صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » بعد نصف قرن من الغربة .. ابو جوزيف يتوسّد صدر مُرضتعه ويتدّثر تراب مولده/شوكت توســا

شوكت توســا
في 16 اوكتوبر من كل عام , تمر علينا  ذكرى رحيل المناضل الشيوعي توما توماس.
في  أواخراوكتوبر  1996, اي بعد وفاته باقل من اسبوعين , توفرت لي في الاردن فرصة  قراءة  مذكراته المكتوبة بخط يده , أقتبس من مقدمتها  قوله: (( انا من مواليدعام 1924في بلدة القوش العريقه  في بلاد  بيث نهرين من بلاد آشور, تبعد 40 كم عن نينوى آخر عاصمه للاشوريين ,تميزت بلدة القوش بمواقفها القوميه الشجاعه بمساندة ابناء قوميتها اثناء المحن,أتذكر جيدا ( فرمان الاشوريين)أحداث سميل, وكيف احتضنت  القوش العوائل الاثوريه التي هجرت قراها
…. )). انتهى الاقتباس.
وبحسب مذكراته ,كان طيب الذكر قد تعرّف على الفكر الشيوعي بواسطة المرحومين شماشا ابريم عما  والمحامي عبد الرحيم قللو في كركوك, ثم انضم الى صفوف الحزب في نهايات خمسينات القرن  الماضي  قبيل ثورة 14 تموزعام 1958, والتحق بعد ذلك كمقاتل  أنصاري في صفوف الحزب الشيوعي  ضمن الحركه الكرديه في شمال العراق , ونظرا لبسالته واخلاصه في عمله العسكري والحزبي, أصبح مسؤولا قياديا في حركة الانصار الشيوعيين في منطقة بهدينان ثم تدرج  في تحمل مسؤولياته الحزبيه والعسكريه.
إحتراما ًلتاريخه النضالي ولذكرى رحيله , أعيد بكل فخر واعتزاز نشر مقالتي التي كـتبتها بمناسبة  نقل جثمانه من دهوك الى مقبرة القوش  بتاريخ 22 اوكتوبر 2010.

إنه مشوارنصف قرن أوما يزيد من النضال المتواصل, إنها رحلة عقود طويله بعناقيد مثقله بالظلم والقهر والتشرد , فقد خلالها فلذة كبده منير ورفيقة دربه ألماس, وفرهدت السلطات الغاشمة ممتلكاته, وتشردت كامل عائلته, ولكن رغم هذا كله, لم يحنِ توما توماس قامته  العراقيه الشيوعيه الشامخه لأي من هذه النوائب التي تهز الجبال العاليه , ولم تنل منه مغريات الحياة الفانيه اي منال , ظل حتى آخر لحظه من حياته التي ودعها في سوريا وفيا لقضية شعب يسومه الحاكم الظالم كل انواع الضيم, ومن قامشلي كان قد نقل جثمانه الى مقبرة  دهوك, ظل هناك ينتظر بالصبر الذي عرف عنه حتى نقل  جثمانه الى القوش التي وهبها ما لم يهبها إنسان قبله, ليعود الى الصدرالذي رضع منه أولا, وليتوسد تراب مولده في رقدته الأبديه الى جانب رفيقة عمره وشريكة عواديه التي رغم إشتداد النوائب ابت إلا ان تكون توأمه دائما.
إذن إجتمع الخالد الذكربرفيقته وحبيبته أم أولاده ليكون اللقاء الابدي رمزا للحب المتجدد والتضحية والفداء, إجتمعا تحت شاخصة قبر لابد أن تشكل في ضمير الانسان العراقي عموما والألقوشي خصوصا وعلى مدى الدهر, مثابة محطة تستريح عند ظلالها بعض خطى المناضلين المتعبه لكي تستلهم من ذكرى تاريخ من يرقد تحتها: العزيمة والثبات.
حين نريد التحدث بحياديه وتجرد عن رجل بقامة وفكر توما توماس, فأنا ارى من الظلم أن ننسب تاريخ نضال الرجل و نختزله بجرة قلم غير مسؤوله  بطائفه  او كتله بشريه قوميه, وإن فعلنا ذلك على طريقة النافخين في قربة مثقوبه من خلف البحار البعيده, طريقة من غيّروا الوان جلودهم مرات ومرات كما الحرباء , فإننافي فعلنا هذا سنتجنى  على تاريخ مناضل بطل وعلى رسالته التي تعني وطنا وشعبا برمته, على هذا الأساس  لم يتردد في دعم ونضال الحركه الكرديه , كما لم يألو جهدا في دعم  ومساندة مؤسسي الحركة الديمقراطيه الأشوريه في بدايات الثمانينات , إذن رسالته هي  أشمل  واقدس من رسالة راهب متنسك عزل حياته من اجل قضية تنحصر بين اربعة جدران عاليه رطبه في دير عتيق.

الرجل توما توماس لا يليقه مطلقا أن ننسب نضاله سوى الى ما يستحقه, فقد حمل على كتفيه مدى ما يزيد على نصف قرن من رداءة الزمان, قضية شعب ووطن,هذه القضيه كما نعرف جميعا تتجاوز  سقف القومية والدين  وتتسع مساحتها لتضم كل القوميات العراقيه, فالشعب العراقي يظل رغم كل الدعوات الطائفية والقومية الضيقة, بعضه شريك لبعضه في السراء والضراء.
وبقدر إعتزازنا وفخرنا بعودة جثمانه الى حضن أمه القوش التي ولدته وارضعته حليب الشهامة والشموخ ,إلا أننا نثق ان اي بقعه على ثرى العراق من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه ليست اقل طهرا ومعزة من الارض التي توسدها, ناهيكم عن ان الفكر(الشيوعي) الذي كان يتبناه الرجل يرفض بالمطلق بدعة النقاء العرقي ويتعامل مع الدين كقضية إيمان فردية محضه تخص صاحبها ليس إلا.
حاشا ان يكون توما توماس قد مارس النضال مجرد هواية كمخاض لعقده نفسيه او ترف فكري يستجدي منه تحقيق مكسب شخصي على طريقة من صاروا يتخبطون كما المصاب بحمى الهذيان وسط شوارع المدن التي تسترعريهم الفكري وتخبئ عوراتهم  وراء مسميات وتشكيلات وهميه خلقوها للتلاعب بعواطف البسطاء, إنما  مارس نضاله كناموس إنساني إستمد بنوده من أنين المحرومين نتيجة السياسات الظالمه التي مارستها الانظمه المتسلطه على رقاب الشعوب بقوة الحديد والنار, ويوم بدل المطبلون لون جلودهم,إزداد إيمان الرجل ضراوة بتمسكه بلون جلده الموبوء بجراحات التشرد ونتوءات الصخور التي تعود ان يتوسدها واصبعه على الزناد دفاعا عن قضايا الشرفاء المظطهدين والمسلوبي الحقوق, ويوم ساوم  المطبلون على شرف انتمائهم القومي والفكري الذي يتشدقون به اليوم, أصرالرجل على أنه إنسان عراقي كلدواشوري وهب نفسه للعراق كله, وهذا ما تحكيه لنا وثائق مؤتمرات الحزب الوطنيه وعن لسان رفيق دربه دنخا البازي.
ل
لملم يكن توما توماس يوما عضوا في منظمه وهميه تضم مجموعة من الجهلة والأميين جعلت لها من صفحات الانترنيت مقرا يدار بفارة الحاسوب,أنما كان قائدا في تنظيم سياسي قدمّ الالاف من أعضائه أرواحهم رخيصة من أجل قضية الفقراء والمسحوقين والوطنيين الشرفاء, إذن لتسكت اصوات  النشاز ولترتفع أصوات المنشدين بالمجد الذي يستحقه توما توماس ورفاقه الشهداء الأبطال.

بوركت سواعد الذين إستقبلوا نسر بلدتهم  العائد, وبوركت تلك البلده التي أنجبته إبنا بارا, ولكي يقوى عود القوم أمام العاتيات لابد من التحسّب والانتباه دائما من خلال  إستذكار مواقف هذا الرجل  الذي لم يفرط يوما بأهله ولم يألو جهدا في دعم  ما يوحدهم  ويحفظ بقاءهم كرماء أعزاء ,رحل عنا الرجل بجسده  لكنه عاد  بروحه المبتهجه الى مثواه  بعد ان ترك  لنا إرثا متميزا من عطاء الأشداء المحنكين, إرثا لا يقبل الحكر  ولا التقسيم  البتة ً,انه ارث أممي ووطني ثم قومي , فيه من الثراء بما لا يقبل التفريط   به بأي شكل من الاشكال ,والذي  يصون هذا الورث ويأتمنه بصدق,  له الحق ان يتباهى  به  وبأسم صانعه ,شريطة العمل على تحقيق تلك الرساله التي توالى وستتوالى على حملها الأجيال مثلما حملها المرحوم بدمه وعقله وتضحياته.

المجد والخلود للمناضل  توما توماس (ابو جوزيف) .

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی