صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » الدستور العراقي والديموقراطية والدُب والقبقاب = أبرم شبيرا

أبرم شبيرا

الدب والقبقاب:
———

الدبُ والقبقاب مثل عند الآشوريين يضرب للحالات المتناقضة التي لا يمكن أن تتفق أو تتطابق، كما هو الحال مع إرتداء الدبُ للقبقاب الذي يجعل أمر  مشي أو ركض الدب مستحيلاً.  ولا أدري فيما إذا أستخدم غير الآشوريين هذا المثل لتفسير الحالات المتناقضة وصعبة الإتفاق والتطابق.

المضمون اللغوي للدستور:
—————

عندما تفتقر لغة قومية معينة مصطلح من المصطلحات، السياسية أو القانونية، وهو الأمر الذي يعنينا في هذه السطور، أو لا تمارس مضمونه فهذا يعني بأن هذه القومية ليس لها ممارسات على أرض الواقع لمضمون هذا المصطلح. فلو أخذنا نحن الآشوريين نرى بأن مصطلحات مثل (لويا) والذي يعني (رفيق في حزب) أو (لومادا) والذي يعني (مؤتمر) أو (أويوتا) ويعني (تحالف حزبي) وغيرها كثر، هي مصطلحات جديدة لم تكن موجودة أو بالأحرى لم تكن متداولة أو معروفة للناس سابقاً بل جاءت كنتيجة أو تولدت من جراء الممارسات السياسية والحزبية فشاع إستخدامها بين الناس خاصة الحزبيين منهم. ففي اللغة العربية لا نجد مصطلح “الدستور”، لأنه فعلاً لم يكن لمضمونه ممارسات على أرض الواقع، فهو في الأصل كلمة معربة من اللغة الفارسية ومركبة من “دست” والتي تنعي القاعدة أو الأساس و “ور” ويعني صاحب، لتعطي معنى صاحب القاعدة أو مرجع الأساس، وهي كلمة فعلا تعكس مضمونها المعروف في الدستور نفسه. وقد حاولت المجاميع العلمية واللغوية العربية إيجاد كلمة بدلا من الدستور المعربة من الفارسية فلم تجد كلمة واحدة لتعطي نفس المعنى فلجأت إلى كلمة مركبة مثل “القانون الأساسي” أو “القانون الأعلى”. وهذا يعكس عن عجز اللغة العربية عن مواصلة ركب التطور الحضاري وإيجاد مصطلحات تعكس مضامينها. ولو حاولنا مقارنة اللغة العربية باللغة الإنكليزية نرى بأن هذه الأخيرة لها حيوية مفعمة بالتطور ومواكبة العصر في إيجاد مصطلحات لممارسات واقعية وأحداث جديدة ومستجدة، وأخرها كان ظهور كلمة (البريكست – Brexit) والتي خلقت من دمج الكلمتيين (British Exit) أي خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وبهذا أصبح هذا المصطلح (البريكست)  يستخدم في اللغة الإنكليزية لخروج أي عضو من منظمة منتمي إليها، فدخل هذا المصطلح قاموس اللغة الإنكليزية. والحال هكذا بالنسبة للدستور(Constitution) في اللغة الإنكليزية والمتأتي من فعل (Constitute) والذي  هو فعل يُعين أو ينصب أو ينشئ مؤسسة أو يسن او يشكل، وعلى هذا الأساس جاء مصطلح (Constitution )، أي الدستور.

دساتير بلدان العالم الثالث:
—————–

بمراجعة سريعة لدساتير معظم دول الشرق الأوسط وخاصة الشمولية منها، يكشف المرء بأنها دساتير مثالية نوعا ما تضم مواد وفصول للحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والانتخابات وبطرق سلمية وديموقراطية. لكنها في واقع الحال ومن حيث الممارسة هي بعيدة جدا عن هذه المفاهيم. فالعناوين هي ذاتها لكن التفاصيل متعارضة جدا وأمر تطبيقها على أرض الواقع متناقض تماماً معها. ولعلنا نتذكر الدستور العراقي المؤقت أو مشروع الدستور الدائم الذي تمت مناقشته أشهر طويلة بعد طرد النظام البعثي من الكويت، والذي احتوى في حينها على مواد أساسية تتعلق بحرية التعبير والمظاهرات والانتخابات وتداول السلطة وتشكيل الأحزاب والجمعيات، وهكذا الحال مع الدستور السوري والمصري واليمني وغيرها، حيث تركز جميعها على النظام الديمقراطي وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان وتداول السلطة بطرق سليمة وديموقراطية وضمان حقوق جميع المواطنين من دون أية تفرقة بين أبناء الشعب الواحد. ولكن من جهة أخرى نرى بأن هذه الدول هي من أقسى دول العالم في تعاملها مع مواطنيها، بل ارتكبت بعضها أبشع أنواع الجرائم بحقهم، ولم تمنعها تلك الدساتير من اقتراف كوارث مروعة بحق شعوبها، فواقع الحال في العراق يشهد على ذلك رغم تسطير الكلمات مثل الديموقراطية والحريات في الدستور.
الديموقراطية بين الفكر والممارسة
——————–

طبعاً عندما نذكر الديموقراطية ليس بمفهومها الفلسفي والسياسي كما هو في الفكر السياسي أو المطبق في بريطانيا وبعض الدول الغربية وإنما أذكرها كمثال ليس من باب المقارنة والتشبيه بمفهوم الديموقراطية في بلدان الشرق الأوسط ومنها العراق، فهذا حرام، فشتان بين الأثنين، وإنما أعرضها لكي نفهم المعنى الحقيقي للديموقراطية وكيفية ممارستها ونحن نتغنى بها ليل نهار. ففي العراق وحتى في معظم الدول العربية، فالحكام الحاليين لم يرثوا من الماضي أية نوع من الديموقراطية أو أفكار وممارسات متعلقة بها، بل كل ما ورثوه هو الإستبداد والظلم والتعالي على الآخرين، وهي الأساليب التي ترسخت في عقولهم وأنعكست على ممارساتهم السياسية على أرض الواقع، ولا أجني على التاريخ عندما أقول بأنهم ورثوا الإستبداد السياسي والفكري من الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وتحديدا الدولة العثمانية التي لم تكتفي بظلمها ومحاولة إفناء المسيحيين فحسب بل تطاولت في غيها حتى على مسلميها من الشيعة. فالقصد بالديموقراطية هنا ليس حكم الأكثرية فحسب، بل هي نظام إجتماعي في المقام الأول ينظر إلى الآخرين بنظرة قبول المختلف وضمان حقوقه. ومثل هذه الديموقراطية ليست  وليدة اللحظة وتسطيرها على الأوراق والقوانين وكتابة الدستور بل هي نتاج تطور حضاري وفكري وعبر قرون طويلة وتواصل تدريجي تاريخي لمراحل تطور المجتمع نفسه، وهي المراحل التي لم تمر بها بلدان الشرق الأوسط وتحديداً العراق منها. فالظروف الموضوعية وحتى بعض المفاهيم الدينية لهذه البلدان خلقت عقلية مختلفة كلياً عن مفهوم الديموقراطية التي تُعرف وتمارس في هذا العصر، وتحديداً الظروف الجغرافية وطبيعة الإنتاج الزراعي والرعوي ثم الريعي لهذه البلدان، خاصة بعد إكتشاف النفط الذي يعتبر ملك الحكام سواء بشكل مباشر إو غير مباشر وعن طريق مؤسسات حكومية يهمنون عليها والتي لا يمكن التنازل عنها لأنها ممتلكات خاصة بهم. وهي الظروف التي درسها كارل ماركس في القرن التاسع عشر عندما طرح مفهوم الإستبداد الشرقي لفهم التطورات الحاصلة في هذه المجتمعات وطبيعة نظام الحكم فيها مؤكداً بأنه بسبب كون الثروة الوطنية للبلد ملكاً خاصاً للحكام فإن أمر التنازل عن السلطة لا يعني إلا تنازلا عن ملكهم الخاص، أي الثروة الوطنية. ثم جاء بعض المفكرين العرب لتلطيف هذا المفهوم وتأويله ثم تأطيره بمفهوم “الحاكم العادل المستبد” الذي يسود في بعض الأنظمة العربية والإسلامية، خاصة الأنظمة الملكية، والذي يبدو هو النظام الأصلح والأنفع للدول العربية وبعض الدول الإسلامية.
في دراسة نشرتها مجلة (الإكونومست – The Economist) بعددها الصادر في شهر حزيران 1997 تحت عنوان (الحكم العربي الأوتوقراطي (الفردي) إلى الأبد – Arab Autocracy For Ever) تطرقت إلى أنظمة الحكم في البلدان العربية التي تدعي بالديموقراطية حيث ذكرت بأن معدل بقاء الحاكم في الحكم هو 22 سنة ولا يوجود حاكم عربي سابق على قيد الحياة، (طبعاً بإستثناء لبنان، واخيرا بعد ما يسمى بـ “الربيع العربي” ظهرت أستثناءات في مصر وتونس). فالتاريخ السياسي للدول العربية، بإستثناء دول ذات النظم الملكية، لم يسجل موت حاكم عربي موتاً طبيعياً وهو في السلطة غير أنه قتل في إنقلاب عسكري أو نفي خارج البلد. وتُرجع الدراسة أسباب هذا الحكم الفردي غير الديموقراطي إلى عدة أسباب منها إفتقار هذه الدول إلى المؤسسات الديموقراطية الحقيقية، شكلاً وممارسة، وإلى إعتماد الدين الإسلامي مصدراً للتشريع والممارسات السياسية والذي يعتبر المصدر الحقيقي لشرعية الحكومة والنظام السياسي وقوانينه والذي لا يقبل النقاش والجدل. فالأنتخابات الشكلية التي تجري في هذه البلدان ما هي إلا غطاء للحكم الفردي والدكتاتوري في هذه البلدان. لقد دلت التجارب السابقة بأنه إذا رشح رئيس الدولة أو رئيس الوزراء نفسه للإنتخابات فالفوز له محتوما وبنسبة تزيد عن 95%، فإذا لم يكن الفوز له فمن المؤكد سيكون للحزب الحاكم الذي ينتمي إليه، وحتى إذا لم تكن الأصوات المقترعة لصالحه فأنه سيلجـأ إلى شتى الوسائل للوصول إلى كرسي الحكم. وهناك تجارب سابقة في هذا السياق. وتفسير معمر القذافي للديموقراطية في قوله بأنها مصطلح عربي يتكون من مقطعين (ديمو) و (كراسي) أي إستمرار جلوس الحاكم على كرسي الحكم مدى الحياة، وهو نموذج واضح لديموقراطية العرب وبعض الدول اإلإسلامية. وقد يأتي تعديل بعض فقرات دستور الدولة لضمان بقاء الحاكم في السلطة نموذج لديمومة كراسي الحكم، كما كان الحال مع تعديل دستور سوريا وباسل الأسد وتعديل دستور مصر وعبد الفتاح السيسي وتعديل دستور تركيا مع أردوكان.

هذا النوع من الحكم مستمد من الحقائق والوقائع للدول التي تدعي بالديموقراطية ودساتيرها لا تخلو من الإشارة إلى كون حكمها ديموقراطي ولكن في الحقيقة والواقع والممارسة هي أنظمة إستبدادية وبعيدة كل البعد عنها، والنظام السياسي في العراق مثال حي وصارخ على هذا التناقض لأن المحاصصة الطائفية ومفهوم “الديموقراطية التوافقية” وغياب المعارضة البناءة الفاعلة والإستبداد الفكري تجاه المختلف والتجني على حقوق الأقليات كلها عناصر متناقضة تماماً مع مفهوم الديموقراطية. ففي العراق برلمان قائم على أسس طائفية واضحة وتحصيص المناصب العليا كرئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ورئيس البرلمان مخصصة طائفياً والحال أيضا مع المناصب الوزارية وحتى العسكرية لا بل وحتى الأحزاب السياسية والميليشيات  كلها تقوم على أسس طائفية لم تخصص أو تعين وفق الدستور بل وفق السياقات السياسية التي لها العلوية السياسية وفوق الدستور والقوانين وبعيدة عن العدالة الإجتماعية. إذن ضمن هذا النظام الطائفي المحجوز مراكزه المهمة لبعض الطوائف المهيمنة ما الذي تستطيع، على سبيل المثال الأقليات المسيحية ومنها شعبنا “الكلداني السرياني الآشوري”، أن تفعل وتحقق ولو جزء ضئيل من طموحاتها رغم وجود كوتا مخصصة لهم والذي هو الآخر مخترق ومسلوب من قبل الكبار. فإذا كانت الغالبية العظمى، أكرر الغالبية العظمى وليس الجميع، في البرلمان لا يؤمنون ولا يعملون وفق الأسس الديموقراطية وينفون فعلياً وواقعياً الآخر المختلف فما الذي ننتظره من “ممثلي” شعبنا في البرلمان والمجالس الحكومية والمحلية أن يعملوا في هذه الأجواء المظلمة. يقال بأن الواعي بالأمور يكون محصناً من المفاجاة والحالات الطارئة فيكون متيقضاً تجاها للرد المناسب عليها. ولكن لا أدري هل أن “ممثلي” أمتنا في البرلمان غير واعين بالفكر الإستبدادي الذي يتعشش في عقول معظم أعضاء البرلمان ورجال الحكم في العراق، فنراهم يتفاجئون “ممثلي” شعبنا عندما تصدر السلطات تشريع مجحف بحق شعبنا أو تواجه طلباتهم بالرفض أو الإنكار من قبل هؤلاء؟؟؟
دستور جمهورية العراق لعام 2005
———————–

يذكر الدستور العراقي الدائم، الذي صوت عليه من قبل البرلمان العراقي في 15 تشرين الثاني  من  عام 2005 في الباب الأول (المبادئ الأساسية) على مايلي:
المادة (2):
اولاً ـ الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع:
أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور
ثانياً ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما و يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والآيزديين والصابئة والمندائيين.
ثم المادة (14) والتي تقول:
“العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الإقتصادي أو الإجتماعي”.
هنا في هذه الفقرات فقط، وغيرها كثر، هي بالضبط كالدب والقبقاب. لأن أبسط مطلع محايد وموضوعي وعلمي في القانون الدستوري سيجد التناقض الصارخ بين هذه المواد والفقرات. لا أدري رغم ضحالة معرفتي بالقانون الدستوري كيف سيتساوى جميع أبناء الشعب العراقي، وهم على ديانات متعددة ومختلفة، إذا كان الإسلام دين الدولة الرسمي ولايمكن سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام في الوقت الذي نعرف بأن “ثوابت أحكام الإسلام” مفهوم مطاطي واسع خاضع لتفاسير رجال الدين الإسلامي في كبح أي قانون أو تشريع يخص غير المسلمين بحجة بأنه يتعارض مع أحكام الإسلام؟. وهناك ملاحظة تسترعي الإنتباه إليها تتمثل في علم دولة العراق الحالي. فمن المعروف بأن نظام البعث وضع على العلم العراقي ثلاثة نجوم تمثل أهدافه الثلاث في “الوحدة والحرية والإشتراكية” ثم أثناء إحتلال الكويت وحرب الخليج الأولى وضع بين النجوم دعاء “الله أكبر”. وبعد سقوط النظام في عام 2003 وما لحقه من تطورات والبحث عن هوية جديد للنظام العراقي ورموزها، دارت نقاشات حادة بين القوى الفاعلة على الساحة السياسية عن إيجاد علم عراقي جديد يعكس الهوية الجديدة للنظام فلم يوفقوا أو يتفقوا على نوع وشكل العلم الجديد غير الإبقاء على العلم كما هو مع حذف النجوم الثلاث وأبقاء دعاء “الله أكبر” كرمز لإسلامية الدولة العراقية رغم أنهم كانوا يعرفون باليقين بأن صدام حسين كتبها على العلم العراقي رياءاً ونفاقاً داعياً إلى كونه دولة مسلمة تحارب الكفار والصليبيين، كما كانت تفعل الدولة الإسلامية أثناء الفتوحات ومحاربة أعدائها.

أن الخلط بين الدولة الحديثة والديموقراطية مع الدين أمر يستحيل التوافق والتطابق لأن مفهوم الدولة الحديثة يختلف كلياً عن الدين، فهما عالمان مختلفان: موضوعي واقعي سياسي و روحي إخلاقي إيماني. أن أكبر أنجاز تاريخي حققه الجماعات الإسلامية ومن ثم الأخوان المسلمين هو  تأثيرهم على صناع القرار السياسي ونجاحهم في تثبيت مفهوم “الإسلام دين ودولة”، في معظم دساتير الدول العربية التي تأسست منذ بداية القرن الماضي. والمفاهيم مثل “الإسلام دين الدولة الرسمي” و “الإسلام مصدر التشريع” وعدم جواز سن قوانين تتعارض مع أحكام الإسلام وغيرها هي نتائج مفهوم “الإسىلام دين ودولة”. فعلى الرغم من أن هناك إختلاف وتعارض بين الفقهاء المسلمين في تفسير مفهوم “الإسلام دين ودولة” إلا أن الغلبة دئماً هي للذين يؤيدون ويبررون بالقرآن والسنة بأن الإسلام هو دين ودولة ولا يمكن الفصل بينها، وهذا ما نجده في معظم دساتير الدول العربية عندما يؤكدون على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وهوم مصدر كل التشريعات، ومنها طبعاً معظم دساتير العراق منذ تأسيسه كدولة وحتى اليوم.

ولو حاولنا طبقا لمناهج علم الإجتماع السياسي عقد مقارنة بين الدولة والدين نرى بأن الدولة هي كيان من صنع البشر أبتدعته المجتمعات الإنسانية لغرض تظيم أمور الناس وضبط نزاعاتهم وتحقيق مصالحهم وتمثيلهم، أي وظيفتها إجتماعية سياسية في ضمان الأمن وتوفير العيش اللائق وتحقيق المصلحة العامة وإشباع حاجات الناس المادية وحماية المجتمع وكيان الدولة. وطبقاً للفكر السياسي بأن الدولة هي موضوع إتفاق بين أفراد المجتمع يقوم على قاعدة التنازل المتبادل بينهم لتحقيق المصلحة العامة المشتركة، وهي القاعدة التي تقول بأن الدولة هي “عقد إجتماعي”. أما الدين فهو مطلق وليس موضوع إتفاق وتراضي وتنازلات بين الناس بل هو من اليقينيات والمبادئ الإيمانية السماوية يسعى إلى خدمة مبدأ سامي ديني وإخلاقي يقوم على علاقة روحية إيمانية بين الإنسان وخالقه، وهي المسائل التي ليس للدولة دخلاً أو علاقة بها إلا بقدر مسؤوليتها في حماية حق الناس في ممارسة دينهم والتي هي حصراً من حقوق الفرد في الدولة الديموقراطية، في حين أن الدولة تقوم على علاقة بين الفرد والحاكم، بين الحاكم والمحكوم، ووفق قوانين موضوعية من صنع البشر وليست من مصادر مقدسة وإلهية كما هو الحال مع الدين. فعندما تقر الدولة في دستورها بأن الإسلام هو دين الدولة وأنه مصدر التشريعات وتعمل بموجبه فإن هذا يعني بأن جميع مواطنيها هم على الدين الإسلامي رغم إقرارها بحقوق الإخرين أو بديانتهم وهو الأمر الذي يضعها في تناقض صارخ. فمعظم علماء الإجتماعي السياسي يقرون بأن الدين ليس من مقومات الدولة الحديثة طالما لا توجد دولة معاصرة إلا وشعبها يدين بأديان متعددة ومختلفة، كما هو الحال في العراق.

الدولة الحديثة والمواطنة:
—————

أسس الأساس للدولة الحديثة هو المواطنة، والتي هي رزمة من الحقوق والواجبات لكل أفراد المجتمع دون تفرقة أو تمييز. فبدون مواطنة حقيقة لا وجود للدولة بل الأصح لا وجود إستقرار فيها ولا أشباع حاجات ومتطلبات أفراد المجتمع المعروفة في هذا العصر، فلا مواطنة حقيقية إذا تمتع مجموعة معينة من الأفراد بإمتيازات خاصة وحقوق مختلفة عن الآخرين. وعندما تقر الدولة وتحصر نظامها السياسي بدين معين، فهذا يعني بأن المواطنة هي حصراً على مؤمني هذا الدين ويبقى غيرهم خارج إطار المواطنة، وهي الحالة التي تسود في العراق وتخلق شعوراً وإحساساً لغير المسلمين بأنهم محرومين من صفة المواطنة خاصة عندما تشرع قوانين مهينة لهم ولتراثهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، وهناك قوانين في العراق بهذا الخصوص. ولكن حتى ربط الدولة بالدين الإسلامي في العراق لم يسعف هذا الربط كافة مسلمي شعب العراق، لأن الحقائق السائدة هي أن القوى والأحزاب الشيعية هي المهيمنة على الدولة، أي بعبارة أخرى إن الطوائف الإسلامية الأخرى، كالسنة، بقوا خارج أطار هذا الربط ومنافعه، فكيف الحالة مع غير المسلمين؟. لا بل وحتى بالنسبة للشيعة فقد تم حصر هذه المنافع بزمرة معينة بعيدة عن غالبية أبناء الشيعة في العراق، والحراك الشعبي الواسع في المحافظات الجنوبية والوسطى الشيعية لهو دليل على ذلك. أن التفسير النظري لهذه الحالة لها تطبيقات واضحة تتمثل في الخط البياني التنازلي للشعارات والممارسات الخاصة بالقوى الفاعلة والمهيمنة في الدولة. فبمجرد أن تستلم السلطة وتهمن على مفاصل الدولة تكون الوطنية والتحرر والإستقلال من شعاراتها البراقة ثم بعد رسوخ هيمنها يبدأ الخط البياني بالنزول نحو حزب أو طائفة ليكون الكل في الكل ثم سرعان ما يتقلص هذا الحزب أو الطائفة في زمرة معينة وقوية ثم في عشيرة أو نخبة وهكذا حتى إلى عائلة مهيمنة فعلاً على مقدرات الدولة لتصل إلى فرد يصبح دكتاتور الدولة، هكذا كان الحال مع البعث وفي عهد صدام حسين وهكذا هو الحال في العراق الحالي حيث لم يعد كل أبناء الشيعة مستفدين من سيطرة أحزاب وزمر شيعة على السلطة بل أنحصرت المنافع في فئة قليلة للتحول إلى دكتاتور للبلد، ونأمل من الحراك الشعبي، الذي غالبيته من أبناء الشيعة، أن يصد هذا المسار ويحوله نحو المواطنة الحقيقية لكل العراقيين ومن دون أي تمييز، ترى هل يستطيع هذا الحراك الشعبي أن ينزع القبقاب من الدب ويقلم أظافره؟؟

ولو حاولنا تجنب واقع العراق المتعدد الديانات والحضارات والثقافات نحو الدول العربية التي جميع سكانها من المسلمين العرب، أي ليس لها تنوع ديني وأثني، نرى بأن دساتير هذه الدول تجمع بين الدولة والدين الإسلامي ولكن تحقق نوع من الإستقرار في المواطنة شكلا ومضموناً لأن دينها يتطابق مع دولتها وبالتالي تنتج وتحقق نسبة عالية من السعادة والرفاهية لشعبنا. ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذج في هذا السياق، دولة لها وزارة السعادة ووزارة التسامح شكلتا لغرض سعادة ورفاهية شعبها رغم أن دستورها في المادة (7) تقر بأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهي القاعدة السمحاء لتشريع قوانين وأنظمة لصالح غير مواطنيها المقيمين فيها وتحقق أيضا السعادة والرفاهية لهم، وواقع الحال يشهد على ما نقوله.

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی