقتصادي فهناك من يرى أنه يتمثل في كشف أساليب اتخاذ القرار الاقتصادي للدولة و العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى ذات العلاقة بتوزيع الإنتاج و السلع و الخدمات على أفراد المجتمع، كما يرتبط هذا البعد بشقيه بطبيعة بنية المجتمع المدني ومدى استقلاليته عن الدولة من ناحية، وطبيعة السياسات العامة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وتأثيرها في المواطنين من حيث الفقر ونوعية الحياة من ناحية ثانية، وكذلك علاقتها مع الاقتصاديات الخارجية والمجتمعات الأخرى من ناحية ثالثة.
وفي الحقيقة إن تحقيق الرشد الإقتصادي يتطلب أساليب وإجراءات اتخاذ القرارات من خلال التأثير على النشاطات الإقتصادية، وبالتالي يتمحور دور الدولة في تحقيق البعد الإقتصادي بالعمل على رفع المستوى المعيشي وتحسين الأجور، والسعي المستمر للقضاء على الفقر، وإصلاح الإطار التنظيمي والقانوني في المجال الإقتصادي.
ويمكن الحديث عن البعد الإجتماعي للحكم الرشيد ضمن البعد الإقتصادي، لأن من مهام الحكم الرشيد التأكد من تحقيق المؤشرات النوعية لتحسين حياة المواطنين، فالمؤسسات الإجتماعية و الإنسانية تساعد في بناء نظام إجتماعي عادل، ورفع القدرات البشرية و ذلك عن طريق زيادة المشاركة الفعلية و الفعالة للمواطنين، و خلق روح الوطنية بين مختلف الطبقات الإجتماعية، فالحكم الراشد يهدف إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان و ممارسة الحريات ووضع حد لسياسة التسلط، ويجب أن تكون هناك رؤية إستراتيجية منطلقة من المعطيات الثقافية و الاجتماعية الهادفة إلى تحسين شؤون الأفراد، و تنمية المجتمع و القدرات البشرية.
فيما يتعلق بآليات قياس الحكم الرشيد فيقصد فيها تلك الأدوات التي تستند إلى وقائع إجتماعية وسياسية واقتصادية للتعبير عن التغيرات في المجتمع نحو الأفضل، وبعبارة أخرة هي دلالات لسلوك العلاقات المختلفة في الدولة وأبنيتها، وهذه الآليات يتم الكشف من خلالها عن وقائع الحكم الرشيد ومدى التقيد بمبادئه. ومن أبرز آليات قياس الحكم الرشيد كل من مبدأ سيادة القانون، والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
يعد مبدأ سيادة القانون من أهم مبادئ الحكم الرشيد، بل هناك من يعتبره المبدأ الوحيد للحكم الرشيد، باعتباره يرتبط بالأهداف التي جاء من أجلها الحكم الرشيد، مثل الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، وبالتالي يعد هذا المبدأ ومدى التقيد به المؤشر الرئيسي لقياس الحكم الرشيد.
ويعد هذا المبدأ عند المتخصصين بالقانون أهم ضمانات حماية حقوق الأفراد في الدولة، ويقصد به من ناحية المفهوم الضيق خضوع سلطات الدولة الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية – للقانون، أما المفهوم الواسع للمبدأ فيشمل أيضاً تصرفات المواطنين ومدى توافقها مع القواعد القانونية السائدة في الدولة، وبمعنى آخر، يعني احترام الحكام والمحكومين للقواعد القانونية في الدولة، وسريانها عليهم، سواء أكان الأمر يتعلق بعلاقات الأفراد المتبادلة بين بعضهم البعض، أما كان يتعلق بعلاقات هؤلاء الأفراد بالدولة وهيئاتها.
ويذهب علماء القانون إلى أن التطبيق العملي لمبدأ سيادة القانون يقتضي أن تكون القوانين متوافقة مع القواعد الدستورية، وذلك تطبيقاً لمبدأ دستورية القوانين، والذي يحافظ عليه القضاء باعتباره الجهاز المؤهل لذلك نظراً لاستقلاله في أداء عمله، سواء أكان هذا القضاء عادي أم إداري أم هيئة خاصة مثل المحكمة الدستورية، أو المحكمة العليا في بعض البلدان.
وحتى يتحقق مبدأ سيادة القانون لا بد من توفر عدد من الوسائل تنسجم في مجملها مع الحكم الرشيد، ومن هذه الوسائل الديمقراطية، إذ لا يطبق مبدأ سيادة القانون إلا في دولة ديمقراطية، والتي تعني في حقيقتها حكم القانون، والتي تعتمد أساساً على تهيئة الفرص المتساوية في ممارسة الحقوق السياسية، مثل الانتخابات الحرة والنزيهة، وعدم التمييز في الترشح للمناصب السياسية لأي سبب كان.
وهناك العديد من المقومات التي يعتمد عليها مبدأ سيادة القانون، وذلك من أجل أن يحقق الغايات التي تسعى إلى تكريسه من أجلها، وهذه المقومات متعددة، ولكن يمكن إجمالها في مقومين اثنين، وهما الشرعية والمشروعية من ناحية، واستقلال القضاء من ناحية ثانية.
كما تلعب كل من المؤشرات الاقتصادية من ناحية، والمؤشرات الاجتماعية من ناحية ثانية دوراً بارزاً في قياس تطبيق الحكم الرشيد بكل مقوماته وأبعاده، وتظهر أهمية هذه المؤشرات من خلال اعتمادها من قبل الدول المتقدمة، ومن قبل المنظمات الدولية الاقتصادية.
يشير الكثير من المختصين إلى أن ظهور الحكم الرشيد أساساً يعود لأسباب اقتصادية، إذ أن ظهور العديد من النظريات الاقتصادية ساهمت بشكل كبير إلى ظهور هذا المصطلح، ومن هذه النظريات نظرية تكاليف المعاملات، ونظرية التكاليف، ونظرية أصحاب المصالح، وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، ويشير إلى أن التطبيق الأول للحكم الرشيد كان تحت اسم حوكمة المؤسسات، والتي كان سببها الأزمات المالية التي حدثت في السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى إفلاس العديد من الشركات العالمية الكبرى، إذ أثارت هذه الأزمات إلى العديد من المسائل مثل المحاسبة والشفافية وإعداد التقارير الاقتصادية، وبيان آلية استعادة ثقة المستثمرين من خلال اعتماد حوكمة المؤسسات.
وأخيراً يرتبط المؤشر الإجتماعي بالإنسان بحد ذاته، على اعتبار أنه المستهدف بالحكم الرشيد، ويعد رضاه أمر أساسي لتقييم الحكم والإدارة، لذا فإن المؤشر الإجتماعي في هذا السياق يرتبط ارتباط وثيق بالتنمية البشرية، وتعتمد هذه التنمية بشكل عام على أن يعيش الإنسان بكرامة وبصحة جيدة، وأن يكون متعلماً، وأن يكون لديه دخل دوري يكفيه لحياة لائقة.
جاء الباب الثاني تحت عنوان التطبيقات العملية لنظام المحاصصة السياسية، وبدوره ينقسم إلى فصلين، وتم التطرق فيه بداية لنظام المحاصصة الطائفية في لبنان، إذ ترتبط طبيعة النظام السياسي في لبنان بقدر كبير بالتطورات التاريخية التي شهدها، لا سيما بعد نيله الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، ومن المسائل التي تركت أثراً كبيراً في الحياة السياسية في هذه الدولة تلك التدخلات الإقليمية والدولية، والتي سهل لها أصلاً وجود تنوع ثقافي وديني وعرقي في لبنان، لذا برزت كل دولة من الدول الفاعلة في الشأن اللبناني على أنها حامية للأطراف التي يوالونها داخل لبنان.
إضافة للدور التاريخي وأثره في الوصول إلى النظام السياسي القائم حالياً في لبنان، فإن هناك محرك آخر لهذا النظام السياسي يتمثل بارتكازه على المحاصصة الطائفية بأشكالها المختلفة، وإن كان يغلب عليها الطابع الطائفي، إذ أدت الحرب الأهلية والتجاذبات المستمرة في لبنان إلى الوصول لهذا النظام السياسي الطائفي كضامن لاستقرار البلاد وعدم العودة إلى الاحتكام للسلاح. وبموجب هذه المحاصصة تم توزيع المناصب السياسية وفقاً لتمثيل الطوائف في لبنان، ويسري هذا الكلام على رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء والوزراء، والعضوية في مجلس النواب اللبناني، بل أن هذه المحاصصة تراعى حتى في التعيينات الإدارية.
مر النظام السياسي في لبنان بتطور تاريخي طويل، وأثرت فيه مجموعة من الأحداث التاريخية، لا سيما خضوعه لعدة دول أخرى، مثل الدولة العثمانية، والانتداب الفرنسي، وهذا ما ترك آثاراً مختلطة على النظام السياسي اللبناني، وجعله يتنقل بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، أو المزج بينهما. يضاف إلى ما تقدم أن استقلال لبنان من الانتداب الفرنسي لم يجعل منه بلداً مستقراً من الناحية الداخلية، إذ شهد مجموعة من الأحداث الجسام، والتي وصلت ذروتها باشتعال الحرب الأهلية في سبيعينيات القرن الماضي، واستمرت لمدة خمس عشرة سنة تقريباً، وانتهت بالتوصل إلى اعتماد اتفاق الطائف عام 1989، والذي أرسى لمبادئ جديدة للنظام السياسي اللبناني، والتي جسدت نظرياً بتعديلات الدستور اللبناني لعام 1926، وتجسدت عملياً باختيار رئيس جديد وحكومة جديدة ومجلس نواب جديد بما ينسجم مع مخرجات اتفاق الطائف.
تكلل استقلال لبنان عام 1943 وقيام الجمهورية الثانية باعتماد الميثاق الوطني، والذي يقصد به ذلك الاتفاق بين كل من بشارة الخوري ورياض الصلح، وبمقتضاه تخلى المسلمون عن طلب الوحدة العربية مقابل تخلي المسيحيين عن طلب الضمانة الأجنبية لاستقلال لبنان، ويتضمن الميثاق توزيع السلطة السياسية بين الطوائف المختلفة, فيكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً، وكل من نائب رئيس مجلس الوزراء من الروم الأرثوذوكس، كما يكون للموارنة مناصب قائد الجيش ورئيس المكتب الثاني ومدير الأمن العام، ومحافظ المصرف المركزي والإشراف على الجوازات والهجرة والجنسية، أما مجلس النواب فتكون فيه الأغلبية للمسيحيين.
تركت المحاصصة الطائفية أثارها في لبنان على تشكيل مجلس النواب اللبناني، إذ لم تتخلى عنها القوانين المتعاقبة وكان آخرها القانون رقم 44 تاريخ 17/6/2017، والذي تم تعطيل صدوره لسنوات طويلة، وبعد مجموعة من التوافقات تم اعتماده وجرت الإنتخابات النيابية الأخيرة لعام 2018 بناء على أحكامه. ومن أهم الأحكام المستحدثة بالنسبة لانتخاب أعضاء مجلس النواب اللبناني، والتي تتعلق بالمحاصصة الطائفية، التغييرات في الدوائر الانتخابية والتي تتمتع بمظهرين جديدين بوضوح، وهما التمثيل النسبي، واختيار المرشح التفضيلي، فالمواطنون لا ينتخبون المرشحين كأفراد بل عليهم التصويت لقائمة مرشحين في دائرتهم، ثم التصويت لمرشح تفضيلي واحد من القائمة التي اختاروها، ويتم تحديد المقاعد العائدة لكل لائحة انطلاقاً من الحاصل الانتخابي وعدد الأصوات التي تحرزها القائمة، على أن يقسم العدد الإجمالي للأصوات التي فازت بها القائمة على الحاصل الانتخابي الذي يحدد العدد النوعي للمقاعد التي ستحظى بها القائمة بعد ذلك يتم اختيار المرشحين في دائرة معينة وفق أكبر عدد حازوا عليه من الأصوات التفضيلية، وبعد اكتمال حصة مذهب ما أو عدد المقاعد التي حازت عليها لائحة ما، ويصبح باقي المرشحين من هذه الطائفة أو القائمة غير مؤهلين، وبالتالي يمكن أن يخسر مرشح حصل على عدد أعلى من الأصوات التفضيلية لصالح مرشح حاز على أصوات أقل، لذا يمكن القول أن هذا القانون لن يؤدي إلى تنافس عادل بين المرشحين .
تلعب المحاصصة الطائفية الدور الرئيسي في تشكيل الحكومة اللبنانية، وهذا مقنن في الدستور اللبناني، إذ تذهب المادة 95 من الدستور اللبناني إلى التماس العدل والوفاق يقتضي تمثيل الطوائف بصورة عادلة أثناء تشكيل الوزارة، وعند التعيين في الوظائف العامة، وهذا ما أثر بشكل سلبي على آلية تشكيل الحكومة في لبنان، إذ طالما يتم الاختيار على أساس الانتماء لطائفة معينة بدلاً من الاختيار على أساس المواطنة من ناحية، والكفاءة من ناحية ثانية. بل أن للمحاصصة الطائفية دوراً مزدوجاً فيما يتعلق بآلية تشكيل مجلس الوزراء اللبناني، إذ يظهر هذا الدور بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء بداية، والذي يجب أن يكون مسلماً سنياً، ومن ثم يمتد هذا الدور إلى اختيار الوزراء.
وباختصار تركت المحاصصة السياسية انعكاسات خطيرة على النظام السياسي اللبناني، إذ أدت إلى ضعف سيادة الدولة سواء من الناحية الداخلية أو الخارجية، وهذا ما ظهر من الناحية الواقعية في العديد من الأزمات السياسية التي مر بها النظام السياسي اللبناني، والتي تجسدت في ضعف أداء السلطة التنفيذية اللبنانية، هذا من ناحية أولى، أما من الناحية الثانية فإن المحاصصة الطائفية تركت أثاراً خطيرة على السلطة التشريعية ابتداءً من العرقلة المستمرة لاجتماعات مجلس النواب، مروراً بضعف أداء المجلس لصلاحياته.
في هذا الباب تم التطرق للمثال الثاني لتطبيق المحاصصة السياسية في العراق، إذ يعد النظام السياسي العراقي، لا سيما في الوقت الراهن من الأنظمة السياسية المعقدة، بسبب التنوع العرقي والثقافي الذي يتميز به العراق، وهذا التنوع بدوره فرض تداعياته السلبية على العملية السياسية برمتها في العراق، إذ لا بد من إرضاء جميع الأطراف العرقية والثقافية في التمثيل السياسي، وهذا فيه تهديد حقيقي لمبدأ المواطنة الذي يجب أساس التمتع بالحقوق السياسية، والإلتزام بالواجبات.
راعت كل من التشريعات الخاصة بانتخابات مجلس النواب العراقي، والتشريعات الخاصة بمجلس النواب نفسه وجود أقليات تندرج في مكونات الشعب العراقي، وضرورة مراعاة حصولها على حقوقها السياسية، ووجدت هذه التشريعات أن تطبيق المحاصصة السياسية قد يساعد في حصول هذه الأقليات على تمثيل في البرلمان العراقي الذي هو بالأصل يعد المنبر الممثل لكل الشعب العراقي. كما راعت التشريعات السابقة الذكر تمثيل النساء في مجلس النواب من خلال تخصيص نسبة من المقاعد لهن، أي اعتماد مبدأ الكوتا النسائية في البرلمان.
وأمام ما سبق فقد أقر القانون رقم (45) لعام 2013 وتعديلاته بالمحاصصة السياسية، ولكن على نطاق ضيق، إذ يتكون مجلس النواب العراقي من (329) مقعداً، يتم توزيع (320 ) منها على المحافظات وفقاً لحدودها الإدارية، بينما تخصص تسعة مقاعد برلمانية للأقليات وفقاً لمبدأ المحاصصة، وذلك بواقع ستة مقاعد للمسيحين، ومقعد واحد لكل من المكون الايزيدي، والصابئي المندائي، والمكون الشبكي .
كما أقر قانون الانتخابات وتعديلاته أيضاً نوع آخر من المحاصصة تتعلق بتطبيق مبدأ الكوتا النسائية، إذ أقر القانون أنه تجب مراعاة عدد النساء أثناء مرحلة الترشج لمجلس النواب، وكذلك نسبة تمثيلهن في المجلس، وهي في كلتا الحالتين لا تقل عن 25%.
وعلى صعيد أداء مجلس النواب لصلاحياته تظهر أثار المحاصصة السياسية من عدة نواح، وأهمها تأثيرها على الأمور التنظيمية لمجلس النواب العراقي، لا سيما من ناحية انتخاب رئاسة مجلس النواب أو إقالتها، والنصاب اللازم لعقد الجلسات، كذلك يظهر تأثير المحاصصة السياسية على ممارسة مجلس النواب العراقي لاختصاصاته المختلفة سواء أكانت اختصاصات تشريعية أم اختصاصاته في الرقابة على عمل الحكومة.
وأخيراً كان للمحاصصة السياسية أثر سلبي على مستوى أداء الحكومة، إذ يمكن القول أن الأداء الحكومي هزيل في السنوات السابقة، مما سبب فقدان الثقة السياسية بالحكومة العراقية، فالثقة السياسية تعني الإيمان بأن أداء الحكومة سيكون وفقاً للمعايير التي يضعها المواطنون، وبما ينسجم مع المصلحة العامة، وهذا غير متوفر في العلاقة بين الحكام والمحكومين في العراق، فقد تدهورت مستويات الثقة السياسية إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما أدى إلى صعوبة إيجاد نظام سياسي عراقي مستقر داخلياً، ويمارس دوره بفاعلية على المستوى الخارجي.
من أوجه الفشل التى تعزى لأداء الحكومة العراقية أيضاً، فشل الحكومة في حل إشكالية الهوية العراقية، مما أدى إلى تفاعلها مع مشكلات أخرى يعيشها العراق كالشرعية والمشاركة والاندماج الإجتماعي والسلم الأهلي، وكل ما سبق ساهم بدوره إلى إلغاء دور الدولة نفسه في بعض الحالات، إذ يتم تغليب الولاءات الحزبية والدينية والقومية والعشائرية على الولاء للدولة، وهذا يشكل تحدي واضح للأخيرة في إيجاد هوية وطنية عراقية موحدة.
وأدى استفحال البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية في العراق إلى انتشار ظاهرة الفقر على مستوى واسع، وهذا وفقاً لإحصائيات وأرقام صادرة عن الحكومة العراقية نفسها، ومنها على سبيل المثال التقرير الصادر عن وزارة التخطيط العراقية عام 2012، والذي أظهر أن معدل الحرمان في الجانب الصحي بلغ 29%، والبنية التحتية 24%، والسكن 24%، والحرمان الاقتصادي للفرد العراقي 31%، والأمن الاجتماعي 22%، وإن عدد العوائل المحرومة في العراق يقدر بمليون و32 ألف أسرة أكثر من نصفها في الريف، وأظهرت نتائج التقرير أن حوالي 30% من الأفراد يعيشون في مستوى معيشي متدن.
ويظهر تأثير المحاصصة السياسية أثناء عملية تعيين القضاة واختيارهم من قبل السلطة التنفيذية، وكان من الأفضل أن يكون اختيارهم وعزلهم بالمشاركة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، ذلك أنه من المعلوم أن خضوع القضاة في تعيينهم للسلطة التنفيذية سيؤثر على استقلالهم في عملهم، وهذا ما هو متبع في العراق إذ يتم تعيين القضاة بمرسوم جمهوري من قبل السلطة التنفيذية، مما أدى إلى محاولات متكررة من قبل الحكومة العراقية التدخل في عمل القضاء، مع العلم أن السلطة القضائية في العراق تصدت لمحاولات التدخل هذه من خلال تطبيق نظرية انعدام القررات الإدارية، واستناداً للمادة 88 من دستور العراق لسنة 2005، والتي تنص على أنه ” القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة.
في ختام هذه الأطروحة تم التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، وتم تقديم مجموعة من المقترحات بشأنه.

4 تعليقات

  1. يقول raphael:

    الف مبروووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووك

    وننتمنى لك المزيد من التقدم والنجاح في حياتك

  2. الف مبروك للسيد هندرين اشرف نعمان بحصوله على دكتوراء في العلوم السياسية بأطروحته المعنونه
    المحاصصة السياسية ومدى انسجامها مع مقومات الحكم الرشيد عراق و لبنان نموذجا

    اخي العزيز تستاهل كل الخير وموفق في عملك ودمت.

    حكمت المرگهي

  3. الأخ الدكتور هندرين نعمان المحترم
    اجمل التهاني بمناسبة حصولكم على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وفي رسالتكم المعنونة : مع مقومات الحكم الرشيد، عراق ولبنان نمذجاً.
    تمنياتنا لك بالتوفيق في مسيرتك القادمة وان تكون كما عودتنا صوتاً عادلا في فضاء السياسة وعلومها … وتقبل فائق تقديرنا ومحبتنا

    جمعية نينوى في النروج

  4. يقول Gabriel:

    مبروك للاخ هندرين بشهادة الدكتوراه مع تمنياتنا بالتوفيق في المستقبل

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی