صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 4 التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق .وأرقام أبرم شبيرا

أبرم شبيرا

توطئة:
في هذا القسم الرابع نتصفح أرشيف المدارس الآشورية القومية من خلال كتابنا السالف الذكر”التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام، بعد أن نقلنا بعض الصفحات منه في القسم الثالث كمقدمات تمهيدية قبل الدخول في صلب الموضوع عن المدارس السريانية والتعليم السرياني في شمال العراق، أنظر الرابط:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=977422.0 .

وهنا سأحاول أن أستل بعض الأجزاء من هذا الكتاب مع تعديلات طفيفة جداً مبتداً بـ:

أولا: بداية تجربة في التعليم بلغة الأم:
بالرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة، إقليمياً ودولياً في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فأن  إقليم شمال العراق كان يعيش حالة إستثنائية من التعددية السياسية أتيح للآشوريين حدوداً هامشياً لتتحرك أحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية والثقافية والاجتماعية وتنشط في تحقيق بعض الأهداف التي كان الآشوريون دوماً  يسعون  إلى تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بتعليم لغة الأم لأطفالهم في المدارس الرسمية وبشكل أصولي تربوي وعلمي وبدون فرض النتائج ومن ثم قبولها خوفاً من إرهاب السلطة أو الأكثرية. فضمن هذه الحالة الديمقراطية البسيطة نشطت بعض الأحزاب والشخصيات الآشورية فاقتربت من ماكنة صنع القرار السياسي والتي تمثلت في مشاركة الآشوريين في البرلمان ممثلين
بأربع نواب من القائمة الآشورية التابعة للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) مع مسيحي واحد من الحزب الديموقراطي الكردستاني (بارتي) ضمن الكوتا المسيحية التي خصصت خمس مقاعد لهم. كما شاركت زوعا في المؤسسات الحكومية الإقليمية والوزارة وفي بقية التنظيمات السياسية والتحالفات الحزبية، فأفرزت هذه المشاركة نوع من التقارب والتفاعل انعكست نتائجها في تفهم وتقبل القوى السياسية الرئيسية الفاعلة في المنطقة والتي تقننت هذه النتائج  فيما بعد في قوانين وتشريعات جديدة ضمنت رسمياً حقوق الآشوريين، خاصة في ما يتعلق بمسألة تدريس لغة الأم في المدارس الرسمية.
ومن بين هذه القوانين التي تهمنا في موضوعنا هذا هو قانون وزارة التربية في الإقليم وخاصة المادة الرابعة منه والتي نصت على ( أن يكون التدريس باللغة الكردية رسمياُ في جميع المراحل ابتداءً من الصف الأول الابتدائي وحتى السادس الإعدادي . وكخطوة أولى تبدأ الدراسة باللغة الكردية في الصف الأول الابتدائي لهذا العام 1992 – 1993 عدا المدارس التي تشملها الفقرة الرابعة) وهي الفقرة التي تنص على ( جعل لغات الأقليات لغة التعليم في المرحلة الابتدائية لأبنائها في المناطق التي تقطنها على أن يكون تعليم اللغة الكردية فيها إلزامياً ). وفي قراره المرقم 16 والمؤرخ في 20 أيلول من عام 1992 أقر المجلس الوطني الكردستاني ( برلمان الإقليم) هذا القانون والذي بموجبه أصبح للأقليات، والذي عرفهم في مادته الأولى الفقرة السادسة بـ “الآشوريين والتركمان والعرب وغيرهم”، حق التعليم بلغتهم القومية. ومما نستدل من هذا القانون المقر بأن التعليم باللغة السريانية يقتصر فقط، كما هو مبين، على المرحلة الابتدائية دون المراحل الأخرى المتوسطة والثانوية. وللاستفسار عن سبب ذلك قابلنا الأستاذ يونادم يوسف كنه، مسؤول القائمة الآشورية في برلمان الإقليم ووزير الإسكان والتعمير سابقا والصناعة والطاقة حاليا، والذي شارك في مناقشات إقرار القانون أعلاه، حيث ذكر بأنه قبل إقرار هذا القانون، جرت مناقشات ومداخلات وتعليقات طويلة ومفصلة حول حصر حق القوميات غير الكردية بالتعليم  بلغتهم القومية على المرحلة الابتدائية وبينّا في حينه تحفظاتنا لهذا الأمر وطالبنا بضرورة أن يكون التعليم السرياني شاملاً أيضا للمراحل الأخرى المتوسطة والثانوية، غير أنه مما يؤسف له بأن جملة عوامل سياسية خارجية وداخلية تفاعلت مع بعض الحجج التي برر بموجبها رفض مطلبنا، منها قلة أو عدم وجود كوادر أكاديمية كفؤة وضعف الإيمان عند البعض من أبناء شعبنا في إمكانية استمرار التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية فيكف والحال مع المراحل المتوسطة والثانوية ؟. هكذا تداخلت هذه الظروف مع جملة عوامل سياسية في المنطقة حالت كلها إلى دون إقرار البرلمان لمطلب الكتلة الآشورية في شمول التعليم السرياني للمراحل المتوسطة والثانوية، ولكن مع كل هذا،  فإن هذه النقاشات وما دار حولها من حجج في رفض مطلبنا أثرت إيجابيا في نفوس أعضاء الكتلة الآشورية بحيث جعلتنا أن لا نتهاون ونتقاعس، بل حفزتنا وبشكل كبير على ضرورة تركيز معظم الجهود والإمكانيات لخلق الكوادر الأكاديمية الكفؤة وإنجاح التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية كمنطلق أساسي نحو الاعتراف بحقنا القومي في استمرار التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة، وهو ما تحقق فعلاً من خلال اجتياز المرحلة الابتدائية وبنجاح منقطع النظير ( مقابلة شخصية بتاريخ 18/2/1999 – دمشق)

وهكذا فبعد إقرار القانون أعقب ذلك في نهاية شهر أيلول صدور أوامر وزارة التربية وتعليمات مديريات التربية في محافظتي أربيل ودهوك بخصوص التعليم السرياني في هاتين المحافظتين والقاضية بتطبيق قرار التعليم السرياني فوراً في المدارس التي ستشمل بهذا القرار وللسنة الدراسية ( 1992 – 1993 ) والطلاب على أبواب بداية الموسم الدراسي، وهو القرار الذي فاجئ المعنيين بالموضوع والذين كانوا يتوقعون تطبيق القرار في السنة الدراسية القادمة (1993 – 1994) لأن الوقت كان ضيفاً جداً لتهيئة المناهج والكوادر التعليمية وغيرها من الأمور الفنية والتربوية. غير أنه مع كل هذه العجالة والاحراج لم تثني هذه المفاجئة عزيمة الخيرين من أبناء أمتنا من المدرسين والمختصين، فشرعوا جميعاً مع المؤسسات والمنظمات الآشورية الرائدة والطليعية، وفي مقدمتهم المركز الثقافي الآشوري وأعضاء الكتلة الآشورية في البرلمان، بالعمل الحثيث والمضني والمتواصل في التسابق مع الزمن لاستغلال هذه الفرصة العظيمة التي وفرت لأبناء أمتنا في الدراسة بلغتهم القومية. وفعلاً، رغم كل الصعوبات وضيق الوقت، فقد أفلحت هذه الجهود الخيرة في تنفيذ القرار عملياً في السادس من أذار عام 1993، والذي بدا متأخراً بعض الشيء، إلا أنه مع هذا لم يؤثر على سير التعليم السرياني في مرحلته الأولية بل تواصل بفعل الساعات الإضافية الطويلة التي خصصت من أجل استيعاب الطلبة للمنهاج المقرر، وهذا ما تم فعلاً. وبهذا تكون فاتحة جديدة من نوعها قد بدأت في تاريخ تدريس اللغة السريانية في العصور الحديث كلغة تعليمية للمنهج التدريسي المقرر رسمياً في المدارس العامة.
ثانيا: طموح يتحقق ـ التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني:
التحليل القانوني لنصوص قانون وزارة التربية في الإقليم وقرارات البرلمان الخاصة باستخدام أبناء القوميات غير الكردية للغتهم في التعليم، بما فيهم الآشوريين منهم والقرارات المتعلقة بالتعليم السرياني، تدل على أن التعليم بلغتهم القومية هو إلزامي وليس اختياري، ذلك لأن الإلزام في النظرية القانونية يعتبر ركن أساسي وجوهري من أركان القانون، فكل نص قانوني هو ملزم بطبيعته ما لم يصرح عكس ذلك وبشكل واضح وعلني وعن طريق الإشارة الصريحة والمبينة بالإستثناءات الواردة فيه. فقانون وزارة التربية نفسه وفي فقرته الثالثة من المادة الرابعة الخاصة بالتعليم باللغة الكردية، فإنه بطبيعته كقانون تشريعي هو ملزم للمعنيين به، غير أنه أورد استثناءً واضحاً فيه عندما استثنى “الاقليات” منها والذي أعطى لهم بموجب الفقرة الرابعة من نفس المادة حق التعليم بلغتهم القومية في المرحلة الابتدائية، مع تضمين هذا الاستثناء إلزامية خاصة بتعلم اللغة الكردية وذلك كمحاولة من المشرع في عدم فسح المجال أمام ” الاقليات” للتهرب من تعلم لغة الأكثرية في المنطقة، وهي قاعدة عامة لسياسة معظم الدول في العالم في تنظيم العلاقة بين “الأقلية” و”الأكثرية”.

إن إلزامية القانون والقرارات أعلاه والخاصة بالتعليم السرياني واضحة ولا لبس فيها وأكدها الكثير من المختصين والمعنيين بالموضوع، وهو مكسب من أهم المكاسب التي تحققت لأبناء شعبنا في شمال الوطن، غير أن العبرة، وكل العبرة، ليست في النصوص والقوانين وإنما في التطبيق العملي لها على أرض الواقع . فالعجالة في إقرار تطبيق قانون التعليم السرياني في نفس العام الذي كان الموسم الدراسي على الأبواب تداخل بشكل كبير مع اختلاف وجهات النظر في فهم وتفسير نصوص القانون والقرارات أعلاه وخلقت حالة من الارتباك والاجتهادات ساهم ضعف الوعي القومي وهشاشة الإرادة القومية الموحدة في بعض المناطق على خلق فجوة في إلزامية التعليم السرياني بحيث استطاع البعض التسرب من خلالها والركون إلى اجتهاد يقوم على الاكتفاء بتدريس السريانية كلغة في المدارس المشمولة بالقرار واعتبار الكردية وليس السريانية كلغة للتعليم فيها رغم كون فيها غالبية من أبناء هذه اللغة. ولقد سبق وأن بينّا أهمية دور وحدة الإرادة القومية في إنجاح أية تجربة في تدريس لغة الأم، غير أنه في حالة الاجتهاد أعلاه حول مدى إلزامية التعليم السرياني يبين ضعف هذه الإرادة في بعض المناطق والذي أدى إلى التهرب من اعتبار السريانية لغة التعليم، وهي الحالة التي ترتبط ارتباطاً صميمياً بإرادة ومشيئة المعنيين بالموضوع وبمقدار درجة وعهم في أهمية التعليم باللغة السريانية، وفيما إذا كانوا فعلاً يعتبرون أنفسهم مشمولين بهذا القرار أم لا. فالقوانين والنصوص رغم عنصر الإلزام فيها فإن الخيارات الأخرى المتاحة تكون سبباً للتهرب منه والخضوع إلى الإلزام القانوني الخاص الذي توفره هذه الخيارات، وهي مسألة طويلة ومعقدة وتبسيطاً وإختصاراً لهذه الحالة نذكر المثال التالي: إذا كان شخص لا يعترف بأنه آشوري، أو لنقل سرياني أو كلداني، وإنما يعتبر نفسه من قومية أخرى أو لنقل يعتبر نفسه مسيحي فقط ويتردد في التصريح بانتمائه القومي أو الاعتراف بلغته القومية، فإن أي قانون لا يستطيع إلزام مثل هذا الشخص وإجباره على إرسال أطفاله إلى مدارس التعليم السرياني فيما إذا فضل هو، سواء أكان مخيراً أو مسيراً، في إرسال أطفاله إلى الخيارات التعليمية الأخرى المتاحة، أي إلى المدارس غير المشمولة بالتعليم السرياني.  فطالما هو ينكر أو لا يعير أهمية لمثل هذا التعليم فأن القانون أو القرار الخاص بالتعليم السرياني لا يشمله وإنما يشمله القرار الخاص بالخيار الآخر المتاح للتعليم سواء أكان باللغة الكردية أم التركمانية أم العربية. أي بهذا المعنى يمكن القول بأن الالزام بالتعليم السرياني ليس إلزاماً طبيعياً، إن صح التعبير، أي يشمل وبشكل طبيعي وميكانيكي كل من كان آشورياً أو كلدانيا أو سريانياً، وإنما هو إلزام فكري ووجداني، أي يشمل كل من يعي أو يفكر بأنه آشوري أو كلداني أو سرياني وأن السريانية هي لغته وعليه واجب الحفاظ عليها من خلال إفساح المجال لأطفاله لتعلمها في المدارس السريانية. فلا أحد يستطيع أن يجبر آشوري أو كلداني أو سرياني على أن يرسل أبنه إلى المدارس السريانية طالما لا يستطيع أحد أن يمنعه من إرسال أبنه إلى المدارس الكردية أو العربية. والحالة تنطبق أيضاً على أي فرد من أفراد بقيت القوميات عند ضعف الوعي القومي من جهة وتوفر الخيارات الأخرى للتعليم من جهة ثانية، أي في هذه الحالة نكون أزاء إلزامية التعليم وليس أمام إلزامية نوع التعليم. لقد أوردنا هذا المثال البسيط الذي قد ينطبق على بعض الآشوريين ومن مختلف طوائفهم وفي بعض المناطق، ولكن كيف والحال إذا كان مثل هؤلاء لهم مراكز سياسية وإجتماعية ودينية في المجتمع ؟؟ فالشخص المطلع على أبجدية وقعنا القومي يكفيه هذا المثال ليستدل منه معاني عميقة دون الشرح والتفصيل .

فمثل هذه الظروف الصعبة والمعقدة لم يكن من الممكن تجاوزها ومن ثم الخروج بحلول معقولة قادرة على استثمار هذه الفرصة الجديدة التي توفرت لأبناء شعبنا، لولا الجهود الكبيرة التي بذلها المعنيون بالموضوع والمنظمات القومية الطليعية والثقافية وبعض الشخصيات العلمية والثقافية وأعضاء من الكتلة الآشورية في البرلمان وعبر سلسلة من اللقاءات والندوات والاجتماعات حتى تم في نهاية المطاف الخروج من هذه الاجتهادات إلى الواقع التطبيقي وذلك عن طريق الركون إلى الإرادات الحرة لأبناء الشعب في  تطبيق قرار التعليم السرياني، وهي الإرادات التي انعكست في رأيين :
الأول: الاكتفاء بالسريانية كلغة فقط مع اعتبار الكردية لغة التعلم، وهو رأي خير من الرأي الرافض لتدريس هذه اللغة نهائياً.
الثاني: اعتبار السريانية لغة التعليم لكافة المناهج المقررة وكما جاء به القانون المذكور أعلاه، وهو المطمح القومي الكبير الذي يعكس نمو ورقي الوعي القومي للموافقين عليه في أهمية تعلم لغة الأم كلغة علم وثقافة.
كان هذان الرأييان المحك الفاعل والفاصل في تقرير أنواع المدارس السريانية وبالتالي تجسدا في نوعين من المدارس السريانية :
الأولى: المدارس التي تكون الكردية لغة التعليم فيها أما السريانية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية .
الثانية: المدارس التي تكون السريانية لغة التعليم فيها لكافة المناهج المقررة، أما الكردية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية,
هكذا، فبعد أن تحدد مسار التعليم السرياني وبشكل يتوافق مع الإرادتين أعلاه لأبناء شعبنا بدأت الخطوات الأولى مباشر بعد صدور قرار البرلمان بتأسيس تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العام لتربية دهوك وأربيل ثم قبل حلول صيف عام 1996 تم تأسيس مديرية التعليم السرياني في وزارة التربية التابعة لإقليم كردستان – العراق لتقوم بمهمة تنظيم هذه التشكيلات وإدارتها بالشكل الذي يساهم في تطوير التعليم السرياني والذي كان فعلا قد بدأ تطبيقه عملياً في بداية الربيع من عام 1993  وذلك بتأسيس أو بشمول عدة مدارس في محافطتي دهوك وأربيل بهذا القرار والمباشرة بتهيئة الكتب للتلاميذ في الصف الأول واعداد الكادر التعليمي لمدارس المحافظتين. وقد وقف أبناء شعبنا وقفة شجاعة في مواجهة هذا التحدي الجديد في تاريخهم المعاصر والذي لم يكن في بدايته سهلا على الإطلاق، خاصة في ظروف اقتصادية صعبة مقيدة بحصارين دولي وحكومي على المنطقة الشمالية، غير أن الدعم المالي الكبير الذي قامت به الجمعية الخيرية الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية والإسناد المعنوي والقومي والسياسي الذي وفرته المنظمات القومية الطليعية وكل الخيرين والمؤمنين بتراثهم ولغتهم، تمكنت مديرية التعليم السرياني وكافة كوادرها التعليمية  ومن وقف معها وساندها في السير قدماً واجتياز الخطوة الأولى الصعبة، حيث  تم تهيئة الكادر التعليمي من خلال إقامة دورات مكثفة في تعليم اللغة السريانية للمعلمين المؤهلين أكاديميا كما تم استثناء المعلمين المتمكنين في حقل التدريس السرياني من الشروط المقيدة لتنقل فأعقب ذلك نقل أغلب الكوادر التعليمية الى مدارس مدينتي عنكاوة ودهوك. إضافة إلى ذلك تم تهيئة الكتب المدرسية المطلوبة للمنهج الدراسي الرسمي للصف الأول وهكذا في كل سنة حتى اكتملت كل مستلزمات المرحلة الابتدائية من كتب وكادر تعليمي وإشراف تربوي وأبنية مدرسية حتى نهاية صيف عام 1998 حيث تخرجت الدفعة الأولى من المرحلة الابتدائية. هذا ويجب أن لا يفوتنا الدور الكبير الذي لعبه في تلك الفترة كل من  تلفزيون آشور وإذاعة آشور في أربيل ودهوك في المساهمة في إنجاح هذه التجربة الرائعة خاصة من خلال التوعية بأهميتها أو عن طريق تقديم دروس ومحاضرات في اللغة والتاريخ والتراث وعبر الشاشة كتلفزيون تربوي وثقافي ساهم في نشر وترسيخ الوعي بأهمية تعلم لغة الأم وتبيان الدور المطلوب من ذوي الطلاب في هذا المجال. كما لا نريد التكرار والإطناب بالدور الكبير الذي لعبه المركز الثقافي الآشوري في دهوك وعلى الدوام في هذا المجال فهو معروف لكل من عايش أحداث تلك الفترة ولا يزال يلعب هذا المركز دوره الكبير والفاعل إلى جانب الجمعية الخيرية الآشورية في ترسيخ مسيرة التعليم السرياني في شمال الوطن.
لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية؟
———————–
أثير الكثير من التساؤلات حول اللغة التي سيتم التعليم بها وتسميتها، سواء أكانت هذه التساؤلات بهدف المزيد من المعرفة وذلك لكون هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخنا القومي المعاصر، أو كانت بسؤ نية ومن وراءه عوامل عديدة طائفية وعشائرية وتحزبية وحتى فردية نرجسية، فبدأوا يتساؤلون لماذا سيمت لغتنا القومية بالسريانية وليس باللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية… وهكذا؟؟؟. قبل الإجابة على هذا التساؤل نود أن نبين بأن اللغة التي تدرس لأبناؤنا في المدارس السريانية هي القسم الشرقي من لغتنا ( مدنخايا )  التي كان يفهمها ويتكلم ويكتب بها معظم أبناء طوائفنا الكلدانية والمشرقية وحتى أبناء قرى الطوائف السريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية في العراق، فهي لغة عامة ومشتركة بين الجميع مع اختلاف بسيط في اللهجات وبعض الألفاظ، وهي حالة عامة وطبيعية جداً بالنسبة لمعظم لغات الشعوب. واللغة المعتمدة في التدريس هي اللغة المسماة بالحديثة أو بـ ” السورث ” التي يفهمها الجميع، أي هي لغة التعليم، مع اعتماد اللغة الكلاسيكية المعروفة بالقديمة أو بـ “الآرامية” كلغة تدرس في جميع المدارس السريانية من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الأول المتوسط، والتي تعتبر أيضاً مصدراً مهماً لاشتقاق المصطلحات العلمية في المناهج التعليمية. فهذه اللغة، سواء الحديثة أو الكلاسيكية، هي نفسها التي كانت تدرس في مدارسنا العلمانية والمعاهد الدينية ولا اعتراض عليها لأنها مفهومة ومقبولة من جميع الطوائف والقرى والمناطق خاصة عند القراءة والكتابة بها، أي بهذا المعنى أن اللغة المعتمدة ليست لغة أية طائفة أو قرية أو منطقة بل هي لغة الجميع مهما كانت طائفتهم أو قريتهم أو منطقتهم، أي أن لغتنا القومية هي التي تدرس في المدارس ويتعلم أطفالنا بها المواد العلمية المقررة رسمياً، وهو الهدف الأسمى من أهداف أمتنا والذي تهون وتتلاشى من أمامه كل الحجج والعذر الأخرى التي تعترض طريقه وتصبح غير مقبولة على الإطلاق أمام عظمة ورفعة هذا الهدف النبيل .
هذا من حيث مضمون اللغة، وهو أهم المهمات في هذه المسألة.  أما من حيث الشكل، أي من حيث تسميتها باللغة السريانية فنود أن نقول بهذا الخصوص ما يلي: عندما يتسلح الانسان بوعي قومي وإنساني وحضاري متفتح وناضج ومكتمل ويمارس من خلال هذا الوعي نشاطاته على أرض الواقع، أي التجسيد الواقعي للوعي، يبدأ هذا الإنسان بامتلاك منظور بانورامي واسع وشامل  يستطيع من خلاله النظر إلى كل أجزاء وفواصل وتقسيمات المجتمع كأنها منظومة  متكاملة ومتجانسة وكل جزء يكمل الجزء الأخر بحيث لا يلغيه أو يتناقض معه، وهو حال أبناء شعبنا  في شمال العراق الذين هم في خضم النضال اليومي، خاصة الذين يمتلكون مثل هذا الوعي البنورامي لأمتنا ويجسدونه على الواقع من خلال النشاطات القومية المختلفة، فهم ينظرون إلى بعض التسميات التي يرغب جزء من أبناء شعبنا أن يطلقها على نفسه أو على طائفته أو على لغته هي  كأجزاء متناسقة ومتكاملة بعضها للبعض ولا تتعارض مع الخطوط الرئيسية والقواسم المشتركة التي تجمعهم جميعاً في وحدة واحدة لها خصائص متميزة، خاصة في ما يتعلق بأهم خاصية وهي اللغة. فطالما هناك اتفاق على إننا أبناء شعب واحد، وهذا بتأكيد معظم رؤساء الكنائس والمؤسسات العلمانية، ولنا لغة وعادات وتقاليد وأماني مشتركة، وهذا أهم المهمات، فإن المسائل الأخرى تبقى ثانوية وفرعية، لا بل وطبيعية، في إطار هذا الجمع المشترك، فالمهم في المضمون وليس في الشكل. فليس من المعقول أن نضحي بلغتنا القومية والتي هي أساس وجودنا واستمرارنا من أجل اختلافات في تسمية معينة يرغب البعض أن يسميها كما يشاء، وهي اختلافات بطبيعتها بسيطة بل يتلاشى تأثيرها في حالة امتلاك الوعي القومي الصحيح. كما أنه ليس من المنطق والعقل أن يخسر شعبنا هذه الفرصة الذهبية في تدريس لغتنا القومية من أجل عناد أو إصرار البعض على تسمية معينة دون غيرها وهي الخسارة التي سيتهلل لها المتصيدون في المياه العكرة للمستنقعات الطائفية والتحزبية والتعصبية والذين يجدون في إنماء وتطوير لغتنا القومية ضررا كبيراً لذواتهم النرجسية ولمصالحهم الضيقة والخاصة. لهذا السبب كثيراً ما نرى هؤلاء يتحججون بحجة خطأ هذه التسمية ويثيرون زوبعة في فنجان وهم محتمون خلف السواتر الطائفية والعشائرية والقريوية وحتى القومانية والتحزبية حول فساد هذه التسمية أو عدم دقتها، لا خوفاً على لغتهم القومية والحرص عليها وإنما تهرباً من مسؤوليتهم تجاه قوميتهم وعدم المساهمة في تدريس لغتهم القومية وتطويرها. ومن سخرية الأقدار أن نرى مثل هؤلاء المحتجون كانون بالأمس القريب يضعون مختلف العراقيل والمصاعب في مسير تاسيس المدارس والتعليم السرياني ويفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس الكردية بدلا من المدارس السريانية، اليوم نرى البعض من هؤلاء يعرضون عضلاتهم “العنترية” في الساحة القومية ويبارزون أبناء أمتنا النبلاء الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل ولادة هذا الحدث التاريخي لأمتنا، لا بل يتحالفون مع هذه الجهة أو تلك من أجل أمحاء هذا السجل الخالد في تاريخنا القومي.
من هذا المنطلق، وبقدر تعلق الأمر بتسمية هذه اللغة بالسريانية، نقول بدءاً بأن الاعتراض القائم على هذه التسمية على أساس ارتباطها بأسم طائفة معينة من طوائفنا الكنسية هو اعتراض خاطئ تماماً وغير مبرر إطلاقاً، فحاله كحال المجني الذي يربط ويحصر الآشورية بالنسطورية فقط والكلدانية باللاتينية الكاثوليكية او السريانية بالأرثوذكسية فحسب، فإيماننا المطلق، وهو إيمان الجميع تقريباً، بأن السريانية كلمة اغريقية لاتينية منحولة من ( أسريان ) والتي تعني الآشورية أو الآشوريين، فإن أجدادنا منذ القدم وحتى وقت قريب كانوا يستخدمون نفس التسمية للغتهم والتي كانوا يسمونها بالسورث أو بـ “لشانت دسوريايي” أي لغة الآشوريين، وكانت المدارس التي تدرس هذه اللغة فيها تسمى أيضا بـ ” مدراست د سورايه “، أي المدارس السريانية أو الآشورية. وحتى في زمان أباء كنيسة المشرق كانوا يستخدمون هذه التسميات ( Syriac ) أو (Syrian  ) وبحرية تامة ومن دون أي قيد أو حساسية لتعني الآشوريين أو الشعب الآشوري أو اللغة الآشورية، وإن كانت قد تلبست بلباس ديني مسيحي والسبب في ذلك هو خضوع شعبنا في معظم مراحل تاريخيه إلى شعوب وحكومات مسلمة أو غير مسيحية كان معيار تحديد هويتها هو الدين وليس القومية.  ومن الملاحظ حتى اليوم كثير من الآشوريين يستخدمون في لغتهم هذه التسميات بحرية وبدون أي قيد أو  حساسية أو اعتراض كأن يقول “لشانت دسوريايه أو دسورايي ” او يقولون ” لايتكلم السورث ” أو يتساؤلون ” لماذا لا تتكلم السورث “… وهكذ وعلى نفس المنوال يعطون لهذه التسميات دلالات قومية، ولكن بمجرد ما أن تترجم هذه التسميات  إلى اللغة العربية لتصبح ” السريان” او ” اللغة السريانية” حتى ينفجر شيطان الطائفية والقومانية والتعصبية فيهم ويقلبون الدنيا ولا يقعدوها على هذه التسمية وعلى من يتبناها كتسمية للغتنا القومية. والغريب العجيب بأن البعض يجعل من “الحبة قبة”، كما يقول المثل، فكلمة السريان، كما قلنا هي كلمة معربة من اللاتينية “أسريان” فلو طبق عليها القواعد العربية نرى بأن حرف (لام) هي شمسية مثل (الشمس) تكتب ولا تلفظ.
إضافة الى ذلك فأن هناك عدد كبير جداً  من الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية التي تناولت هذه اللغة ومنذ فترة طويلة كلها تستخدم نفس التسمية، وهي التسمية التي قد تصلح لتميزها من حيث مراحلها التاريخية المتطورة عن الآشورية القديمة ( الأكدية _ البابلية)، فالتطور التاريخي لهذه اللغة والذي أضفى عليها أن تسمى بـ “السريانية” لا تنقص إطلاقاً هذه التسمية أي إنقاص من قوميتنا أو يغير شيئاً من مقوماتها القومية، فهناك شعوب كثيرة في العالم تختلف تسمية لغتهم عن تسمية قوميتهم ولا تثير أية تساؤلات أو حساسيات بشأن ذلك، فكيف والحال مع الآشوريين ولغتهم السريانية والتي هي تسمية غير غريبة أبداً عنهم وظل الشعب الآشوري يستخدمها ولقرون طويلة من دون أي اعتراض أو احتجاج. فلو تسلح كل آشوري أو كلداني أو سرياني مهما كانت طائفته أو عشيرته أو قريته، بوعي قومي صحيح ومنفتح متجاوزاً لكل النزعات الطائفية والعشائرية والمصلحية، حينئذ سيرى بأن التسميات الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية والأرامية والسريانية هي كلها مصادر لتسمية شعبنا عبر مراحل تطوره التاريخي الطويل فرضت الظروف على تبني هذا الأسم في هذه المرحلة وذاك الأسم في تلك المرحلة، وهي الحالة التي تعكس عن الغنى الحضاري لشعبنا والذي خلدته عبر أجيال تاريخية طويلة وصعبة جداً. هذه الأسباب هي التي جعلت من هذه التسمية  مناسبة للغتنا في المرحلة الحالية وتتوافق مع ظروف أمتنا الحالية أكثر من توافق التسميات الأخرى لها والتي لو تبنيت في ظروفنا الحالية كتسمية للغتنا القومية للتعليم في المدارس الرسمية  لما حققت النتائج المرجوة منها وشذت رسالة أبناء أمتنا في تعليم لغتهم القومية عن طريقها الصحيح وأقتصر تعليمها فقط على طائفة معينة أو مجموعة محددة التي ترغب هذه التسمية وترفض تلك. لنتصور جدلا لو كانت اللغة سميت بـ “الآشورية”، كم من الكلدان أو السريان قبلوا هذه التسمية وأرسلوا أطفالهم إلى المدارس لتعلم اللغة الآشورية؟؟  والحالة نفسه أيضاً لو سميت اللغة بـ “الكلدانية” لقاموا الآشوريين بثورة رفض وإحتجاج ومقاطعة ولربما فضلوا أن يرسلوا أطفالهم إلى المدارس الصينية لتعلم الصينية بدلا من تعلم الكلدانية !!!. ولكن واقع الحال ومن عايش هذا الإنجاز العظيم وهو يتجسد على الواقع لشاهد بأم عينيه بأن التسمية السريانية لم تمنع أطفال أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين من الجلوس جنباً إلى جنب لتعلم لغتهم القومية.  من هذه المنطلقات نعتقد بأن التسمية السريانية للغتنا في المرحلة الحالية وإستخدامها في التعليم الرسمي، هي أكثر علمية وواقعية وتراثية ومتطابقة مع ظروف وجودنا القومي المعايش من غيرها من التسميات الاخرى، ولا  نجد في استخدامها أي اعتراض أو إعاقة في مواصلة التعليم بها حتى أرقى المراحل.
أمل أن نلتقي على الرف الخامس من أرشيفنا للمدارس القومية الآشورية في الأيام القليلة القادمة.

STAY SAFE MY FRIENDS

© 2020 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی