صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » فصح الماء المقدس/زهير بردى

زهير بردى

كرسي مكسور تحتَ سلّة مهملات. تمرُّ فوقه ظلال ُجدران تتآكل. أشقى من المرآة تخدع ُخيوط َالدانتيل البيضاء. وتتحاشى العري. طشت ُالملابس الرثة تحت صنوبر الماء. كأنّه أزهارُ خزامى  في لمح ِالبرق. الظلال ُتمرُّ على الكرسي وتمضي  بخيلاء. ولا تلتفت. تتيبس فوق الريح ستارة ُالنافذة الزرقاء. جاهدة تقعي تحت أصابع تقسمها نصفين. أوراق كتاب في زاوية ٍسوداء من صحن ِالحوش الأخضر. تخرجُ بقميص ِنومها الأبيض, توقظ الديكة بحبّات ِالحنطة الفائضة بين موقد ِالنار في الفجر, على عجل تتمُّ مشهد َالضوء, موسيقى لا تملُّ من الضجر من غرامافون قديم صدئت ْمساميره وعلاه أصفر الغبار. ما زالت تنقرُ حنجرة الإبرة. سقطَ الكرسي المكسور على الأرض, برمّته سقطَ في سلّة ِمهملات. وعلى عتبة ِبابٍ قديم. وقريباً من الكرسي مؤلف ٌمجهول. ينظر ُمن تطريز ِ كتاب إلى ثقب نقطة ويتكئ على عكّازه. ويمتطي قبعة ً بلا رأس. ويطلقُ دائما الكلام ويشفط ُحبوب َ”فاليوم”. ويصادقُ رأسَ تمثال ٍمتبرم. من ضجّةِ بعض عصافير. تمارس ُنقرَ ريشَ بعض. ونضع ُالرموشَ له. وعكازه تمشي إلى الظل خشية الإصابة بضربة ِشمس. صيف موسيقى لا تمل ُّمن الضجر. تفركُ السماء تأتي من فوقَ رف صدي لمطعمٍ يتقياُ زبائنه كل وجبة ليل.

***

ومضى أمس مثل أقداحٍ مكسورة. يخرج منها قوس قزح شفتين أضاء تمثال الحب. قرب نافذة ترسم أصابع سيمفونية تعزفها مفاتيح أبواب شائت القداح بسبب البرق. ويسيرُ إلى (الآن) بيتي – بخديدا-, بيني وبينه سر ليل غريب لا يعرفه إلا التراب الذي فتنت و يحمل مهدَه مذ أنْ استوى. ويحمل الحديقةَ والعمودَ السماوي والنوافذَ. تشبه تجاعيدَ يدين تمتدان من معبدٍ ينضح بأغنية الخلق .وطقس من الغبار والشمس والمطر. وأسير الى بخديدا كالفراشةِ تذوق الورد بعد ربيع أوبرالي مأخوذا بالذهاب الآدمي. تتقوس وتتقدس كأنما تجلس في ترونس الاعتراف الأول لخطيئة لم تحدثها أعضائي, ولا ضوء يسبح في رحابِ الحوش المترنم باسم الرب. نفسي الآن تشم طفولتي الصغيرة في غرفتي. كنت أكور ضوءَها في شكل امراة تغرز إبرا ودية في الليل. وتلاحق شمعة تصعد من نافذة المعبد الشرقي إلى رحابِ السماء. أي عطر لم أشمه في مسحِ ثوبٍ يأتي الآنَ من برج تنور لم يعرف أن النار. لا تقدر أن تسخنَ الخبز إلا أصابع أمهاتنا المعروقة الدمع. هي تذهب ثم تأتي وأنا أصلها. ولست وحدي وتأتي إلى من يصل قبلي وبعدي. كأنما الثلج تلاحقه النار. ومن يرث حج الحضنِ بغنجٍ برق قبل الآخر. ومن يركض من غير قدمين من انكسار زجاجِ الكلام في نزيفِ الضوء المقروء, بمذهبات جمال العالم ومن تحمله قوة تخرق الدهشة والمستحيل. هو من عطش وأنا من لوعة عطاب. وصرتُ بعد ربيعين أمضيتهما بلا نوافذ ولا طقوس ولا فصول كرسي المقهى الشعبي قرب كنيسة مارزينا. بالتأكيد ليس متجهما وما زال النبيذ في مون لايت ساخنا بلا ثلج. وما زالت شجرةُ الزيتون التي تحتها قبر جدي في مار يوحنا. تنتظر ابتسامتي التي تقبلها بفم من عسلٍ بري. بيدٍ بيضاء تنضح بزيتِ “الفصح”. وما زال الطريق إلى أبي الراقدِ في كنيسة مار يعقوب. تطق خضرته بالكلام الأزرق, ووتر العودِ يمسك حنجرة شمعتي في الغسقِ الأبيض الذاهب إلى صوتي المبحوح. يرتل (مورن اتراحم معلين) ولا تشغلني الحرب عن ترتيلِ .يا مريم القديسة تاجك نور يسبح في الهواء وقلبي بيت في محراب ِعينيك. وما زال “القونخ” في الطاهرةِ الكبرى. يملأُ أصابعَ يدي بالزيتون وفي البدءِ الكلمة والكلمة تسجدُ لدمعتي. وما زالَ دمعي زهر ورقصتي ضوء وحب كثير, في كلامي المنحدر من غبطةِ قنطرةِ (بيت اينا) الآتي من نقرتايا, بيد أولاد مارت شموني صعوداً إلى ديرِ ما أفرام المتلألئ بشرقِ الشمسِ. وإلى شرقِ حجر جرنِ الميلاد. قربي دائما شمس “بخديدا” تحفر جسدي وتناولني في فمي رضاعةَ النوروبندَ المهد وكنت شعاع القمر, وأمشي ويمشي إليّ منها عمر أبعثره كأوراق الورد, أمام خطاها الهادئة كموسيقى تراتيل أو مراديش. والفجر وهو يمضي إلى الكنائس مع خطى الندى, إلى قداس يوم الأحد. في كلِ مكان في أرضِ السوادِ فصح وقداس وقربان في كل زيتونة وفي كلِ قلب يمشي متقدما إليك. وسلام من فم السماء إلى الأرض والتلة سلام من فم الملائكة إلى “بربارة” ودير الشهيدين “بهنام” و”سارة” سلام من الفضاء المليء بأجواق فم القديسين إلى دير شيخ “متيّ” في قبعة الجبل وإلى “بهاء” طوق الياسمين في كنيسة “مار كوركيس” في “برطلة” المجد.

***

أمرُّ أمام كنيسة “مار يعقوب”. أتوقف أمامَ تمثالِ العذراء, أسمع جوقَ ملائكة ومزاميرَ لم أحفظها, أدخل في صمت ربانيّ, أصمت أمام بياضِ القربان وكأسِ الفصح، أدخل هادئا كما مصابيح أعمدةِ الرخام, في أعلى الرواقِ المقوس, لا يعجبني أنْ أكسرَ صمتي القاحل بأشخاصٍ جنبي يتمتمونَ بخلدونيّةٍ تخرجُ من خلف ترونس, بشمعاته الذائبة الضاحكة, بلا آلات موسيقية، أدفعُ قدمي بإيقاع زيتٍ مقدس, أقولُ أشياءً كثيرة ليست صلاة إنجيل, لكن صلاةَ كتابِ الأرض، في هذا المقعدِ, كنت قد جلست يوم رحلتْ أمي، أتقدم ومعي ما تبقى من مكانٍ, يتجمع حولي. يعدو إلي كما برق وفي يدهِ الغبار. أناشيد جسد مهوس في اليومِ الثالث عشر من إعلان موج طافحٍ بطينِ الرغبات. أقف كغيمٍ وأنثر مطرَ ذكرياتي البعيدة وخاتمَ عرس في إيقاعِ غابةٍ عبرها الشتاء بلا ثمالةِ خيوط ِالمطر ,يرفو فيض شوق ثقوبِ الارض المنسوجة بغطاءٍ. تخيط نقشاتِه الألف يد جديرة بتجاعيد بهيةٍ تعبر ممرَ بيت كنت أتسلقُ من رشاش رائحته الغاوية الفضاء, من فمي المزدان بنجومِ القديساتِ، أمشي كأني في وسطِ حقلِ قبلات نوافذ وشوارع، وورد أكثر كلاما من الشعرِ, وطيور بتشكيلات عرس وطقوس ضوءٍ, تبدأ من شريانِ السماء ومواعيد من رسائل فضاء يجيء بثوبِ القديسين, وأكادُ أسمع بهجة المرايا في زجاجٍ بصيغةٍ بحر. حوله شقائق الغسقِ وحرير الرماد. أسمع وأحضن طيفَ بخديدا, وأحضن حجرا يردد أسمي . وعشبة عطشى لريقِ شفتي, و ظلا لي تركته يمشي إلى الآن يحكي لي عن الحب وعن القربان والفصحِ والميلاد.

© 2019 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی