صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » الرف الأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية – 7 الرف الأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية – 7/أبرم شبيرا

أبرم شبيرا
ما هو المسـتقبل:
———-
خلال مسيرة التعليم السرياني كان هناك بعض التساؤلات تدور في خلد بعض من أبناء امتنا بخصوص مستقبل خريجي المدارس السريانية، ويمكن حصر هذه  التساؤلات بما يلي :
القسم المتشائم منهم يقول: أنه جيد أن يتعلم أطفالنا لغة الأم، ولكن ما الفائدة، غداً سيأتي صدام حسين بقواته ويكتسح المنطقة ويقضي على كل المنجزات التي تحققت في المنطقة بما فيها التعليم السرياني، لهذا السبب يرى هؤلاء بأنه تضيع للوقت والجهود، ويرددون كثيرا ويقولون “حرمات على الشباب أن يضيعوا عمرهم في هذه المسائل”. و البعض من هؤلاء كانوا مستمرون على نفس “الاسطوانة” منذ عام 1992 وأطفال آشور أيضاً مستمرون في التعليم السرياني وفي اجتياز المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة وغدا سيجتازون المرحلة المتوسطة إلى الثانوية وبعد غد سيكونون على أبواب الجامعة الآشورية. وهؤلاء المتشائمون ظلوا في مكانهم في انتظار قدوم قوات صدام التي ولت ومن غير رجعة. هذه مسألة سياسية بحتة ولا نرغب مناقشتها حرصاً على طهارة لغتنا القومية ونبالة الهدف من التعليم بها في المدارس الرسمية في شمال وطننا الحبيب، سوى أن نقول لهم بأنه من الأفضل لهم أن يضيئوا شمعة بدلا من لعنة الظلام وأن الانتظار يولد السأم واليأس في حين يخلق العمل الهمة والتفاؤل بالمستقبل، خاصة مستقبل أطفال آشور المستهدفين من عملية تعليم لغة الأم .

أما القسم الأخر من المتسائلين فهو الذي يعمل وفق معياره الشخصي في الربح والخسارة مهما كانت الأمور ذات نفع عام للأمة ولمستقبلها.  فتقيمه لهذا النفع وتقديره لمصلحة الأمة لا يتم إلا بمقدار ما يتحقق من منفعة وخسارة لمصالحه الشخصية. فمثل هؤلاء كان يرون بأن التعليم السرياني “لا يوكل الخبر”(+) للطلاب الذين يدرسون جميع مناهج التدريس الرسمية بلغتهم القومية لأن مستقبلهم العلمي مجهول وغير مضمون إذ يصبح من الصعب عليهم دخول الجامعة بسبب جهلهم أو ضعف إتقانهم لللغات الأخرى، وبالتالي سوف يحرمون من مواصلة تعليمهم العالي ومن ثم لا يوفقون في الحياة العملية والمعيشية ويكون الفشل والإحباط مصيرهم. ولهؤلاء لا نقول شيء غير أن نرشدهم إلى الكتاب المقدس ليهتدوا به وليعلموا (إن الحياة أكثر من مجرد طعام، والجسد أكثر من مجرد كساء)  لوقا 12:23. لأنه مهما قيل فهؤلاء لا يقنعهم شيء ما لم يحقق مصلحتهم الشخصية.
وهناك قسم أخر من المتسائلين الذين يملكون أقل الإيمان ويفتقرون في عين الوقت إلى الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات المصيرية لأمتنا لذلك يقول هذا النفر من المتشككين بقدرات الأمة بأنه من الأفضل الاكتفاء بتدريس السريانية لأطفالنا كلغة فقط وضمن مرحلة دراسية معينة، كالابتدائية مثلاً، دون شمولها مراحل أخرى متقدمة أو استخدامها كلغة علمية في تعليم مناهج التدريس المقررة في المدارس العامة لأن لغتنا القومية فقيرة وغير قادرة على مجارات المصطلحات والتطورت العلمية. ومثل هذا التساؤل يتداخل أيضا مع مجموعة أخرى من التساؤلات النابعة أصلاً من القلق والحرص على مستقبل طلاب المدارس السريانية، خاصة بالنسبة للمدارس التي جميع مناهج التدريس فيها باللغة السريانية، لا سيما بعد تخرجهم والاستعداد لمواصلة دراستهم الجامعية ؟؟.  الإجابة على مثل هذه التساؤلات،  التي قد تكتسب في  بعض جوانبها نوع من الشرعية في طرحها، تكمن فيالاحتمالات التالية :
أولا: الاحتمال القائم على الطموح العظيم في تأسيس جامعة آشورية أو أقسام للغة السريانية في الكليات الأخرى، وهو طموح قد يبدو في الوقت الحاضر  صعب التحقيق خاصة بالنسبة للجامعة الآشورية، ولأسباب مختلفة ومعروفة إلا أنه ليس بالمستحيل، فإمكانية تحقيقه واردة في المستقبل لو توفرت الإرادة القومية الصلدة مع توفر بقية المستلزمات السياسية والتقنية والمادية الضرورية لتأسيس مثل هذه الجامعة واستمرار الدراسة فيها. فإذا كانت ظروف اليوم تجعل فعلاً مثل هذا المطمح الكبير صعب التحقيق في ظل الإمكانيات والظروف المتاحة وتجعل أمر التفكير الجدي به سابق لأوانه، إلا أنه في  يوم غد عندما يبدأ قطار التعليم السرياني بالوصول إلى محطته الأخيرة من المرحلة الثانوية  وقبل أن يجتازها أبناء أمتنا سيكون يوم الحسم في تقرير مصير الجامعة الآشورية مطروحاً للنقاش ومن ثم التفكير للتحقيق والتنفيذ. فتجربة اجتياز التعليم السرياني للمرحلة الابتدائية إلى المتوسطة والصعوبات المختلفة التي أحيطت بها والتحديات المصرية التي اكتنفتها لازالت ماثلة أمام أبناء شعبنا وغنية بتجارب مفيدة ومثمرة ستسهم بما لا يقبل الشك في إغناء التحدي الكبير الذي سيواجه أبناء شعبنا عند وصول قطار التعليم السرياني إلى المحطة الجامعية واجتيازها وبنجاح. ولعل قد يفيد أن نقول بأن الجامعة الكاثوليكية الحالية في عنكاوة قد تفي بهذا بجزء من هذا الغرض في هذا الوقت. من هنا نقترح أن يكون هناك نوع من التنسيق والتعاون بين الجامعة الكاثوليكية ومديرية التعليم السرياني بهدف تعزيز لغتنا القومية والتي هي أيضا لغتنا الكنسية المشرقية بكل تفرعاتها

ثانياً : احتمال مواصلة خريجي المرحلة الثانوية من التعليم السرياني نحو المرحلة الجامعية في الجامعات والكليات المتوفرة في المنطقة. فالدراسة في الجامعات هي باللغة الإنكليزية فيما يخص الأقسام العلمية وفي استخدام المصطلحات العلمية بشكل عام أما الدراسة في الأقسام الإنسانية فتستخدم العربية والكردية وحسب المواد والتخصصات. قد يظهر للوهلة الأولى بأن مشكلة اللغة ستكون عائقاً أمام الطلبة المتخرجين من المدارس السريانية ولكن في حقيقة الأمر غير ذلك، إذ إن جميع هؤلاء الطلاب يجدون هذه اللغات وتعلموها في المراحل السابقة. وقد تكون بعض الصعوبة في الاشهر الأولى من السنة الدراسية إلا أنها سرعان ما تزول بمرور الزمن، وهي الحالة التي عايشها معظم الطلاب في العراق عند دخولهم الجامعة وخاصة الأقسام العلمية التي كانت مناهجها باللغة الإنكليزية، لذلك لانعتقد أن تكون مشكلة عويصة لخريجي المدارس السريانية عند وصولهم إلى المرحلة الجامعية، خاصة وهم أطفال ومنذ الآن  يجدون اللغات العربية والكردية وقليلاً من الإنكليزية ويتفوقون على غيرهم في الامتحانات النهائية العامة في المنطقة. والجدير بالإشارة إلى الظاهرة التي يتميز بها أبناء شعبنا الآشوري بشكل عام والطلبة منهم بشكل خاص هي قدرتهم المتميزة على تعلم اللغات، وهي الظاهرة التي تميزوا بها ليست كصفة أو موهبة خاصة أو حصراً بهم فقط وإنما اكتسبوها بسبب انتماؤهم القومي الأقلوي (من الأقلية) وهي الصفة التي تجعل لأبناء الأقليات قدرة خاصة في تعلم لغة الأكثريات وبالتالي يتقنوا، بالاضافة إلى لغتهم القومية، لغات محلية أو دولية أخرى. وقد يتذكر الكثير من أبناء شعبنا كيف كان الطلبة النازحون من المنطقة الشمالية للعراق في بداية الستينات أو الذين كانوا ضمن تجمعات آشورية شبه مغلقة، كالحبانية وحي السكك في بغداد وأحياء أخرى في كركوك وأربيل، كيف كانوا ضعفاء في اللغة العربية أو لا يجدونها بطلاقة ولكن سرعان ما تعلموها عندما دخلوا المدارس الثانوية والجامعات وحقق البعض منهم نتائج متفوقة جداً والأخر أصبح أديبا أو شاعراً أو كاتباً يكتب بالعربية. وحتى في هذه الأيام ، خاصة في المناطق ذات التعدد القومي كدهوك وكركوك وأربيل، قلة ما نشاهد أبناء شعبنا، خاصة الشباب والشابات منهم، لا يعرفون أكثر من لغة محلية إلى جانب اللغتين العربية والإنكليزية.

ثالثا: هناك بطبيعة الحال احتمالات أخرى مختلفة باختلاف الظروف الشخصية لكل طالب ونوعية اهتماماته العلمية وبمدى الوعي القومي لأولياء أمورهم، ولكن في جميع الاحتمالات الواردة لمستقبل الطالب المتخرج من المدارس السريانية تجعله مستقبلاً مبهراً ليس لمصالحه الفردية فحسب بل لمصلحة الأمة أيضاً، حيث سيظل حتماً محتفظاً بلغته القومية التي تعلمها في المراحل السابقة للدراسة الجامعية حتى في أسوء الاحتمالات المؤدية إلى مستقبله التعليمي، وربما سيكون ضليعاً بها تكفيه لخوض معترك الحياة الثقافية والفكرية وتضعه في مواقف مشرفة معتزاً بلغته التي سيتباهى بها كثيراً عندما يكتب بها رسائله ومقالاته وبحوثه وهو الهدف المتوخى من التعليم السرياني في شمال العراق، ويصبح وبحق وحقيقة مثقفاً آشورياً بكل معنى الكلمة، حينذاك سيصبح مستقبل هذه الأمة أكثر تفاؤلاً وإشراقاً للنهوض القومي والحضاري، ذلك لأنه لا نهوض لأمة من دون نهوض مثقفيها.
وأخيرا من المفيد أن أشير في هذا السياق مسألة شخصية، فخلال زياراتي المتكررة للولايات المتحدة الأمريكية وأثناء إنعقاد الكونفنشن للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي للعام الماضي، ألتقيت بشابين من خريجي مدرسة نصيبين الثانوية المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية فعرفت من أحدهم بأنه مرشح لنيل وظيفة في مكتبة أحدى الجامعات الأمريكية قسم اللغات الشرقية للتعامل والبحث في الكتب القديمة لبلاد الرافدين من بابلية – آشورية وسريانية وأرامية. أما الثاني فكان ينتظر نتيجة قبوله في جامعة لإكمال دراسته في اللغات السامية، فبعد اللقاء تذكرت مناضلي أمتنا في الوطن الذين ثبتوا صرح لغتنا القومية وزرعوها في مثل هؤلاء الشباب. ألف شكر وإمتنان لهم.

تقييم واستنتاج:
———-
وأخيراً، وحتى لا نهرب من الحقيقة مهما كانت مره ومؤلمة، يفرض التزامنا القومي علينا أن نواجهها دون خوف أو ترد، وهي الحقيقة المتمثلة في ظاهرة الهجرة التي تنخر بمقومات وجودنا القومي في أرض الوطن، والتطرق في ضوء نتائجها المريرة إلى مستقبل التعليم السرياني وطلابه. فالهجرة ظاهرة لها أسباب تاريخية متجذرة في نفوس أبناء الأمة كما لها أسباب موضوعية معاصرة مؤثرة وبشكل عميق في عقليتهم وتوجهاتهم وسلوكهم بحيث يصبح موضوع إيقافها في ظل الظروف الراهنة والحيلولة دون هجرة أبناء شعبنا لأرض الوطن مسألة تقارب المستحيل. ولكن التخفيف من حدتها هي مسألة أخرى قد يمكن التعامل معها بإيجابية تتوافق مع عقلية ومصالح أبناء شعبنا في المنطقة، وهي مسألة لا نسعى التطرق إليها في موضوعنا هذا حرصاً على حدوده، ولكن الذي يهمنا منها هو التساؤل الذي قد يثار بخصوص مستقبل طلاب التعليم السرياني في ضوء الهجرة القائمة، إذ قد يرد تساؤل عن مدى فائدة دراسة الطلاب لغتهم القومية طالما الهجرة بانتظارهم لقلعهم من مقاعدهم الدراسية ورميهم في عالم الغربة.
هذه الحقيقة المره مهما تعاملنا معها أو حاولنا علاجها فإن نتائجها حتماً ستكون مره أيضاً، ولكن للتقليل من مرارتها القاتلة  نقول بأننا طالما نحن أبناء اليوم ونعيش ونتعامل مع واقعنا الحالي فأن إيماننا برسالة أمتنا حتى في الحدود الدنيا للمكاسب والحقوق التي تحققت لها يفترض علينا أن نتمسك بها دون اعتبار لحجم هذه الحقوق والمكاسب لإن الحق يقاس بمبدئيته وأهميته لأبناء الأمة وليس بحجمه. من هنا نقول بأن حق التعليم بلغة الأم والذي تحقق لشعبنا يجب أن لا نتنازل عنه إطلاقاً بل سنتمسك به تمسكاً مستميتاً حتى ولو كان طالباً واحداً يدرس في مدارس التعليم السرياني. هذا من ناحية، وهناك مسألة أخرى ربما تكون بسيطة لكن لها مضامين مستقبلية خطيرة فيما يخص مصير أبناء أمتنا في المهجر. فمن المعلوم والواضح بأن واقع أمتنا في المهجر يثبت بأنها عاجزة عن تعليم اللغة القومية إلى أبنائنا إن لم نقل بأنه عاجزة كليا عن تخريج شاعر أو أديب أو كاتب. فالواقع المهجري قادر كل المقدرة على ابتلاعهم وصهرهم في المجتمعات الغربية. فمن الملاحظ بأن معظم شعراء وكتاب وأدباء مجتمعنا في المهجر هم من الذين تعلموا لغتهم القومية في الوطن سواء في الكنيسة أو في المدارس الخاصة أو في بيوتهم، وتعليمهم لم يكن أكثر من دراستها كلغة، فكيف والحال إذا هاجر طفل أو شاب درس جميع المواد العلمية باللغة السريانية؟، فمما لا شك فيه أن انصهار وضياع هذا الطفل أو الشاب سيكون أصعب بكثير، إن لم يكن مستحيلاً، في مجتمعات المهجر في مقارنته مع غيره من أبناء مجتمعنا الذين لم يدرسوا لغتهم القومية، وهذه هي إحدى نتائج التعليم السرياني مأخوذاً بأسوء الاحتمالات المستقبلية، فكيف والحال إذا كنا أكثر تفاؤلاً بالمستقبل وتخرج الطالب من الدراسة الثانوية من مدرسة نصيبين، أي درس كل المواد المقررة في الثانوية العامة بلغته القومية ؟؟؟  فمما لا شك فيه فأنه سيكون، شاعراً أو أديباً أو كاتب لأمتنا في المستقبل أن لم يكن عالماً أو أخصائيا يستطيع كتابة بحوثه بلغات عالمية إلى جانب لغته القومية. أي يمكن القول بأن النتائج المستقبلية للتعليم السرياني، بمنظورها، حتى التشائمي، سوف تحصن الطفل أو الشاب الذي يهاجر مع أهله أرض الوطن من الضياع والذوبان في مجتمعات المهجر أكثر بكثير من أي طفل أو شاب لم يتعلم في المدارس السريانية. هذا فيما إذا افترضنا خضوع هذا الشاب أو عائلته لسطوة ظروف الهجرة ومن ثم ترك الوطن نحو المهجر. أما لو نظر إلى مستقبل التعليم السرياني بمنظوره القومي الاستراتيجي التفاؤلي لوجدنا بأن النتائج التي سيحققه التعليم السرياني لأطفالنا ستكون هي الضامن الأقوى لصيانة أمتنا من الضياع والذوبان والسند الأكبر لاستمرار تواصلها نحو آماد مستقبلية أبعد بكثير مما نتصورها ضمن الظروف الصعبة التي تحيط بأمتنا.
ولكن مهما فرضنا احتمالات تشائمية في مستقبل أمتنا فأن هذا لا يحد من عزيمة دفع قطار التعليم السرياني على مسيرته الخالدة وتزويده بوقود حياتنا من أجل استمرارها حتى تحقيق الأهداف التي يفرض علينا ضميرنا وواجبنا القومي تحقيقها مهما كلف ذلك حتى  نوصلها وبأمان إلى تلك المرحلة التي تستطيع الأجيال اللاحقة قيادتها نحو أهداف أبعد من التي حققناها لكي يستمر قطار الأمة المتواصل عبر آلاف السينين… المتواصل عبر مدرسة أربائيلوا الاتبدائية في عنكاوا ماراً بمدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك ثم الثانوية حتى عبور الجامعة الآشورية ومن بعدها نحو آفاق أبعد فأبعد والتي ستكون الأساس المتين في خلود الأمة وضمان سرمدية وجودها. فإذا كان أي آشوري، أينما كان سواء في أرض الوطن أم في خارجه، يشعر بأنه جزء من هذا التاريخ، إذن فعليه واجب يفرض المساهمة في استمرار تواصل هذا التاريخ من خلال تواصل مسيرة قطار التعليم السرياني، وهي مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق كل واحد منا دون استثناء، لأن الاستغناء تلغي هوية الشخص الآشورية ويطرحها خارجاً لا بل ويزيلها من الوجود.
ملاحظات وتعليق على التعليقات:
——————-
قبل أن نعلق على بعض التعليقات التي وردت على الموضوع ونحن في خاتمته وسعياً للتوضيح وإزالة سوء الفهم أو الإرتباك في قراءة وفهم هذا الموضوع، أود أن أؤكد مايلي:
ملاحظات:
——
أولا: كل المعلومات الواردة في هذا الموضوع هي بشكل عام من الكتيب الذي صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن عن التعليم السرياني في شمال العراق الذي سبق الإشارة إليه. وفي حينها صدر الكتاب بأسم “أصدقاء مدرسة نصيبين” إعتزازا بهذه المدرسة من جهة وأظهاره كمساهمة جماعية من قبل المعنيين بالتعليم السرياني من جهة أخرى. لهذا نرى في بعض الأحيان تأتي الجمل والمفردات مرة بصيغة الجمع ومرة أخرى بصيغة المفرد الشخصي.
ثانيا: كما ذكرنا، الكتيب صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن، وهي فترة زمنية طويلة ظهر فيها الكثير من التطورات والتغييرات والتحديات التي أثرت بشكل عام على جميع مناحي حياة شعبنا كما أثرت بشكل مباشر على التعليم السرياني، سواء بإزدياد عدد المدارس خاصة الثانوية منها، أو بسبب تأثير الهجرة على عدد الطلاب.
ثالثا: من دون أدنى شك فقد يلاحظ القارئ اللبيب بأن الإشارة إلى التسمية الآشورية أكثر بكثير من التسميات الأخرى، والغرض من ذلك ليس إطلاقاً التقليل من تسمياتنا الحضارية الأخرى، الكلدانية والسريانية، بل هو مسايرة للواقع المعايش في تلك الفترة حيث كان التسمية الآشورية هي الطاغية على كل النشاطات القومية، وبالمقابل كان هناك نوع من التردد أو التحفظ في إقحام الكلدانية أو السريانية في مسائل قومية غير مرغوبة لأبناء وزعماء هاتين التسميتين، خاصة في ظل نظام إستبدادي دكتاتوري.
رابعا: النجاح الذي حققه التعليم السرياني لم يكن ممكناً إطلاقاً لولا: أولا: وجود كيان قومي أو حزب سياسي جماهيري وفاعل ومعبر عن حقيقة الأمة وطموحاتها كالحركة الديموقراطية الآشورية وقدرتها على التفاعل والتعامل مع القوى السياسية الفاعلة في المنطقة لتحقيق طموحات الأمة التي تمثلت في التعليم بلغة الأم. وثانياً: توفر حد أدنى من هامش ديموقراطي وفرته القوى السياسية في المنطقة وأستطاعت تفهم طموحات أمتنا في تلك الفترة وبفعل الرسالة التي تمكنت زوعا من إيصالها للمسؤولين لإقرار حق أمتنا في التعلم والتعليم بلغتها القومية. ولو حاولنا مقارنة هذا بالحقوق الثقافية التي أقرها نظام البعث في العراق للـ “الناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان” عام 1972 نرى بأن الإفتقار إلى هاتين العاملين، تنظيم سياسي قومي نشط وفاعل وغياب الأجواء الديموقراطية سببا فشل ممارسة هذه الحقوق بالشكل الذي يخدم أمتنا في تلك الفترة خاصة بعد أستغلالها من قبل نظام البعث لأغراضه السياسية.
التعليق:
——-
من الضروري جداً أن نؤكد تأكيداً مشدداً بأن أي تعليق أو نقد لا يقوم على إحترام المقابل هو أمرُ مرفوض ولا قيمة له في حساباتنا الموضوعية لأن الإحترام هو أساس التعامل الصحيح بين الناس.  فالإحترام لا يدل على الحب والتقدير وعلى التحضر فحسب، بل على حسن التربية والسمو الخلقي، أي بهذا المعنى إحترام الناس ومنهم الكتاب والمساهمين في هذا الموقع الألكتروني واجب إخلاقي يفرض الإلتزام به حتى وأن لم تكن هناك بينهم محبة ووئاق. من هذا المنطلق يتحدد ردنا على التعليقات والإنتقادات على المواضيع التي نكتبها ومنها هذا الموضوع في التعليم بلغة الأم. فإحترامنا مضاعف لكل منتقد أو معلق أحترم نفسه قبل أن يحترمنا. فألف شكر لكل الذين أتبعوا أسلوب إحترام الآخر في التعامل مع الموضوع، فبأسلوبهم هذا أغنوا الموضوع كثيراً وعززوه بمعلومات مفيدة وصور جميلة وكتب قيمة رسخت من عظمة لغتنا القومية. أما الذين خرجوا عن هذا الأسلوب الحضاري وتجاوزوا الإحترام في تعاملهم مع الموضوع فإن أحترامنا لهم يبقى دائماً قائماً ونسعى بكل جهدنا للحفاظ عليه وعن طريق عدم الرد عليهم، فلعل يتعضون ويدركون بأننا لا نرغب إطلاقاً تجاوز  حدود دائرة الإحترام كما يفعلون هم.
هناك نقطتان مهمتان في سياق التعليم يستوجب ذكرها إليهما:
الأولى: الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وذراعها الخيري (الجمعية الخيرية الآشورية)، حيث ورد أسمها كثيراً في الموضوع وتبين بشكل أو بآخر بأنها كانت البطل الحقيقي والفارس المغوار للتعليم السرياني في شمال الوطن. وعجبي كبيراً بعدم ورود أي تعليق أو نقد أو تهجم عليها، خاصة من الذين يقفون على الجانب الآخر من البحر، كما هي العادة. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل هذا “السكوت” على نوع من الرضى والإعتراف بالإنجاز العظيم الذي حققته زوعا ومن وقف معها من أبناء شعبنا كما هو إقراراً بتحدياتها وبطولاتها في هذا السياق. والحق يقال فلولاها لما كان التعليم السرياني قد قام على أسس موضوعية ثابة وسار على خطى موثوقة حتى وصوله إلى هدفه المبتغاة. ولكن … ولكن مع إلتزامنا الكامل بقول الحق والحقيقة نقول بأن زوعا الأمس غير زوعا اليوم، لا بل ونحن في هذه المقارنة بين الأمس واليوم، نقول أيضاً للحق والحقيقة بأن التحديات الداخلية والخارجية ليوم أمس هي غيرها في هذا اليوم وبالتالي وبنظرة موضوعية ستكون أنجازات اليوم مختلفة في مقارنتها مع بطولات وإنجازات الأمس. موضوع نتركه لمناسبة أخرى.
الثانية: لماذا لغة سريانية؟؟ أمتعض بعض القراء الأعزاء، الذين نكن لهم إحترامنا الكبير، أمتعض وتنرفز من تسمية لغتنا بـ “السريانية” منطلقين من أفق ضيق جداً في مقارنته مع عظمة تعليم لغتنا القومية والنتائج التي تحققت لجميع أبناء أمتنا بغنى عن هذه التسمية أو تلك. ولكن مع الأسف الشديد لم يستطيع هؤلاء إستيعاب الأهمية القصوى للتعلم بلغتنا القومية بسب ضيق أفقهم القومي. في هذا السياق يتبادر إلى ذهني القصة التالية:
يروى بأن هنري فورد (1863 – 1947) أبو صناعة السيارات الأمريكية ومخترع سيارة فورد المعروفة كان يشرح لفلاح كيفية عمل سيارته بالبترول وبالإحتراق الداخلي للمكابس والمحرك، وبعد جهد جهيد في الشرح والتفصيل، عاد الفلاح مستغرباً وسأل فورد وقال له: طيب شرحت كل شيء عن مركبتك ولكن لم تقل لي أين ستربط الحصان؟؟؟. هكذا هو حال بعض الأخوة عند قراءة بعض المواضيع ومنها موضوعنا عن التعليم السرياني في شمال الوطن. فعلى الرغم من الشرح المفصل عن أسباب تسمية لغتنا بالسريانية يعودون ويسألون لماذا سميت لغتنا القومية بالسريانية؟ وأنا أعيد وأكرر وأقول:
أولا: قانون وزارة التربية الخاص بتعليم أطفالتنا لغتهم القومية كان قد سماها اللغة السريانية وطبقاً لذلك تأسست المدارس السريانية والمناهج السريانية والتعليم السرياني وهكذا. هذه حقيقة واقعية ورسمية فلا يمكن إطلاقاً تناول الموضوع بصيغة أو تسمية أخرى كأن نقول اللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية فهذا مخالف لواقع الحال ولا يمكن إطلاقاً القفز من فوقه ونحن بصدد تناول المسألة موضوعياً وليس لإعتبارات شخصية ضيقة أو طائفية مقيتة متجاهلين أهمية التعلم بلغة الأم. السريانية حققت نجاحاً عظيما فتصور أين كنًا نجد مثل هذا النجاح لو كانت التسمية آشورية أو كلدانية، وهذا سبق وشرحناه في الأقسام السابقة، ولكن يظهر للبعض بأن نرجسيتهم أعظم بكثير من النتائج العظيمة التي حققها التعليم السرياني، وهو الأمر الذي يجعلهم مستمرين بالسباحة في فنجان قهوة.
ثانياً: إيماني المبدئي والمطلق القائم على الحقيقية الموضوعية والتاريخية والفونولوجية هو أن التسمية السريانية أو السريان هي لفظة أغريقية – إنكليزية  للأسريان (Assyrian) والذي سبق وأن فصلنا ذلك في الأقسام السابقة. قبل ما يقارب (25) قرنا من الزمن قال هيرودوت أو هيرودوتس (484 ق.م – 425 ق.م) المؤرخ الإغريقي الكبير، قال في كتابه المشهور (تاريخ هيرودوت) الذي زار بلاد ما بين النهرين وألتقى بالجيش الآشوري المنظم إلى الجيوش الفارسية، قال بخصوص الآشوريين “هذا الشعب الذي نحن الإغريق نطلق عليه سيريانس (Syrians) يطلق عليه البرابرة تسمية أسريانس (Assyrians). كان الأغريق يطلقون على الشعوب غير الإغريقية بالبرابرة. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع الذي كتبُ عنه مجلدات ومجلدات ولكن الذي أريد أن أقوله بأن حدود فنجان قهوة الذي يسبحون البعض فيه لا تتسع إطلاقاً لهذه  المجلدات ولا يستطيعون الإدارك بأن التسمية السريانية تعني الآشورية سواء قبلنا ذلك أم رفضنا. فالتاريخ والواقع لا يمكن تغييره بأهواءات ونرجسيات البعض. فأنا وغيري بالآلاف من أبناء شعبي يدركون جيداً بأن تعلم أطفالنا بلغتنا القومية، التي هي لغة أباؤنا وأجدادنا، أهم بكثير من كل شيء. فلكل معترض على التسمية السريانية للغتنا القومية أقول: أليست اللغة التي تم تعليمها في المدارس السريانية هي لغتك ولغة أباؤك وأجدادك؟ لنقل كلنا وننحني إحتراما وتقديرياً لكل فرسان التعليم السرياني في وطننا الحبيب على هذا الإنجاز العظيم.
…. ويبقى الإحترام سيداً لكل العلاقات الإنسانية.

——————————————-
(+) – هذه العبارة (لا توكل الخبر) تذكرتني بأكبر كُتاب وأدباء شعبنا الشماس كوركيس بنيامين بيت شليمون، رحمه الله، عندما كان يلقي محاضرة عن تاريخ الأدب الآشوري في النادي الثقافي الآثوري في بغداد عام 1970. الشيء المثير والذي قد يكون فيه نوع من الفكاهة عندما ذكر المرحوم وقال بأن البعض يقول “تعلم اللغة الآشورية لا توكل الخبز” فنهض من كرسيه وضرب بكفه على الطاولة أمامه، وكان المرحوم معروف بعصبيته عندما يستفزه أحد بشأن اللغة أو الأدب، فصرخ أمام الحاضرين قائلاً (خيلا جيبت د بستي) أي بما معناه (لتأكل حصى د بستي) وبعد إنتهاء المحاضرة سألناه “ما معنى (بستي) فقال: جيبت د بستي هي تلك الحصى التي تتدحرج على جانب النهر وتكون صلبة جداً”. وكان في العراق تستخدم للخرسانة الكونكريتية لشدة صلابتها.

© 2020 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی