صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » نجيب محفوظ يعود من جديد ..في اليقظة والأحلام معاً.

بقلم الكاتب اللبناني

 عصام محمد جميل مروّة

نجيب محفوظ الذي طار الى اكثر المناطق وأوسعها في العالم اجمع ذلك معلوم ومعروف من خلال ترجمة اعمال الأديب الى عشرات اللغات العريقة والمهمة في طليعتها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية والسويدية والنروجية والهندية وبعض اللغات المختلفة .

في الواقع لم يكن الأديب يرغب في السفر خارج “المحروسة مصر وتحديداً القاهرة “، كما كان يطلق عليها اسمها الدلع “المحروسة مغروزة في دميّ ” لا أستطيع ان اتنفس او أعيش بدون المشي والسير على دروب القاهرة إبتداءاً من ساعات الصباح الاولى ، مع اول اطلالة للشمس التي تلسع بأشعتها الفقراء والحرافيش صباحاً باكراً حيث تكون اصواتهم وصيحاتهم لشد الهمة والإستعداد نحو استقبال يوم جديد للرزق.

 عندمًا تعرض الاستاذ للأغتيال “١٩٩٤” ، بعد مراقبة من قبل شابين كانا قد كُلفا بقتلهِ نتيجة “الإلحاد الزائد” ، والفائق عن اللزوم في معادات “الذات الإلهية”،  كانت تلك الشحنات هي ذاتها تنفضح بعد كل اعتداء على اصحاب العقول النيرة التي تبحثُ عميقاً في تاريخ من ليس لَهُ تاريخ منذُ ما يُقارب القرون الثلاثة حسب تفسير نجيب محفوظ في رواياتهِ المتعددة عن “ان الاديان “، لعبت وتلعب وما تزال تدور في لعبتها القذرة حول تضليل الناس وتشجيعهم على “الدخول الى دين ما ونقض ورفض اي دين اخر”، وهذا ما كان واضحاً بعد ما القت الشرطة والأمن على الشباب الذين حاولوا طعن الأديب “بخنجر مسموماً”،  ليس عندما غُرِز في رقبة الأديب بل كان يبثُ اكثر سماً لأن حاملهُ قد تأسف كثيراً وكان ممتلئاً حقداً وغيظاً من عدم موت الأديب مباشرةً لأنهُ يستحق العقاب ، وصرح مراراً القاتل بأنهُ ليس نادماً بل سوف يدخل الجنة من اوسع الأبواب لأنهُ قدم خدمًةً للأسلام ما بعدها خدمةً كالجهاد في سبيل إقامة الحد بالسيف على كل فاجر خارج عن الشريعة مرتداً .

هنا من المؤكد ان السنوات التي حدثت لاحقاً كانت تُشيرُ الى مكانة الأديب واعماله الفائقة والفائضة في اسلوبها الأدبي في إتقان روائي وقصصي محكي في اللهجة المصرية العامية ، وفي كمال وزينة ودقة اللغة العربية السليمة . التي كانت اُسلوب ونهج نجيب محفوظ في اكثر الأحيان سواء كان عندما يروي قصصهِ في مجالسه الخاصة وفِي مكتبهِ في “جريدة الاهرام القاهرية “، حيث كان لَهُ مكتب خاص يجتمع بهِ مع كبار وعمالقة الأدب العربي في ايام كثيرة،  كان اللقاء يضم بِلا مواعيد مع الصحافي “محمد حسنين هيكل “، ومع “توفيق الحكيم”، ومع “محمود عباس العقاد “، ومع “كوكب الشرق السيدة ام كلثوم “، التي احبها كثيراً وكان معجباً في إدائها الفني وصوتها الجميل والرائع ومكانتها في إيصال الحس الوطني بعد حفلاتها التي كانت تتبرع بريعها الى المجهود الحربي،  بعد محاولات الحروب على جمهورية مصر العربية اثناء الإعتداء الثلاثي ١٩٥٦ و ١٩٦٧، و يوم العبور١٩٧٣،

عندما تم اختيار  اعمال الأديب لنيلها “جائزة نوبل في الآداب “، من قبل الجهة المنظمة كانت شبه تحول تاريخي عبر عنهٌ نجيب محفوظ بأن الذي انتصر ونال الجائزة هو الشعب المصري كافة . لأنهُ كان يكتب عن الأصالة طيلة عشرات السنين ولم يسمع بيّ أحداً وكنت اعمل في سنوات القحط والفقر والعوز أياماً طويلةً لا اجد مدخولاً يسد رمقي و معاناتي كانت تتشابه مع جميع الذين كانوا “يُعانون النُدرة “، في الحصول حتى على الرغيف وحدهُ.

من سمات الأديب بعد نيلهِ الجائزة حيث لم يستطيع السفر الى السويد لكنهُ كلّف السفارة المصرية ومثلتهُ ابنتيه “ام كلثوم و فاطمة”،  في تسلم الجائزة مباشرة.

وصرح انهُ سعيد وسوف استمر بالكتابة الى اخر لحظة في حياتي معلقاً على ذلك لأنها متعتي الوحيدة التي تعودت على ممارستها منذ تفتحت اعيني على الكتب والمجلات التي كانت شحيحة وبالكاد احصل على رؤيتها لكنها كانت جديدة وتشدني وتجذبني الى متابعة القراءة في شغفها التي أوصلتني الى “حلمي الكبير” ،كما انهُ قال في الكثير من لقاءاتهِ انني اشعر بتلذذ ما بعده غبطة عندما امسك القلم ما بين إبهامي وسبابتي وأبدأ بنسج خيال نابع من اعماق أعماقي .

ان الذي حاول إقصاء الأديب من الوجود لم يكن إلا صعلوكاً في اياديّ المتخلفين الذين يعيشون على غذاء ثقافة القتل والذبح المستمرة الى اللحظة ؟

القرار بإزاحة الفيلسوف نتيجة حتمية بعد وصول اعمال الأديب الى مستواها الأدبي الذي شكل نقلة نوعية في التقريب بين الحضارات المتعددة التي مرت على ارض “الكنانة مصر”،  منذ اليوم الاول لتدفق مياه النيل الأزرق اتياً من مسافات بعيدة جداً لكن الزمن حول ارض مصر وشعبها الى “حدوتة شعبية “، تتناقلها الناس بكل لطف وخفة دماء حسب ما كان يقدمهُ الاستاذ في رواياتهِ المتتالية ، التي كانت دائماً تجذب القراء مع الاسماء والأمكنة والأزمنة لأصحاب “السحنات المصرية المعروفة في لونها ورمزها الأسمر وزنود البحارة “، الذين كانوا يجوبون ويغوصون في نهر النيل الأزرق ،

كان دائماً يحب مصافحة الناس العاديين من طبقة الفقراء ولم يكن لديه مانع بعدما إزدادت شعبيته ِوشهرتهِ غداة فوز اعمالهِ بحائزة الأدب ،

كما انه يعترف ان لَهُ “اصبعاً سادسا ً”، بدونِ شعور يعتز بإمتلاكهِ لذلك”  القلم “، الذي كان بمثابة مرافقاً لَهُ منذ بداية كتابة رواياتهِ التي كانت سبباً في محاولات متعددة لإغتياله.

اما الثلاثية الشهيرة تضم فصول روايات ثلاثة

“بين القصرين “وقصر الشوق” والسكرية”، بالإضافة الى

رواية” اولاد حارتنا “،التي مُنعت منعاً باتاً في مصر بعدنشرها في لبنان بيروت مطلع الستينيات من القرن الماضي ، كانت ناقوس خطر رافقه الى مطلع التسعينيات من نفس القرن بعد انتشار العمل الإرهابي في تجريم وتحليل دماء كل الكتاب والصحافيين الذين يُروجون الى فكرة الإنفتاح على الاخر،

احلام فترة النقاهة الأحلام الاخيرة للأديب كان الحلم الذي يحمل رقم “٣٥٢ “، يعبر عن مكنونات لاحقته بعد وقبل الاغتيال ولاحقاً حيث نرى ان الأديب لَهُ باع واسع في البحث الخطير والدفين للشعوب تلك التي سكنت مناطق النيل ومناطق الرافدين،  بعد ما آلت اليه ظروفنا الحالية من ان نظرةً الأديب لم يكن يتمنى ما وصلت اليه حالنا ،لكنهُ أشار اليها منذالبواكير في ادبياتهِ واعماله القيمة وإلا لم تصبح مترجمة الى لغات العالم الحديثة والمتجددة .

حلم ٣٥٢ بالحرف””فجأة أخترق الزلزال قلبي وجف حلقي وكانت ثواني كأنها أعوام ولكن الله سبحانه كتب لنا السلامة واختلفت الطوائف فقال المسلمون إن الله اكرم الخلق إكراما لهم، وقال المسيحيون إن السلامة كانت هديةً لهم ، وقال اليهود إنهم أحباب الله منذ القدم، وأشتد الجدل واحتدم وكادت الفتنة أن تشتعل،””.

القراءة كانت من يوميات نجيب محفوظ في معظم الأوقات والأحيان كان مرادهُ ان يكتب عن ما لا يستطيع المواطن العادي التحدث به علناً وشفهياً لذلك كانت جائزة نوبل يستحقها الناس اولا وأخيراً لأنهم اقرب الى حبر ومداد قلمهِ من صالات التكريم الفسيحة والمبهجة في إنارتتها،

في ذكرى منحك الجائزة نستدركُ كم كُنت  عادلاً ومُحِقاً في أحلامك واحكامك النابعة من أصالة الأدب العربي الذي لا يموت وإن مات الكثير من امثالك، يبقى الأدب فناً وشعراً مهماً تطاولوا على قامات من طينتك،

بالرغم من ان هناك من يعتقد اننا لا نصل إلا اذا زضيّ عنا الغرب او عندما يمنحونا جوائز قيمة فليس ذلك عيباً او إهانة لكن الإعتماد على الذات هي مشرع يحتاج الى سلام دائم ومستقر لكى تُصبِحُ ثقافتنا من أوليات ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا،

عصام محمد جميل مروة ..

اوسلو في /٢٠ / تشرين الاول اكتوبر/٢٠١٩ /..

2 تعليقان

  1. يقول عصام مروة:

    الاستاذ جِبْرِيل
    تحية صداقة صباحية
    المتضررون هم نفسهم يحاولون دائماً تبرير اخطائهم عندما يأمرون بالضرب دون رحمة على كل من يتجاوز حدود المعقول في أمور كثيرة ومتعددة تخص الحياة العامة والدين في مقدمتها هذا ما قام به ابناء واتباع الاديان السماوية المتتالية على هذه الارض المسكونة من فئة واحدة ونوع واحد بشرئّ
    لكن المفارقة بعد تقدم وتطور العالم في أشكال أفضل لكننا البشر لا نعرف التعامل مع من يعترض
    إلا بلغة واحدة هي القتل والدفن للأحياء والمقصلة وأعمدة المشانق وأساليب اخرى اخطر من تلك
    الأطوار هي تغذية العقول وتربيتها على المعادات الى اخر الزمان !؟
    لا رحمة إطلاقًا على سبيل المثال في تقبل المسلم لأي إنتقاد للشريعة والقرآن وإن كان الناقد يحاول
    وضع علامات للنقاش . كما ان المعهود ما قرأناه عن اتباع الكتب التوراتية كيف تم التعامل مع الاتباع الذين يخالفون المزامير الشهيرة في تسلطها على انهم شعب مختار لا شبيه لهم على الإطلاق
    وعندما إبتدأت الثورة الفرنسية منذ قرون ثلاثة تم إحراق كتاب الإنجيل اولاً معتبرين إياه انهُ حجر عثرة نحو تقدم الامم والشعوب . مع ذلك بعد نجاح الثورة أُعيد الإعتبار الى الأنجيل و تم إعدام جماعي للذين شاركوا في عمليات الحرق الشهيرة !؟ إذا ما تعرض لَهُ استاذنا الكبير نجيب محفوظ ليس جديداً بل تكملةً للحقد والكراهية على كل من يُبدى صحوة للفكر
    شكراً لمرورك
    الى اللقاء

  2. يقول Gabriel:

    الاخ الاستاذ عصام مروة المحترم
    تحية طيبة
    لا شك ان الاديب والقاص نجيب محفوظ يعد من الادباء الاوائل على الصعيد العربي والعالمي، وهو الذي اغنى العالم العربي بروائعه التي انتقلت الى السينما لتصل الى قلوب وعقول حتى الطبقة الامية التي لم يسنح لها الفرصة في تعلم القراءة والكتابة، فكانت مهمة السينما ومن ثم التلفزيون نقل قصص نجيب محفوظ مباشرة من الشاشة الفضية الى عقل المشاهد. وبالمقابل كان هنالك من يترصد ادبه بحجة الـ”كفر” التي صارت ازلية لمن يدعون بـ”علماء الدين” وما هم في الحقية الا شلة من تجار الدم والقتل “المقدس” الذين يردون فرض ارائهم بالقوة، وويبثون الكره “المقدس” بين بني البشر. وقد نال نجيب محفوظ منهم حصته، لكنه بالمقابل نال احترام العالم جميعاً حيث تم منحه جائزة نوبل تقديرا لجهده في نقل الصورة للمجتمع العربي الاسلامي بكل تناقضاته… كان رحمه الله قاصا مبدعاً دخلت قصصه قلوب الناس وعقولهم بكل سلاسة.
    تحياتي

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی