بقلم الكاتب اللبناني

 عصام محمد جميل مروّة

حملت الأيام الاولى للعام الميلادي الجديد في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين احداثاً تكادُ خطورتها من شدة ازماتها الغير متوقعة قد تتحول الى حرياً عالمية ثالثة بكل معانيها .تخوضها الولايات المتحدة الامريكية من جهة احادية دون الإستناد الى حلفها الرسمي والقوى “الناتو” قوات الحلف لشمالي الأطلسي الذى ينطوى تحت اجنحة الدول الغربية ذوى الدخل والأقتصاد القوى والمفروض على العالم اجمع . اذاً بعد تلك الصورة القاتمة  للإضاءة على ما تصبوا اليه الولايات المتحدة الامريكية وأياديها الطويلة جداً جداً الى حد الإلغاء للأخر قولاً وفعلاً.

هذا ما قامت بهِ وحدات امنية لقوات الولايات المتحدة الامريكية التابعة للقواعد العسكرية المتمركزة في الشرق الاوسط حفاظاً على امن اسرائيل والصهاينة اولاً وثم منابع النفط العربي ثانياً وثالثاً مراقبة ومتابعة كل تحركات العدو الجديد والحديث للعرب وللولايات المتحدة الامريكية منذ ما يُقارب الأربعة عقود من الزمن اي دولة ايران او الامبراطورية الفارسية صاحبة الأطماع والنفوذ والتفرد في السيطرة على جيرانها حسب النظرية الفارسية وإن إختلفت الاوجه للسياسات الداخلية والخارجية معاً بعد إنتصار الثورة الإيرانية التي حملها الإمام الخميني عام “١٩٧٨-١٩٧٩” بعد عودتهِ من المنفى عارضاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية للثورة كبديل لا عودة عَنْهُ في الإذعان للشعب الإيراني في تحقيق ما كان ينتظره من الإنتقال من سلطة الأباطرة في مهد فارس إلى اعادة “فرج الملالى والأحكام الشرعية للشعب الإيراني ” وربما الى اتباعهِ في منطقة الجوار .

تم اغتيال او تصفية العميل الاول الذي يحمل اسرار الحرب واسرار النفوذ الإيراني في الدول المناوئة للسياسة الامريكية في كل من “العراق ولبنان وسوريا واليمن ” واذا ما تابعنا قليلاً الإنفتاح على المهمات التي كانت بحوزة قائد الفيلق الخاص للقدس قاسم سليماني الذي إرتبط اسمه مع كل فترات الإستعدادات للحرس الجمهوري الثوري الممتد منذُ الساعات الاولى عند تشكيلهِ كحارس أمين لمكتسبات الثورة التي صارت شعارتها البراقة كأساس تقليدي في تعبئة الأجيال بعد إنخراطها كجماهير شعبية مؤمنة في مبادئ “الأثني عشرية” اي بكل بساطة الإنحراف العلني عن كل إلتزام في مبادئ الشريعة الاسلامية التابعة للأنظمة العربية التي تتخذ نهجاً مختلفاً عن ما تطمح اليه ايران وثورتها وتصديرها الى الخارج.

لقد حاول الكثير من الزعماء والقادة  ان تكون لهم علاقات مع الجمهورية الاسلامية في ايران بعد الثورة لكنهم كانوا يصطدموا جميعهم منذ اليوم الاول عندما “إشترط الإمام الخميني على كل جيرانه”  وحتى الذين كانوا بمثابة المرحبين بإنتصار الثورة لكن الشعارات تلك حددت “العداء الى امريكا وإزالة او الإطاحة بالكيان الصهيوني ودحر اسرائيل من الخارطة العربية وإعادة الشعب الفلسطيني المشرد والمطرود من وطنهِ ” كانت شعارات الثورة الإيراني عنيفة وقوية وتسببت في حروب كبرى وتكاليف بشرية كانت خسارتها بين أطراف النزاع طيلة ثمانية أعوام دون إنقطاع .حرب الخليج الاولى “١٩٨٠-١٩٨٨” بين العراق وإيران حيثُ اثبتت تلك الفترة عن زعزعة الثقة بما كانت تؤول اليه الثورة الإيرانية وتصديرها خارج الحدود من جهة . وإلتفاف العالم الغربي وبعض الدول الاسلامية في إتخاذ العداء المزمن والتاريخي لدولة ايران الحديثة وإعتبارها “قوة مذهبية مدمرة”  وخطرها على العالم العربي والإسلامي أقوى وأعنف من خطر وجود اسرائيل وكيانها الصهيوني .

وقع قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس قوات الحشد الشعبي العراقي ورفاقهم من المجموعة الخاصة بعد خروجهم من مطار بغداد الدولى ضحايا الصواريخ المنطلقة من منصات وطائرات تتحكم بها عن بعد الآلة العسكرية والحربية الامريكية سواءاً تحكمها المباشر او المدروس في كامل جوانبهِ اللوجستية من منطلق التأكد واليقين عن ان السيارات التابعة للموكب في ذلك الفجر كانت تحمل القادة والأعداء الحقيقيين للقوات الامريكية في بغداد.

لكن التحديد للأغتيال لم يأتي من فراغ بل كان نتيجة التهديد الفاضح والعلني الذي تحدث عنه قاسم سليماني في الإستعدادات الى شن الهجمات على كافة القواعد العسكرية الامريكية المتواجدة في المنطقة .ولم تكن السفارات الامريكية في مأمن بعد وصول التهديدات مباشرة الى بعضها خصوصاً سفارة امريكا في لبنان منطقة “عوكر” مما ادى الى ارتباك حقيقي داخل المؤسسات الأمنية التابعة للسفارات في إتخاذ التهديدات على محمل الجدية .وكان اخرها الفوضى التي ادت الى وصول الثوار او المعترضين على الحكم في العراق .بعد عمليات الإحراق وإختراق مبني السفارة الامريكية لم يكن امام الإستخبارات الامريكية “ال سي اي آي” سوى الإيعاز الى الطائرات المسيرة الامريكية تنفيذ العملية بنجاح تام وكامل .

لكن نتيجة التصفية تلك كانت ايران ووحداتها العسكرية والأمنية قد قررت الرد والإنتقام  العسكري السريع بعد اتمام دفن القادة في مآتم عامة شارك بها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي الخامنئى معتبراً استهداف قاسم سليماني لا يحتمل ُ الإنتظار معلنناً عن لهيب النيران التي سوف تلسع ليس الجنود في قواعدهم بل سوف تصل النيران الى حدود البيت الأبيض ملمحاً الى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكة ومصالحها في المنطقة خصوصاً ناقلاتها العملاقة للنقل “النفط والغاز”  التي تستخدم الخليج الفارسي ممراً تحت أنظار ومراقبة السلاح والصواريخ الإيرانية .

لكن المتوقع من الهجمات الصاروخية الإيرانية اعلنت ايران انها سددت بعضاً منها ولم ولن تكون الاخيرة وإن أتت بعد تصريحات من جانب الإعلام الإيراني عن سقوط اكثر من “ثمانين من الجنود الأمريكين في قاعدة عين الأسد الامريكية المتحصنة في بغداد”.

يبقى التساؤول ينمو ساعةً بعد ساعة ويوماً بعد يوم في تسارع الأحداث وتكاثرها وتتاليها بعد فاجعة أليمة عن خبر إسقاط الطائرة المدنية التابعة للخطوط الجوية الاوكرانية حيث كان على متنها

“١٧٦” مسافراً ضحايا ربما اخطاء عسكرية إيرانية قد تُصعِب المحادثات والحوار مع الغرب وأمريكا في تجنب اندلاع الحرب العالمية الثالثة.

عصام محمد جميل مروة ..

اوسلو في /١٣/كانون الثاني/٢٠٢٠/..