بقلم الكاتب اللبناني

 عصام محمد جميل مروّة

التعبير المُجدى والواقعي للحقيقة التاريخية عن فلسطين ومسيرتها المجيدة منذُ بداية سكنها من

ابناؤها الى سيطرة الصهاينة القدماء او الجدد عليها وسلبها ووضعها في مصافٍ ومطافٍ بعيدة عن اَهلها .

وأُلئك الذين الى الأن يحتفلون ويُقدسون كل ذرة وحبة تراب من ارض فلسطين الحبيسة والمُغتصبة.

في ٣٠ آذار من العام ١٩٧٦ قد هاجمت مجموعات شبابية وتصدت بكل بسالة وتضحية بوجه الجنود الصهاينة الذين كانوا يُطلقون الرصاص الحي على كل من يعترض على إحراق وإقتلاع أشجار الزيتون وتلفها وسحقها وحرمان أصحابها من رعايتها من منطلق ومنظور جديد نصتهُ الصهيونية قولاً وعملاً بإن الفلسطيني يجبُ عليه الرحيل او الفرار او الهروب الى الجحيم . خارج خارطة اسرائيل اللقيطة !؟

كان يوم الارض نقطة تحول مُذهِلٌ بعد التظاهرات التى عّمت مناطق ومدن يقطنها ابناء الأحياء العتيقة في كل شيئ  حضارةً وثقافةً وحجراً وبهجةً .

لكن الجندي الصهيوني الوافد او القادم الذي لا يعرف من اين اتي او الى اين يذهبُ، خِلافاً لأبناء الارض الذين ولِدوا من صلب فلسطين ومن رحمها محبولين بالعزة والكرامة رغماً عن أنف الصهاينة وادواتهم ومن يدعمهم، حديثاً او قديماً او مستقبلاً.

ان نتذكر يوم الارض ليس بجديداً لكن ان نحترم ونقدر الحدث الجلل ونستعرض بعضاً من المواقف المشرفة والتحدث عن الألام لتلك الفترة الصعبة عن الأرض وعن رائحتها المنبعثة من خلال الوجوه والسواعد والأقلام والرماح والخناجر وأصوات الحناجر كلها كانت سبباً ذهبيًا اصيلاً من العيار الذي لا يُنسي على الإطلاق. الارض السليبة هي مكمن وأساس الإستمرار على متابعة ومواصلة الدرب والطريق الوعرة والطويلة نحو تحقيق حرية فلسطين وإعادة أمجادها الى اَهلها والى اعادة إحترام الأنسان والإنسانية جمعاء .بما تعنيه فرادة ارض السلام ومهد الحضارات . حيثُ لفلسطين موقعاً خاصاً داخل عقل وقلب كل الذين بحثوا ويبحثون ويكتشفون يوماً بعد يوم ان ارض فلسطين هي السلام والمحبة ومنها تُشرِقُ وتنطلقُ سعادة البشرية مهما طال الزمن سوف تكون الوجهة والبوصلة للجميع ما دامت مُعتقلة ومحبوسة ومشحونة ومسجونة لا تهدأ ولا تصمت إلا بإستعادتها والتحكم المعقول والمُرضي للجميع أدياناً و كيانات تتعايش مع بعضها دون التمييز العنصري.

وليس هناك مجال لفرض ثقافة التسلط والإحتكار كما تصنعهُ وتمارسهُ اسرائيل وآلتها العسكرية والصهيونية في نهجها العنصري بكافة الأساليب حتى لو اعترض من يشاء على الصيغة تلك والطريقة التعسفية التي تستخدمها بالقمع والهراوة و هدم المنازل والمجازر واشكال بِلا انسانية وبلا إفساح المجال لأحداً ان يتوسط ممهداً الى دروب السلام. لكنها السلطات الصهيونية تضرب بعرض الحائط حتى الشواهد التي تلتقطها عدسات المصورين الصحافيين الأجانب ولها قدرة على تزييف وتزوير فحواها على كافة الاصعدة والمحافل الدولية؟ لكنها كذلك عندما ترى اسرائيل حاجتها الى الإستغلال لمواقفها نجدُ وبكل صلافة المجتمع الدولى يقف الى جانبها ويُبرِرُ لها استخدام جزمتها الصهيونية العسكرية في العنف والقتل والقمع الغير مقبول، حتى في يوم الارض منذُ سنة ١٩٧٦ لم تتراجع ولم تعترف بإختراقها حقوق الشعب الفلسطيني والإنسان معاً.

لكننا في تعبيرنا عن عزم عدم التراجع لإحياء يوم وذكرى الارض الفلسطيني هو الأعداد التي تركت اثراً لدينا من اللحظة الأولى بعدما تفجرت حينها قريحة ابناء ثقافة لغة الضاد في طليعة المقاومين حبراً احمراً من اقلام الشعراء والأدباء والكتاب والمثقفين والطلاب والأساتذة للمدارس الإبتدائية والمتوسطة في القري النائية والمعاهد والكنائس والجوامع والصوامع والخلوات والجامعات ومدن قريبة من القدس المحتلة . جميعهم خرجوا متساويين في العطاء والتضحية ولم يبخلوا في تقديم الشهيدات والشهداء قرباناً على مذابح علياء فلسطين وقدسها .

حيث صارت قصائد الشعراء بمثابة أسلحة ذخيرتها من افكار وأفئدة أناس ليس لديهم سوى الإستيقاظ على القراءة والكتابة عن الأرض ورائحتها وعن زرعها وخضرتها وعن زعترها وصعترها وعن زيتونها و تينها وعنبها وعن الجداول والزهور والمأذن العالية وعن أجراس وأصوات الكنائس الوادعة وعن الحقول والمقالع وعن التراب الفلسطيني الأحمر الذي يبعثُ عطر رائحة الأرض على الدوام.

إحياءاً ليوم الارض الفلسطيني نقف رافعين رؤوسنا وهاماتنا شموخاً مع كل الذين لم تزل لديهم رائحة ومذاق وطعم الزيتون وألوان الدحنون  والطيون وأشجار السنديان والسرو المنتشرة على سواحلها وشواطئها وداخلها وعمقها الأزلى.

إيميل حبيبي الذي كتب عن اسماء القري “،سخنين، عرابة ، دير حنا، طرعان، طمره،” و بلدات اخرى في عمق فلسطين بعد ما قدم في تفاؤلهِ الشهير إنتصارهِ على تشاؤمهِ في كتابهِ الذي اسماه (المتشائل) ، كان بمثابة صفعة على وجه الصهيونية في وضح النهار وعلى أوراق بيضاء الناصعة علواً في نبذ وتحدي الحصار حينها وسار مع القافلة الى اخر رمقٌ في حياتهِ معلناً عن موت الحصار .

قال محمود درويش موجها نبال شعرهِ على الصهاينة ومؤبناً الشهيدة أنذاك .

انا الأرض / والأرض انتِ/ خديجة لا تغلقي الباب/

لا تدخلي في الغياب/ سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل/ سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل/

سنطردهم من هواء الجليل/ .

وقال الشاعر توفيق زياد في غاليتهِ الأبدية .

أُنادبكم واشدُ على اياديكم / .

وقال الشاعر معن بسيسو اروع سطور في تمجيد الفدائي.

نعم قد نموت ولكننا سنقتلع الموت من ارضنا /

لقد فتشوا غرفتي ولم يجدوا غير الكتب /

واكوامُ عظمٌ هُمُ اخوتي يأنون ما بين أُم وأب/ .

كما صدح عالياً ملعلعاً بصوتهِ الرخيم الشاعر سميح القاسم .

هنا القدس / قدس القصائد والأغاني /

انني عائدٌ عائدٌ عائدٌ/ .

ربما تاريخ يوم الأرض صار إعتراف حقيقي بالأدب والفكر الفلسطيني الذي كان مغيبًا لدي الكثيرين وإعتبار من لم يُغادر ارض فلسطين هو كذلك عميل للصهاينة .الى ان أتت إحتجاجات يوم الارض الحمراء من قبل الأحزاب اليسارية الملتزمة بالنهج الثوريّ المقاوم بكل طيفهِ ولونهِ ودينهِ كان “حزب راكاح الأسرائيلي ” التنظيم الوحيد الذي يجمعهُ صلة وصل ثقافية مع الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يُعتبرُ منارة اولى للخط الثائر مشاركاً في شتي النشاطات ضد تحويل فلسطين الى “حظيرة صهيونية ” لذلك كان دور قري ومدن يسكنها المسيحيون والدروز  ، اثناء تعميم العداء للمحتل الغاشم.

عصام محمد جميل مروة ..

اوسلو في /٢٢/آذار /٢٠٢٠/..