صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » “الكلدان السريان الآشوريون”  هل ستنقرض أمتنا بأنقراض لغتنا القومية؟؟ أبرم شبيرا

أبرم شبيرا

مدخل أولي:
========
هذا الموضوع، وتحديدا، اللغة والقومية، أمر يتلطبه مجلدات ضخمة لأعطاء شيئاً من حقه الموضوعي والتاريخي لكونه مسألة حساسة في حياة أمتنا “الكلدنية السريانية الآشورية”، خاصة في هذا العصر الغادر الذي جعل عدد أبناء أمتنا في بلدان المهجر أكثر بكثير من عددهم في وطن الأم ليضيف بذلك أستثناءا آخر على الإستثناءات التي تكتنف وجود أمتنا طيلة تاريخها الغابر. قد يجادلني أحد القراء فيقول: لماذا هذا الإستثناء حصرا بأمتنا، فاللبنانيون عددهم أكثر من أربعة عشر مليون يعيشون في المهجر فهو أكثر بكثير من الموجودين في لبنان. هذا صحيح ولكن الإستثناء هنا هو أن لللبنانيين دولة ووطن بأسمهم، لبنان. أما نحن فشعبنا ليس له دولة أو وطن بأسمه. فإنصهار آلاف اللبنانيين وضياعهم في مجتمعات المهجر لا يعني ضياع وإختفاء الهوية اللبنانية طالما لبنان كأرض ووطن وإطار سياسي وقانوني لهم لا يختفي ولا يزول ولا ينقرض. والحال نفسه بالنسبة للبولونيين واليونانيين والإيطاليين وغيرهم من القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال لا الحصر. فإن إنصهار الملايين منهم في المجتمع الأمريكي وتلاشي لغتهم من ألسنتهم وبيوتهم لا يعني ضياع وتلاشي اللغة أو القومية البولونية واليونانية والإيطالية طالما لهم أرض ودولة بأسمهم تشكل الإطار والأساس القانوني والسياسي لإستمرار وحماية اللغة والقومية البولونية واليونانية والإيطالية. أما وضعنا، فالحال يختلف كلياً، فبسبب عدم وجود لنا مثل هذا الإطار القانوني والسياسي الرسمي بأسم أمتنا ومعروفاً فعلياً ورسمياً للعالم يجعل أمر ضياع وإنصهار بعضة مئات من أبناء أمتنا في مجمتعات المهجر مسألة حساسة وخطيرة في تقرير مصير وجودنا على الكرة الأرضية خاصة وأن وتائر الهجرة متصاعدة تصاعداً دراماتيكياً. وقد يبدو بأن طرح مسألة اللغة والقومية هو من المواضيع “الكلاسيكية” المتوارثة من عصر نهضة القوميات في القرنين الماضين وأصبح من مقتنيات الماضي في هذا العصر الذي أرتكن على كف عفريت يتحكم فيه التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الإتصال والتواصل الإجتماعي المذهلة جاعلاً من هذا العالم الواسع بقومياتهم المختلفة والمتعددة مجردة بناية بعدة طوابق ونحن مجرد حجر صغير جداً في جدرانها لا أثر أو موقع أو تأثير على هذه الجدران، ولكن مع هذا فأن للغتنا القومية أهمية حاسمة وخطيرة في الأبقاء على هذا الحجر وإستمراره نحو الآفاق المستقبلية.

عوامل في نشوء ووجود القومية:
=================
لا أحد، من المختصيين أو غيرهم، يجرأ ويقول بأن اللغة ليست مكوناً أساسياً في وجود أية قومية، لا بل الكثير منهم يذهبون أبعد ويقولون بأن موت لغة أية قومية معناه موت هذه القومية وإنقراضها. فهل فعلاً اللغة لها أهمية قصوى في وجود الأمة وبقاءها وإستمرارها؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ “نعم”. وبالمقابل، لا أحد من المختصيين أو غيرهم يجرأ ويقول بأن اللغة وحدها… أكرر وأقول وحدها… هي المقوم الوحيد للقومية، فبهذا المعنى نتسائل هل اللغة هي العامل أو المقوم الوحيد في وجود القومية؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ “لا”. وبعبارة أخرى نقول بأن أهمية اللغة تأتي في كونها المقوم الأساسي وليس الوحيد في وجود القومية. لقد أستقر الفكر السياسي الكلاسيكي على عدد من المقومات في وجود القومية وتعريفها، منها اللغة والتاريخ والثقافة والتراث والأرض والأماني المشتركة وحتى الدين والإقتصاد، فتعددت وتنوعت هذه المقومات وتباينت أولوياتها عند المفكرين كل حسب معتقده السياسي والمصلحة العامة لقوميته، أو طبقاً لزمانها ومكانها. إلا أنهم جميعهم تقريباً يضعون اللغة في مقدمتها ويعطون لها أهمية قصوى في وجود القومية، خاصة فلاسفة الألمان، بإستثناء قليل يشذ عن هذه القاعدة بعض المفكرين الفرنسيين، والتي سنأتي على مناقشتهم في السطور القليلة الآتية. وبإختصار شديد، كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن هذا الموضوع أصبح من مقتنيات الماضي وقل تأثيره في عصر العولمة بسبب التطور الإنفجاري لتكنولوجيا المعلومات وقدرتها على إختراق التخوم والحواجز القومية وتصاعد عامل الإقتصاد نحو قمة جدول أوليات المصلحة العامة للدول متجاوزاً كل الحدود السياسية وكل الحواجز القومية والثقافات الوطنية. هذا الوضع الإنفجاري جعل بعض الدول، كالدول العربية والإسلامية، العاجزة عن ركوب موجة التطور الإنفجاري أن تخشى وترتعب من العولمة لأن حدودها القومية أصبحت عاجزة عن الصمود أمام هجمة تكنولوجيا المعلومات وأمام العولمة. فإذا كان ماركس ورفاقه قد أكدوا بأن من يملك وسائل الإنتاج هو من يملك أيضا وسائل الحكم والسلطة والتأثير، فإن في عصرنا هذا لم يعد لوسائل الإنتاج التقليدية ذلك التأثير الفعال والحاسم بل أصبحت تكنولوجيا المعلومات والتواصل الإجتماعي هي وسائل الإنتاج الفكري والإعلامي الأكثر فعالية في زمن العولمة والتحكم في شعوب العالم. فمن لا يملك مثل هذه الوسائل ولا هو بقادر على صناعتها أو ركوب موجتها التطورية فلا محال فهو خارج هذا الزمن ولا يجد في هذه الوسائل إلا بعبعاً جاثماً على لغته وقوميته ليبتلعها عاجلا أم آجلاً. فكيف ونحن “الكلدان السريان الآشوريون” قومية صغيرة لا حول لها ولا قوة من هذا التطور الهائل نحو العولمة وأمواج الموت تعصف بنا من كل صوب وحدب ولا أطار سياسي أو قانوني ثابت ومعروف يحمي لغتنا وقوميتنا من هذه الهجمة التكنولوجية الشرسة؟ أمر يستوجبه صفحات طويلة لإزالة مثل هذا الإستفهام ونتركه لفرصة أخرى حتى نبقى في إطار تساؤلنا حول أهمية اللغة في إقرار وجودنا القومي، ونبحثه وبإختصار شديد من خلال بعض المدارس المهمة التي عالجت أهمية اللغة لكل قومية.

المدرسة الألمانية:
————
أبتداءاً أرتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته (1762 -1814) وإختصاراً (فيخته) الذي أكد وبقوة على عامل اللغة كعامل جوهري وأساسي في تكوين القوميات. فكل قومية بحسب تعريف فيخته لايمكن معرفتها إلا بلغتها، هكذا أكد بأن جميع اللذين يتكلمون اللغة الألمانية هم أبناء القومية الألمانية وأن اللغة والأمة أمران متلازمان لايمكن أن ينفصلا. وعلى أساس هذه الفكرة وغيرها التي تناولها وطورها غيره من فلاسفة الألمان نشأت النازية في ألمانية وأستخدمتها في سياسة إحتلال الدول التي تتكلم الألمانية بأعتبارها جزء من الأمة الألمانية. تناول بعض المفكرين العرب هذه المدرسة في دراساتهم عن القومية وفي مقدمتهم ساطع الحصري (أبو خلدون) 1879 – 1968 والمعروف بـ “فيلسوف القومية العربية، الذي شدد وبشكل قاطع على أهمية اللغة في تكوين القومية غير أنه رغم هذه الأهمية القصوى لللغة عند الحصري فأنه لم يهمل بقية المقومات في تشكيل القومية، منها التاريخ والعادات المشتركة والأرض ولكن مع هذا فهو أعتبر اللغة هي روح الأمة وحياتها وأنها عمودها الفقري وأهم مقوماتها وشخصيتها وإذا فقدت لغتها وبدأت تتكلم بلغة أخرى فأنها تكون قد فقدت حياتها وتلاشت من الوجود. ولكن من جهة أخرى يعطي الحصري للتاريخ أهمية أيضا بإعتباره شعور الأمة وذاكرتها فشخصيتها تعرف بواسطة تاريخها الخاص، فالأمة التي تنسى تاريخها الخاص تكون قد فقدت شعورها ووعيها وهذا الشعور والوعي لا يعود إليها إلا عندما تتذكر تاريخها. ويختصر كلامه في القول بأن اللغة هي بمثابة روح الأمة وحياتها والتاريخ هو بمثابة وعي الأمة وشعورها. وإذا أقتربنا أكثر من زمننا المعاصر نرى بأن حزب البعث العربي الإشتراكي قد تبنى فكر أبو خلدون في أيديولوجيته القومية وغيره من الأحزاب القومية العربية.

المدرسة الفرنسية:
———–
أرتبطت هذه المدرسة بالمؤرخ والكاتب أرنست رينان (1823-1892) الذي دخل في نقاش حاد مع  فلاسفة الألمان، فرفض رفضاً قاطعاً في أعتبار اللغة أساسا لوجود وتعريف القومية. فقد قال بأن الأمم ليست وحدات لغوية بل وحدات روحية وأن المعيار الوحيد والأساسي لوجود الأمة هو مشيئة العيش المشترك بين الناس. فالقومية عنده تعتبر صفة عامة روحية في جوهرها وحالة عقلية تحدد القوميات، فهي الشيء الضروري الوحيد لوجود الأمة. فهذا المبدأ الروحي عند هذه المدرسة يقوم على ماضي بطولي وتجارب مشتركة تؤدي إلى تكوين إرادة مشتركة عامة. صحيح عند أصحاب هذه المدرسة بأن الشعور القومي قد ينشأ نتيجة لوحدة العنصر (الدم) والسلالة وتسهم فيه وحدة اللغة والدين إلى حد كبير وكذلك الحدود الجغرافية (الأرض) ولكن لا يعتبر أيا من هذه العوامل ضرورية أو كافية لوحدة وتكوين الأمة، فالعامل الحاسم هو وجود الشعور القومي مهما كان ضعيفاً، حسب هذه المدرسة.

هاتان المدرستان في عوامل تكوين القوميات هما الأهم والتي سادة وبشكل واسع في الفكر السياسي الكلاسيكي وقد ذكرناها من دون الرجوع إلى المراجع الخاصة بها وذلك سعياً للإختصار وعدم الإسهاب خاصة وهي مدارس تقليدية مضى عليها زمنا طويلاً لم يعد لها آثر فعال كما كانت في مرحلة نشؤء الفكر القومي في القرنين الماضيين. وهناك أيضا مدراس أخرى في هذا الموضوع والتي تعتمد على عوامل أخرى في تكوين القوميات منها المدرسة الشيوعية ورائدها جوزيف ستالين الذي أعتبر الإقتصاد العامل الأكثر أهمية في تكوين الأمم إضافة إلى مدارس فكرية أخرى تعتمد على الأرض والدين في هذه المسألة.

أوليات المقومات القومية في ضوء المصلحة العامة:
=============================
كل النظريات العلمية خاصة في العلوم الإنسانية أو الإجتماعية جاءت ضمن الظروف السياسية والإجتماعية والثقافية والتاريخية الخاصة لكل مجتمع من المجتمعات البشرية وبالتالي فإن تطبيقاتها العملية قد تتحقق لمجتمع معين وقد لا تنطبق على مجتمع آخر. ولكن من جهة أخرى لكون هذه النظريات نتاج الجهد والفكر الإنساني للبشر فإن في حدودها العامة وفي مناهج بحثها وفلسفتها العامة قد تنطبق في جوانب معينة منها على جميع أبناء البشر خاصة عندما تأول وتكيف مع الظروف الخاصة لكل مجتمع، أي فهمها ضمن ظرفها الزماني والمكاني. فنظريات المدرسة الألمانية لم تأتي إلا خدمة لمصالح الأمة الألمانية حيث  جاءت في خضم النزاع الفكري والثقافي وحتى العسكري الذي قام بين ألمانيا وفرنسا على إقليم الألزاس واللورين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالأقليم كان تابع لفرنسا ولكن معظم سكانه كان يتكلم اللغة الألمانية، فأعتمد ألمانيا على عنصر اللغة كأساس حاسم ومهم في طلبها لإسترجاع الإقليم وضمه إليها بإعتبار شعب هذا الإقليم جزء من الأمة الألمانية طالما يتكلم اللغة الألمانية. وعلى الطرف الآخر من الصراع أنبرت فرنسا لهذه الفكرة في إعتماد اللغة كأساس لقومية شعب الأقليم فتمسكت بمشية وإرادة شعب الإقليم في إنضمامه إلى فرنسا وليس إلى ألمانيا ومن خلال إستفتاء عام عبر الشعب عن هذه المشيئة لذلك أعتبرتها فرنساً مقوم أساسي في تقرير قومية شعب هذا الإقليم.

أما بالنسبة للعرب وفيلسوفها المعروف أبو خلدون فأنها أعتمدت كلياً على اللغة كمقوم أساسي وجوهري في تحديد وتعريف القومية العربية. ويأتي هذا التمسك باللغة وبأهميتها تمشياً مع الظروف السياسية والإجتماعية التي كانت سائدة في البلاد العربية، حيث أن هذا البلاد مقسم إلى دول مستقلة بحد ذاتها ولم يرى مفكر العرب إلا في اللغة كأساس جامع لشعوب هذه الدول والتي من المفروض أن تتوحد على أساس وحدة اللغة ووحدة الأمة في دولة واحدة. وهو الفكر الذي يتبناه معظم الأحزاب العربية القومية ومنها حزب البعث العربي الإشتراكي. على العموم يمكن التأكيد مرة أخرى في القول بأن الصالح والطالح في أية نظرية بهذا الخصوص يتقرر بمدى منفعتها لهذه القومية أو تلك. ففي عصرنا الحالي هناك قوميات ودول لا تعتمد على اللغة في تقرير وجودها بل على مقومات أخرى كالأرض والأماني أو المصالح المشتركة أو التاريخ، فالأرجنيتي يثور غضباً عندما ينعت بالقومية الإسبانية رغم أنه يتكلم اللغة الإسبانية لأن الأرض والتاريخ الجامع والمصالح المشتركة لكل قاطني أرض الأرجنتين جعلت منهم قومية واحد حسب فهمهم للقومية وتأطرت بإطارها السياسي والقانوني لدولة الأرجنتين. والحال لا يختلف مع غير الأرجنتين. على العموم فإن التطور السياسي وحتى العسكري المقرون بالتطور الفكري جعل الأمر يختلط بين القومية والدولة فوصل أمر الإختلاط والإرتباك حتى إلى منظمة الأمم المتحدة (United Nations) في الوقت الذي نعرفه بأن أعضاءها هم دول وليست أمم أو قوميات. لهذا السبب جعل المقارنة بينهما صعب التميز بين الأثنين لأن في الواقع الفعلي هناك عدد من القوميات يمتلكون لغة قومية خاصة بهم ويشكلون دولة واحدة، وسويسرا مثال تقليدي على ذلك. والعكس صحيح أيضا هناك قومية واحدة مع لغة قومية مشتركة ولكن لا يشكلون دولة واحدة، كما هو الحال مع الدول العربية.

أين لغتنا وقوميتنا من هذه النظريات؟
====================
مع كل طلاب العلوم السياسية وأساتذتها المختصون في الفكر القومي السياسي، نتفق في القول بأن اللغة تشكل ركن أساسي ومقوم مهم جداً في تكوين القومية ولكن من جهة أخرى ليست اللغة وحدها فقط عامل في تكون الأمم بل إلى جانبها مقومات أخرى كالتاريخ والأرض والأماني المشتركة والعادات والتقاليد الموروثة من الأباء والأجداد، كما سبق الإشارة إليها. فمن الطبيعي إن فقدان أو إنقراض أي من هذه العوامل سوف يزعزع وجود القومية وقد يعرضها إلى الإنقراض فيما إذا أنقرض أكثرية هذه العوامل وخاصة المقوم الأساسي، أي اللغة يبدأ إنقراض الأمة وزوالها من الواقع. كما أن ضعفها أو تناسيها أو إهمالها وعدم ممارستها يضعف وضع الأمة ويضعها على طريق الزوال. فواقعنا الحالي المأساوي  يكشف ضعف تداول لغتنا القومية بين أبناءها خاصة الأجيال المعاصر وتحديدا في بلدان المهجر حيث الأكثرية من أبناء شعبنا يعيش في هذه البدان التي تكون لغة الأكثرية هي السائدة والمستخدمة في الحياة العامة خاصة في التعليم وفي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي وحتى بين أفراد العائلة، مما يضع أمتنا على حافة الهاوية. كما وأن معظم محاولات تدريس لغتنا القومية لم تعطي إلا نتائج محدودة وسوف يتحكم في مصيرها تقادم الزمن وتطور المجتمع نحو العولمة. وحتى المحاولات الجادة في هذا السياق، كما هو الحال في المدارس السريانية في الوطن والمدارس الآشورية في أستراليا والتي يمكن تقيمها في عصرنا الحالي وبشكل إيجابي ومثمر إلا أنه من الصعب جداً أن نعطي لها تقييم خلال العقود القادمة غير القول بأنه إذا أفترضنا بأن لغتنا القومية سوف تنقرض أو تزول من ألسنة أبناءها خلال عقدين أو أكثر فإن هذه المدارس ستمد وتشحن لغتنا بأكسير الحياة لتدوم وتستمر لأكثر من عقدين وقد تدوم لنصف قرن أو أكثر ولكن لا ضمان ولا روية إيجابية من خلال واقعنا المأساوي من أختفاءها من ألسنة أبناء شعبنا في المستقبل البعيد وإنحسار وجودها في كتب متراصفة على رفوف المكتبات العالمية المختصة، أي بهذا المعنى بأن دور هذه المدارس سيكون في أطالة أمد حياة لغتنا القومية ولا نستطيع التخمين بمصير لغتنا القومية بعد نصف قرن أو أكثر.

ولو نظرنا بحيادية وموضوعية إلى هذا الوضع التشاؤمي للغتنا القومية والمصير المجهول والغامض نصل إلى حقيقة تنطق بواقع يقول بأنه لا يمكن لاي لغة من لغات الأقليات القومية أن تستمر وتدوم نحو آجال أبعد مالم تكون مأطرة ومصانة بإطار سياسي وقانوني، كما سبق والإشارة اليه. فالدولة أو أي كيان سياسي قانوني، لنقل حكم ذاتي، هي الحارس الضامن لللغة القومية. أي بعبارة أخرى، مالم تكون هذه اللغة مسنودة سياسياً ومقننة رسمياً لا حياة لها في المستقبل، وهناك أمثلة كثير في هذا السياق ولعل أشهرها دولة إسرائيل فشعبها كان يتكلم بلغات عديدة في المهجر ولم تترسخ لغتهم العبرية ولم تخرج من إطارها الديني إلى القومي إلا بعد قيام دولة إسرائيل، ولعل من المفيد أن نقارن، وليس التشبيه، حال لغتنا بهذا المثال الإستثنائي. فإذا كان هذا الحال ينطبق على مصير لغتنا القومية في الوطن، فإن الأمر في بلدان المهجر أسوء بكثير لأن كل الأجواء الديموقراطية المتوفرة التي تتيح للأقليات تطوير لغتها القومية والحفاظ عليها فإنها لا تستطيع الصمود ومقاومة غزو لغة الأكثرية والقضاء على لغة الأقلية، فنتيجة صراع اللغات هي التي تقرر مصير اللغات المتصارعة، ولا نتردد في القول بأن نتيجة صراع لغتنا القومية في بلدان المهجر مع لغة الأكثرية مصيرها محتوم.

ضمن هذا الواقع المأسوي الذي يهدد وجودنا القومي بسبب ضعف اللغة وتعرضها للإنقراض، نقول بأن اللغة كأحدى مقومات وجود الأمة هي مقوم أساسي ورئيسي وليس الوحيد، فهناك مقومات أخرى لوجودة الأمة ذكرناها في أعلاه. من هذا المنطق، فإذا كان الحفاظ على لغتنا القومية صعب وبالتالي مهددة بالضعف وربما الزوال النهائي في الآماد القادمة فأنه يستوجب ويفرض واجبنا القومي على ضرورة الحفاظ على بقية مقومات أمتنا من التاريخ والعادات والتقاليد وممارستها وإحياءها بشكل متواصل ونشرها بين أبناء أمتنا وترسيخ مضامينها القومية والتراثية لها، خاصة عندما تقترن بممارسات جماعية تاريخية وتراثية كإحتفالات الأول من نيسان ويوم الشهيد الآشوري وغيرهما كثر. هذا الأمر، أي فقدان عنصر من بين عدة عناصر مكونة لظاهرة معينة، ومنها مقومات وجود أمتنا،  يشبه كثيرا حالة الشخص الذي فقد أحد حواسه في جسمه، لنقل حاسة النظر، التي هي أكثر الحواس أهمية في حياة الإنسان، فأن بقية الحواس كالسمع والشم واللمس تزداد كثيرا وتصبح عناصر مهمة له تعوضه عن فقدان البصر ويعيش تقريبا حياة طبيعية، ولا ننسى بأن الكثير من المبدعين كانوا فاقدي البصر. من هذا المنطلق نقول بأن ضعف أو فقدان لغتنا القومية من الضروري أن ينعكس هذا الفقدان في تقوية المقومات الأخرى لأمتنا مثل التاريخ والتراث والعادات والتقاليد، وأمر ممارسة هذه المقومات أسهل بكثير من تدريس اللغة لأنه يمكن ممارستها بحرية سواء في الوطن أم المهجر بدون أن يكون لها إطار سياسي وقانوني لها ولا يتطلبها مستلزمات كثيرة ومعقدة كما يتطلبها تدريس اللغة. فبممارسة هذه المقومات وبشكل مستمر وإيجابي سيتعزز ويترسخ الوعي القومي لأمتنا بوجودها وبضرورة أستمرارها نحو المستقبل، وهو أقل القليل من التركة الذي نتركه كميراث للأجيال القادمة والتي من المحتمل، وإن كان بعيدا، أن تكون ظروفهم أحسن من ظروفنا الحالية فلعل تكون قادرة على السير خطوة نحو الأمام للحفاظ على مقومات وجودنا القومي بما فيها اللغة.

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی