صفحتنا على فيسبوك

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

You Are Here: Home » اخبار الكنسية & ومواضيع دينية, العام » وقفة صلاة وتأمل بمناسبة مرور 45 سنة على رسامتي الكهنوتية

وقفة صلاة وتأمل بمناسبة مرور 45 سنة على رسامتي الكهنوتية

(13/07/1975  _   13/07/2020)

+ رمزي كرمو

12/07/2020

اسطنبول

        في البداية، تدعوني هذه المناسبة الى أن اشكر الرب القدير على نعمة الكهنوت المقدس التي وهبها لي من دون ان اكون مستحقاً لها وما هي الا علامة محبته المجانية لي.

        ان الله بحكمته وتدبيره يدعو من يشاء ليجعل منه كاهناً لكنيسته المقدسة وخادماً لأنجيل الخلاص. علماً ان مقياس هذه الدعوة ليس ما يتحلى به المدعو من مواهب روحية، علمية، وثقافية، وغيرها، بل محبة الله فقط. لنسمع ونتأمل:”في تلك الايام ذهب يسوع الى الجبل ليصلي، فأحيا الليل كله في الصلاة الى الله، ولما طلع الصباح دعا تلاميذه فأختار منهم اثنى عشر سماهم رسلاً”(لوقا6/ 12- 13).  “لم تختاروني انتم بل انا اخترتكم واقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم فيعطيكم الاب كلما تسألونه بأسمي”(يوحنا 15/16)، (راجع 1قورنثس1/26- 30).

        خلال هذه السنوات التي مرت على رسامتي الكهنوتية والتي قضيت 42 سنة منها في ايران وانا الان في تركيا استجابة لطلب الكنيسة، ساعدتني نعمة الرب على ان اختبر ما في الدعوة الكهنوتية والرسالة المترتبة عليها، من فرح وألم، نجاح وفشل، قيام وسقوط، نشاط وخمول، شجاعة وخوف، حاولت ان اعيش هذه الخبرة على ضوء سر الفصح المقدس الذي يذكرنا بالام وموت وقيامة ربنا والهنا يسوع المسيح له المجد والاكرام والسجود الى الابد.

        نعم، ان حياة الكاهن ماهي الا امتداد حقيقي لحياة الكاهن الازلي وشهادة له. انه عاش مثلنا في كل شي ماعدا الخطيئة، لنسمع ونتأمل:”كذلك المسيح لم ينتحل المجد فيجعل نفسه عظيم كهنة، بل تلقى هذا المجد من الذي قال له: انت ابني وانا اليوم ولدتك.  وقال لي في مكان اخر انت كاهن الى الابد على رتبة مليكصادق. وهو الذي في ايام حياته البشرية رفع الدعاء والابتهال بصراخ شديد ودموع كثيرة الى الذي بوسعه ان يخلصه من الموت. فأستجيب لتقواه وتعلم الطاعة وهو الابن بما عانى من الالم ولما بلغ الى الكمال، صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص ابدي، لان الله اعلنه عظيم الكهنة على رتبة مليكصادق”(عبرانين5/5- 10).

        تعلمت خلال هذه السنوات الطويلة بأن رسالة الكاهن لا تثمر ثمرا جيداً يؤول الى مجد الله ونشر ملكوته الا اذا تجذرت تجذراً عميقاً في شخص يسوع المسيح الحي وكانت امتداداً حياً وملموساً لرسالته الخلاصية. لنسمع ونتأمل:”انا الكرمة وانتم الاغصان، فمن ثبت فيَ وثبتُ فيه فذاك الذي يثمر ثمراً كثيراً لانكم بمعزل عني لا تستطيعوا ان تعملوا شيئاً من لا يثبت في يُلق كالغصن الى الخارج فييبس فيجمعون الاغصان ويلقونها في النار لتشتعل. اذا ثبتم في وثبت كلامي فيكم فأسالوا ما شئتم يكن لكم. الا ان ما يمجد ابي ان تثمروا ثمرا كثيراً وتكونوا لي تلاميذ”(يوحنا15/5- 8).

        كذلك من غير الممكن ان تتجذر رسالة الكاهن في المسيح يسوع اذا لا تتغذى بالصلاة اليومية والتأمل اليومي في كلام الله الحي. الصلاة النابعة من القلب تمنح نعمة الاتحاد مع الله وهذا الاتحاد هو الذي يخصب رسالة الكاهن ويثمرها، اي من دون الصلاة تبقى نشاطات الكاهن وفعالياته عقيمة ومن دون جدوى. لنسمع ونتأمل فيما يقوله بولص الرسول مبشر الامم وشهيد الحب الالهي بهذا الخصوص:”واظبوا على الصلاة، ساهرين فيها وشاكرين. وصلوا من اجلنا ايضاً كيما يفتح الله باباً للكلام فنبشر سر المسيح/ واني في القيود من اجله، واعلنه كما يجب علي ان ابشر به”(قولسي4/ 2- 4). على ضوء هذه الايات نستنتج مايلي: ان رسالة الكاهن قبل ان تستمد قوتها وتأثيرها على الناس مما يتمتع به الكاهن من مخزون علمي ولاهوتي وروحي وثقافي انها تستمد حيويتها وفاعليتها من الصلاة التي هي عمل الروح القدس في قلبه. لذلك يجب ان تشكل الصلاة اولى القناعات التي يجب على الكاهن ان يبني عليها حياته الكهنوتية ورسالته الراعوية والا سوف يندم ندامة لا تعوض.

        الصلاة تذكرنا بما هو جوهري واساسي لحياتنا وتنجينا من خطر الانشغال وتضييع الوقت بما هو ثانوي وغير ضروري.

        اما الالم الرسولي فهو القناعة الثانية التي يجب على الكاهن ان يؤسس عليها حياته. ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود، علمنا بكلامه لكنه خلصنا بالامه، هذا يعني بأن التعليم لوحده لم يكن كافيا لاتمام رسالته الخلاصية ولهذا وجب عليه ان يتحمل الام الصليب حتى الموت. لنسمع ونتأمل:”فمع انه في صورة الله لم يعدُ مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته، متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة انسان فوضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب”(فيلبي2/6- 8). لنقل حالاً بأن يسوع لم يكن يعشق الالم ولا الموت، لان الله لم يخلق الانسان لكي يتألم ويموت بل ليحيا وينال السعادة الابدية التي لا تزول ولا تفنى ولا تنقرض. لنسمع ونتأمل:”السارق لا ياتي الا ليسرق ويذبح ويهلك اما انا اتيت لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم”(يوحنا10/10)، “وقلت لكم هذه الاشياء ليكون بكم فرحي فيكون فرحكم تاما”(يوحنا 15/11)..نعم، نحن مدعون الى ملئ الحياة والفرح التام، لكن الطريق الذي يقودنا الى هذا الهدف المبارك والسامي يمر من الصليب. الصليب هو مفتاح باب ملكوت السماوات. يقول ربنا والهنا يسوع المسيح بهذا الخصوص:”من لا يحمل صليبه ويتبعني لا يستطيع ان يكون لي تلميذاً”(لوقا14/27).

        بناءاً على ماتقدم يمكننا القول بأن رسالة الكاهن لا تثمر ولا تحقق هدفها اذا خلت من الالم الرسولي، لماذا؟ لان الالم الرسولي هو علامة المحبة الصادقة والحقيقية التي مصدرها هو الله نفسه. يسوع المعلق على الصليب هو تجسيد حي وملموس للمحبة الالهية التي بها خلص العالم من الخطيئة والموت الثاني اي الابدي. لنسمع ونتأمل:”ليس لاحد حب اعظم من ان يبذل نفسه في سبيل احبائه”(يوحنا15/13). ولهذا الحب الذي لا يختبر الالم ليس حباً صادقاً ومثمراً، ليس ذلك الحب الذي عاشه يسوع ويكلمنا عنه الانجيل المقدس. اما بولص الرسول الذي بشر الامم ببشارة الخلاص وأسس الكنائس المسيحية فأن حياته الرسولية كانت مطبوعة بالالم الرسولي الذي كان سبباً في ان تثمر رسالته ثمراً كثيراً لمجد الله وشهادة ليسوع المسيح ابن الله الحي الذي به الخلاص لكل من يؤمن. لنسمع ونتأمل بما قاله الرب يسوع للكاهن حننيا بالنسبة لما ينتظر بولص من الالم:”فقال الرب لحننيا: اذهب فهذا الرجل اداة اخترتها لكي يكون مسؤولاً عن اسمي عند الوثنين والملوك وبني اسرائيل، فأني سأريه ما يجب عليه ان يعاني من الالم في سبيل اسمي”(اعمال الرسل9/15- 16). لنسمع ايضاً ما يقوله بولص الرسول شهيد الحب الالهي عن خبرته بخصوص الالم الرسولي:”يسرني الان ما اعاني لاجلكم فأتم في جسدي ما ينقص من الام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة”(قولسي1/24)، وفي رسالته الى غلاطية يقول:”فأني احمل في جسدي سمات يسوع”(6/17)، راجع ايضاً: (2قورنثس1/23- 28).

على ضوء هذه الايات نستطيع القول بأن الرسول بولص شهيد الحب الالهي، قد اكتشف واختبر من خلال نشاطه التبشيري وعمله الرسولي حضور المسيح الذي تألم ومات وقام في حياته، وهذا يعني ان حدث الفصح الجديد الذي تحقق على الصليب المقدس لا يعود فقط الى الماضي بل انه يلازم الرسول في كل مراحل حياته وهو مصدر رجاءه وفرحه رغم المحن والالام التي يقاسيها من اجل نقل بشرى الخلاص الى العالم.

        علينا نحن ايضاً، كهنة الالفية الثالثة، ان نسير في الدرب التي سار فيها ربنا والهنا يسوع المسيح والرسل الاطهار والشهداء المكرمين، لكي نشهد شهادة حسنة ومقبولة لذلك الذي من اجل حبه لنا دعانا واختارنا لكي نكون خداماً امينين لكنيسته ورعاة صالحين لشعبه.

        اما القناعة الثالثة التي اكتشفتها واختبرتها خلال هذه السنين التي مرت منذ رسامتي الكهنوتية قبل 45 سنة فهي: الثقة المطلقة واللامحدودة برحمة الله الواسعة ومحبته الغير المتناهية، هذه الخبرة هي نتيجة اختباري للخطيئة والنعمة. نعم، الله يفرح بتوبة الخاطئ الذي يعود اليه بقلب نادم ومنكسر (راجع لوقا 15).

        يسوع ربنا والهنا له كل المجد والاكرام والسجود، استهل كرازته وهو ينادي ويقول:”توبوا قد اقترب ملكوت السماوات”(متى4/17). وفي موضع اخر يقول :”ماجئت لادعو الابرار بل الخاطئين”(متى9/13). لنسمع ونتأمل ايضاً بما يقوله يوحنا الرسول:”اذا قلنا اننا بلا خطيئة ضللنا انفسنا ولم يكن الحق فينا. واذا اعترفنا بخطايانا فأنه امين بار يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل اثم، واذا قلنا اننا لم نخطأ جعلناه كاذباً ولم تكن كلمته فينا”(رسالة يوحنا الاولى1/8- 10). اما الرسول بولص فيقول :”جميع الناس قد خطئوا فحرموا مجد الله ولكنهم تبرؤا مجانا بنعمته، بحكم الفداء الذي تم في المسيح يسوع”(رومة3/ 23- 24). “ولكن حيث كثرت الخطيئة فاضت النعمة”(رومة5/20).

 ان ما يجلب الانتباه ويدعو الى التأمل والتعمق في هذه الايات هو انها تذكر في ان واحد الخطئية من جهة والنعمة والتوبة من جهة اخرى، وهذا يعني ان الكلمة الاخيرة ليست للخطيئة بل للنعمة، ليست للموت بل للحياة، اي ان الانسان ليس اسير الخطيئة وعبداً لها بل لقد تحرر بنعمة الفداء التي استحقها لنا ربنا والهنا يسوع المسيح بموته وقيامته. لنسمع ونتأمل:”نحن نعلم ان انساننا القديم قد صلب معه (مع يسوع) ليزول هذا البشر الخاطئ، فلا نظل عبيداً للخطيئة لان الذي مات تحرر من الخطيئة، فأذا كنا قد متنا مع المسيح فأننا نؤمن سنحيا معه”(رومة6/6- 8). من لا يختبر مرارة الخطيئة لا يختبر حلاوة النعمة، طبعا نستثني من هذه القاعدة امنا مريم العذراء التي حبل بها بلا دنس اصلي، وذلك بتدبير الهي.

        الانتقال من الحياة في الخطيئة الى الحياة في النعمة هو الطريق الذي سلكه القديسون.

        تاريخ الكنيسة يخبرنا بأن قديسين كبار كانوا يوما ما خطاة كبار. لنذكر على سبيل المثال القديس مار اوغسطينوس الكبير الذي عاش فترة طويلة من حياته حسب رغباته وشهواته الجسدية والدنيوية، تحول بقوة الصلاة ونعمة الرب الى شاهد للمسيح ومعلم للكنيسة المقدسة، وهو الذي نطق بهذه الجملة الشهيرة ليعبر عن خبرته الروحية العميقة :”يا الهي لقد خلقتني لك وقلبي لا يرتاح الا فيك”. كذلك بولص الرسول الذي اضطهد المسيح من خلال اضطهاده للمسيحيين تغيرت حياته بنعمة الرب وصار اكبر المدافعين عن المسيح والمسيحية حتى نيله اكليل الشهادة.

        وفي هذا السياق ايضاً لا نستطيع ان ننسى المزمور (51) المعروف بمزمور التوبة والذي عبر فيه داؤد الملك والنبي والذي من نسله اتى المسيح، عن ندامته وتوبته اثر ارتكابه خطيئتين كبيرتين اي الزنا والقتل مخالفا بذلك الوصية السادسة والخامسة، لنسمع ونتأمل في بعض اياته :”ارحمني يالله بحسب رحمتك وبكثرة رأفتك امح ماَثمي. اغسلني من اثمي ومن خطيئتي طهرني، فاني عالم بمعاصي وخطيئتي امامي في كل حين. اليك وحدك خطئت والشر امام عينيك صنعت. قلباً طاهرا اخلق في يا الله وروحاً ثابتا جدد في باطني. من امام وجهك لا تطرحني وروحك القدوس لا تنزعه مني”(الايات 3-6 و12-13). هذه الايات تدعونا الى ان لا ننظر الى الخطيئة التي نرتكبها نظرة سلبية، سوداء وقاتمة،  ويمكنها ان تقودنا الى اليأس والاحباط والكأبة بل نظرة تساعدنا على اكتشاف ضعفنا وقبوله بكل تواضع وان نفتح قلبنا لنعمة التوبة التي هي دائماً في متناول يدنا، لان يسوع راعينا الصالح يبحث عنا الى ان يجدنا ويسر بلقائنا. لا يجوز لنا ابداً ان نقطع الامل والرجاء من محبة الله ورحمته. هكذا عمل هو خطيئة ضد الروح القدس التي لا تغفر.

طوبى للكاهن الذي يصلي ويتألم ويضع ثقته بمحبة الله ورحمته، انه يختبر الفرح والسلام ويشعهما حوله.

        اطلب هذه النعمة بالصلاة لجميع اخوتي الكهنة الكرام. ليبارك الله جهودهم ويثمر رسالتهم المقدسة.

ارجو من الذين يقراؤن هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي كيما اعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالايمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية.

مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع.

+ رمزي كرمو

12/07/2020

   اسطنبول

© 2020 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی