صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » حكاية جسر زاخــــــــــــو تأليف الخوري بولس بيداري: صبري يعقوب إيشو

حكاية جسر زاخــــــــــــو

تأليف الخوري بولس بيداري

ترجمة من السريانية الكلاسيكية: صبري يعقوب إيشو

زاخو (ܙܵܟܼܘ) تعني بالسريانية انتصار، وعلى بعد مسافة قصيرة منها تقع قرية تدعى بيدار (ܒܝܬ̄ܕܪܐ) والتي معناها بالسريانية محل الحرب وهذا يدل على أنه في عهد سابق قامت حرب في موقع القرية وكانت نهايتها أي الظفر بها في زاخو.
لقد عاش في زاخو في قديم الزمان أمير قوي وغني وصالح، كان يحب شعبه كثيرا وكان الشعب يحب الأمير كثيرا أيضا لأنه تنعم في ظل حكمه، وتفرغ الأمير للعمل من أجل شعبه وتحقيق احتياجاته.

اقترح الأمير ببناء جسر على نهر الخابور، لأن النهر كان يفيض أغلب أيام السنة ولم يتمكن الناس من العبور إلى الجانب الآخر أي الجانب الذي يقع فيه جبل قردو ومناطق الزوزان أي المصايف موطن شجر البلوط، المروج وينابيع المياه العديدة حيث ترعى المواشي التي كانوا يأتون بها من السهول في وقت اشتداد الحر في الصيف.
في الزوزان كانت تحضر الأجبان والاسمان التي لا نظير لها في العالم كله لدسمها ومذاقها اللذيذ، وهناك أيضا كانت تفطم الضان وتبقى هناك حتى وقت العودة إلى السهول في موسم الخريف، ولم يكن أصحابها يعرفونها للتغيير الحاصل عليها.
لهذه الأسباب أي لمساعدة شعبه ولترك ذكرى طيبة للأزمان قرر الأمير إنشاء الجسر على ذلك المانع النهري، وأمر بجمع مواد البناء والحجر المنحوت وجلب المهندسين والبنائين الماهرين والمشهورين في البلد، وشرعوا بالعمل في منطقة الصخور الضخمة والقوية إلى الشمال من زاخو بمسافة ميلين.
استمر العمل بنجاح وصعود من دون صعوبات، وكان منظره مدهشا حتى أن وصل إلى القمة أي إلى نهاية العقدة الوسطية العليا، ووصل إلى مرحلة ختام العمل أي لضبط الفتحة الأخيرة من القنطرة، فلم يتم ذلك حيث سقطت الصخرة الأخيرة وحاول المهندسون والبناؤون مرة واثنتين وعشر ولم تقف الصخرة الأخيرة بل زلقت وسقطت بقوة من يد البنائين في العمق وحزن الجميع في قلوبهم وغضب الأمير جدا وصرخ في البنائين قائلاً: ما هذا؟ ما الخطأ في الإنجاز الذي لم يتم؟ ما هو سبب هذا العائق؟

رد البناء بألم وخوف: لا أقدر ولا أتجاسر على القول. نادى الأمير في وجهه مهدداً: قل وإلا سآخذ روحك. أجاب البناء: هناك خطأ كبير في الوسط. قال الأمير: ما هو؟ تكلم بسرعة وأفصح عن السر الذي لا تقدر أن تقوله. قال البناء بفزع: العمل يتطلب نفسا ً حية.
ماذا؟ وضح.
أجاب: ليعش سيدي إلى الأبد، هذا الجسر لن يقوم ولن ينتهي بناؤه إلا إذا وضعت فيه نفس
حية. قال الأمير: أية نفس؟ أجاب: أية نفس تتجه أولاً نحو الجسر.
أقسم الأمير اليمين أمام كبار إمارته وطلب أن يراقبوا أية نفس تخرج في الصباح الباكر من زاخو وتصل الأولى إلى الجسر فهي التي ستوضع فيه.

كان للأمير بنتًا وحيدة، كانت تحبه كثيراً وهو أيضا كان يحبها حباً جماً وكانت تفوق قريناتها فتيات البلد بجمالها الساحر وأخلاقها الحميدة، فجأةً خطر والدها على بالها واشتاقت للذهاب لرؤيته ومشاهدة الجسر وكيف يسير العمل فيه وكان لها كلب تحبه كثيراً وهو كذلك كان متعلقاً بها. عندما خرجت الفتاة باتجاه الجسر تبعها كلبها وصلا معا إلى منطقة الجسر ولكن قبل أن يصلا الجسر فجأة بدأ الكلب يمرح أمامها.
أبصرت الفتاة ورأت والدها وكبار رجال الأمارة يضحكون ظنت بأنهم يسخرون منها، فدفعت بالكلب إلى الوراء وسبقته ووصلت الأولى إلى الجسر، ولما رأى الأمير ورجاله تألموا وحزنوا كثيراً وبدأ الأعيان يخمنوا عما سيفعله الأمير. بعد فترة قصيرة من الحزن والألم أمر الأمير البناء بوضع البنت في الجسر، وبدأ الحاضرون يقنعوه بألا يفعل ذلك ويرفق بالشابة ابنته، إلا أنه رفض ذلك،
وجربوا أكثر من محاولة في طلبهم لثنيه، لكنه رفض ذلك وأصر على رأيه وأمر البناء أن يدخل الفتاة في البناء من دون تأخير، ألبناء أيضا شرع يتضرع ويتوسل بإلحاح ألا يجبرها على هذا الأمر، إلا أنه لم ينقاد.
أمسك البناء بالفتاة بالهول والخوف الرهيب ليضعها في الجسر.

ردت الفتاة ببكاء وترجت الرحمة من والدها بألا يهلكها وقالت: والدي، أنا ابنتك، لا تقرر نهايتي من هذا العالم. والدي كم كنت تحبني، كيف ترضى بقتلي وهلاكي؟
والدي أرجوك ألا تفعل هذا معي، وارفق بوالدتي التي لا تقوى على فراقي وأنت ستكون السبب في موتها.
أجاب الأمير: ابنتي، أحبك بلا حدود لكن يجب أن تموتي، أولاً لأني أقسمت اليمين، ثانياً من أجل المنفعة العامة والمهمة لشعبنا من هذا الجسر، ولا يستقيم العمل ولن يتم من دون موتك أنت وليس شعبي. شرعت الفتاة تتنهد وتبكي وتتوسل. ألأمير أصر على رأيه ولوح للبناء بوضعها في الجسر بسرعة، وإلا قطع رأسه. لما تأكد للفتاة انه لا خلاص لها قالت لوالدها: والدي، لأنك قد جزمت ولا يمكن إلا أن أموت، لي طلب واحد منك، قال: أطلبي ما تشتهي نفسك وأنا أنفذه. فقالت: عندما تضعوني في الجسر أطلب أن تتركوا لي نافذة واحدة بمواجهة المدينة لأتنسم منها الهواء وأشبع نظري من مدينتي المحبوبة زاخو.
قال: ليكن ما تريدين.
أمسكوا بالفتاة ووضعوها في الجسر وهي تبكي وتولول، وكل المشاهدين والجبال بكوا معها ولما سمع أهالي زاخو بحبس الفتاة في الجسر عم الأسى في المدينة كلها وكأنما لو كان في كل بيت ميتا. وزاد الغم في كل مكان وصعدت الولولات عالياً.
اجتمعن فتيات زاخو وتوجهن نحو الجسر وهن تولولن وتخدشن وجوهن وتنتفن شعرهن وتضربن على صدورهن، ولما وصلن الجسر وجهن نظرهن نحو النافذة وحيين دلي (اسم ابنة الأمير) وهن تبكين. أجابت: وضعوني هنا ولا أقدر أرد لكن التحية، اذهبن بالسلام ولا تنسين دلي بأفراحكن وأعراسكن. أجبنها: كيف يمكننا أن نفعل ذلك؟ إننا لن ننساك إلى الأبد وأية حفلات لنا من دونك يا حبيبتنا؟ لتحرم الحفلات من بعد

جسر زاخو جسر عظيم وقوي ومرتفع جدا، بحيث لا يستطع أحد أن ينظر من سقفه نحو الأسفل حيث لو فعل لأمسكه الدوار وتأخذه الحيرة والعجب.
هناك نقص واحد في هذا العمل العجيب ألا وهو عدم وجود أية كتابة عليه تقر بمن بناه والعهد الذي فيه تم إقامته. لذلك كثرت الآراء حول قصته، هناك من يقول بأنه من إنجاز الرومان مما لا أقبله لأن الرومان لم يسيطروا أبداً على هذه المنطقة، آخرون يقولون بأن اليونانيين بنوه. ولا هذا الأمر قائم ولا يصدق لأن اليونان مع إسكندر الكبير ملكوا في بابل ولم ينتشر سلطانهم إلى هذه المناطق، وآخرون يظنون بأن الفرس أقاموه ولا هذا يعقل لأن ليس للفرس طريقا من هنا بل طريقهم يمر كثيراً إلى الجنوب من هذه المنطقة.
ويقال بأنه من عمل العباسيين كما يسمى الآن بالجسر العباسي وهذا أيضا أمر غير مقبول لأنه لم يكن للعباسيين أي أمر يجعلهم يترحلون في وديان نيروه وقردو.

بقي لنا أن نقر بأن هذا الإنجاز هو من عمل الآثوريين القدامى لأنهم تعودوا على تسلق تلك الجبال الوعرة بين الحين والآخر وذلك للسيطرة على بلدان الشمال والتاريخ يشهد بأن الآثوريين احتلوا وسيطروا سبع مرات على مدينة وان عاصمة الأوررديون (ܐܘܪܪ̈ܕܝܐ)؛
ويقال بأن دلي لم تكن ابنة أمير زاخو بل كانت كنته، والحقيقة تنفي هذا الرأي لثلاثة أسباب، أولاً: لأنه كان للوالد حق قتل ابنته والرجل في قتل زوجته ولكن لم يكن للحمو أي حق في إماتة كنته في ذلك العهد.

ثانياً: يقال في هذا الرأي أنه كان لدلي طفل رضيع وليس من المنطق والمعقول بأن يأمر الأمير بقتل أم طفل رضيع.
ثالثاّ: لم تكن في العادة ولا سيما في تلك العهود بأن يسمح للكنة الخروج لوحدها إلى جموع الرجال بسبب الكرامة وعزة النفس. إذن دلي كانت ابنة الأمير ولم تكن كنته.
الجسر العجيب هذا يقترب من السقوط بمرور الزمن ما لم يصان وتصلح الأماكن التي خربت مع الزمن.
أسم البنت هو دلي وليس دلالي كما يقول الأكراد ودلالي تعني عزيزة فقط.
نعمَ الألحان الشجية والعذبة التي كانت تنشد من قبل فتيات البلد كانت تتم عندما كن تجرشن السليقة وتعملن البرغل وهن تنوحن وتغنين قصة موت دلي، لأن حجر الجاروش كان ينشر أصواتهن الرفيعة، والآن لم يبق لا الجرش ولا الجاروشات بل كل شيء تغير إلى العكس
لا سيما كل العادات والأنظمة والتصرفات النقية والصافية القديمة.
يلزم على المرء أن يفكر بما سيحل بالعالم بعد ألف سنة أو بعد عشرة آلاف سنة؟ وماذا بقي من القوانين والشرائع والسلوك القويم التي سادت لسنين ودهور. ها هي الأرض بما فيها وعليها تعود من جديد إلى البداية، ويح للإنسانية بما ترى وإلى أين تصل.

عن كتاب مقالات وقصائد مختارة
من منشورات مجمع اللغة السريانية
بغداد 1977

© 2020 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی