بقلم الكاتب اللبناني

 عصام محمد جميل مروّة

ما شاهدناه مؤخراً في النصف الاخير من شهر تشرين الاول كان بمثابة اعلان صرخة مدوية على معظم الجمهورية اللبنانية المتألمة في كافة تركيبتها العتيقة والمبتدعة والمحفوظة والمحمية من ابشع وسم أبدى مستحيل تجاوزهِ “الطائفية السياسية”، طبعنا هنا لا بد للمراقب وللمتابع للحراك المدنى المذهل المتواصل خلال أسبوعين في لياليه وأيامه دون إنقطاع الى درجة تلاحق المتابعة من قبل وسائل وتغطية الأعلام كان شبه مشقة صعبة تحتاج الى قرار التنقل من شارع الى اخر ومن مدينة او قرية الى تاليه كانت لها نتائجها المدوية في الصرخة

والإصرار المتشابه لكل مكونات الجمهور اللبناني الذي خرج ولأول مرة رافعاً شعارات ضد الطغمة السياسية الحاكمة أينما كان سواء داخل الحصن الحصين للمقاومة على ارض جنوب لبنان او في خزان المقاومة مناطق البقاع وبعلبك وتوابعها،ام في ميادين وساحات بيروت بين ناطحات السحاب والأبنية المشيدة من رأس مال مشبوه وملوث من جنيه عنوةً وإختلاساً من امام افواه الفقراء. او في مناطق تسيطر عليها ثكنات ووحدات الجيش اللبناني الفئوى الذي تشكل من اجل حماية الجمهورية العفنة التي لا تستمر في مسيرتها الظلالية الا من خلال التشريع لنفسها في إستخدام الجيش الوطني فقط في صونها كحد اول لكى تستمر .بين قاب قوسين مع كل احترام للدور الذي قامت بهِ ولم تزل الوحدات للجيش في حماية المتظاهرين درءاً ومنعاً للتلاحم المذهبي والطائفي مع وعند صراخ عالى مسموع ضد اقطاب الطبقة السياسية الحاكمة وتحميلها المسؤولية كاملة عن الفساد والتجويع والتفقير للشعب اللبناني.

لكن الذي حصل لا بد ان نشير هنا ان الإستقالة للحكومة أتت بعد اصرار الجماهير المنتفضة في وجه النظام السياسي العام المنغمس الى أخمص قدميه في التقاسم للوظائف الرئيسية ، وإلا لماذا كان السقوط للحكومة التي تتناصب العداء داخلها قبل التوافق . كل القوى السياسية المستمدة والمسيطرة على مناطقها وإيهام الناس الذين أوصلوهم الى تعيناتهم تلك كانت بمثابة تمثيل مرضى ومتفق عليه سلفاً .

لكن الموضوع في تشعباته العنيفة قبل الصرخة الجماهيرية تلك كانت كذلك هناك رؤيه متوازية شبه متفق عليها من ارباب وزعماء ورؤساء الطوائف كافة في لبنان تحت مسميات العيش المشترك او الافضل نعتهِ “الغش المشترك” لأن الصرخة وصلت اليهم وهم جميعا في جوامعهم وفي حسينياتهم وفي خلواتهم وفي كنائسهم وفي معابدهم وفي صوامعهم ،بعد شعورهم بالحريق الذي سوف يُمحى آثارهم وتغطيتهم دون احترام حقوق الشعب اللبناني المسلوب منذ قرون .

بدأت الجمهورية اللبنانية توزيع المناصب إبتداءاً من الرئيس حسب الطائفة المارونية المنتمي اليها و حُدِدّت لَهُ الصلاحيات في اتخاذ القرارات في سن المشاريع حسب الدستور الذي لم يتم النظر اليه في ان يكون الشعب اللبناني حراً وسيدا ومستقلاً وإلا لماذا لم يتجرأ الكثيرون عن إلغاء منح صفة الرئيس للطائفة المارونية ،هنا يجب ان نعود الى بداية مطلع القرن الماضي بعد بدعة نشوء لبنان الكبير من قبل فرنسا على أسس طائفية لا غير ،مع مرور الزمن تم التوافق لاحقاً على توزيع المناصب . الى ان وصلنا الى ما نحنُ عليه اليوم من قوة وظلم الطوائف جميعًا في الوقوف ضد التحرر من العباءات المختفية خلفها فزاعات يُلوحُ بها سادة الطوائف عندما ترتج وتشعرُ بانها المستهدفة .فعلاً هنا يجب ان يكون المثل واضخاً امام اعيننا ولا يحتاج الى اداة وادلة عندما قطع البطريرك الماروني بشارة الراعي زيارته الرعوية الى دول غرب افريقيا تحديداً من داكار عاصمة السنغال حيث شعر بإهتزاز للكرسي الطائفي مما اطرهُ العودة الى بكركي وترأس اجتماعاً ضم كافة المراجع المسيحية وأتخذوا قراراً عبروا عن عدم رضاهم في زج الكنيسة في الصراعات السياسية وتجنيب الحديث عن صورة ونمط التغيير للطائفية السياسية المعتمدة لديهم لأنهم سوف يُجردوا من فرادة وخصوصية وجودهم ووجود لبنان على حسب ما رأيناه منذ مطلع وولادة الجمهورية اللبنانية “المتفينقة”.

كذلك يجب الإيحاء الى الفعل الشنيع الذي نتج عن الإنقسام في الشارع بعد إلقاء السيد حسن نصرالله خطة ونظرةً عن عدم السماح للناس في التظاهر وتحميل المسؤولية دائماً الى اصحاب الطوابير الخامسة والمؤامرة لكي تصبح قرارت الحراك شبه “غير مجدي ” او فعال حسب طريقة التعامل على الارض مما جعل غليان طائفي بغيض مسيس ،الكل يحسب حساباته على قدر ما تملكهُ مذهبيته وطائفته حسب التركيبة للجمهورية المتهالكة دون النظر الى مطالب الناس في شوارع وطرقات وأزقة لبنان من الشمال الى الجنوب ومن العاصمة بإتجاه المرتفعات وصولًا الى الحدود الشرقية . كذلك تم رفض الإسقاط للنظام الطاائفي من قبل دار الإفتاء التابعة للسُنة في لبنان.وكان تصريح المفتى الشيخ عبد اللطيف دريان في صرخةً للتريث قبل المجازفة في خوض النقاش حول قرارات إلغاء الطائفية لأنها تأخذنا الى تحجيم دورنا.

كما تم تسجيل مواقف لا تقل خوفاً من قبل شيخ عقل الطائفة الدرزية نعيم حسن في وصف الأزمة للحراك اشبهٌ بالفوضى العمياء.

نعم ان الطائفية في لبنان قميص خطير يلبسهُ اي انسان خاصة ان “ثمانية عشر نصلاً وحداً ” سوف يُشهر مرفوع فوق رقاب البشر اذا ما تمادوا في المطالبة بالعيش او رفضهم طغم الحكام للوطن المثخن بالفساد والتجويع والترهيب والترغيب.

ان المبررات للوجود الطوائفي العفن هو الذي وقف في وجه السيل الجارف للحراك المدنى البريئ والعفوى الذي انطلق نتيجة تغافل وتجاهل الفعاليات للقوة الموجودة لدى الجيل الحديث والجديد والمتعلم الذي يُواجه دائماً بجدار الحساب المذهبي والطائفي بالرغم من تفوقهِ في دراستهِ التي تخوله ان يشق دربه وطريقه نحو بناء المستقبل.

تأكيداً عن ما ورد في النص راقبوا اليوم وغداً الحصيلة والمهزلة الواقعية للقوة الطائفية كيف تجند جمهورها نحو المحاصصة والمحسوبيات في مظاهرات ومهرجانات التخوين والرسائل على المنابر دون إستثناء الجميع ، سارقون وسالبون حرية المواطن الحر بقوة وجود الذرائع داخل الطائفية السياسية البغيضة.

عصام محمد جميل مروّة..

اوسلو في/٣/تشرين الثاني/٢٠١٩/..