You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » بعد قرن من التأسيس: العراق … تاريخ تناقضات وصراعات مستديمة…  فما الحل؟أبرم شبيرا

أبرم شبيرا

قبل كل شيء أود القول:

—————
بأنه سبق وأن نشر هذا الموضوع في جريدة الخليج الإماراتية اليومية قبل عدة سنوات، كما نشر على شكل أجزاء أكثر تفصيلا في موقعنا الغراء “عنكاوة دوت كوم” عن التناقضات والصراعات التي تتحكم في العراق منذ تأسيسه وإستمرارها لقرن كامل وحتى يومنا هذا. من هذا المنطلق في إستمرار هذه التناقضات والصراعات وجدت من المفيد أن نستمر في إعادة نشر الموضوع طالما لا زالت ماثلة أمام أعين العراقيين تفعل فعلها المميت في مصير البلاد والعباد طيلة قرن كامل من الزمن. هذا الموضوع ليس بالأساس مقالة بل كان بحثاً أكاديميا لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية إلا أنه لم يتحقق لأسباب خارجة عن إرادتنا، لذا أرجو المعذرة من القراء لطول الموضوع والذي ما هو إلا جزء من أصل البحث.
مختصر في تشكيل كيان العراق السياسي:
————————
كان مطروحا على طاولة مؤتمر القاهرة عام 1920 برئاسة وزير المستعمرات ونستون تشرشل ثلاثة مشاريع لتقرير مصير بلاد مابين النهرين(Mesopotamia)  الذي أحتلته بريطانيا، منها تأسيس دولة من الولايات الثلاث العثمانية (موصل وبغداد والبصرة) أو من هذه الولايات الثلاث مضافاً إليهم منطقة دير الزور – سوريا حاليا، أو تأسيس ثلاث دول مستقلة من هذه الولايات الثلاث. غير أنه جاءت ثورة العشرين في العراق عام 1920 لتفرز نتائج مؤثرة ساهمت بشكل مباشر في إرساء الخطوط الرئيسية لتأسيس كيان العراق السياسي  كان من بينها إقرار المقترح الأول في تأسيس دولة العراق من الولايات الثلاث. كما لعبت ثورة العشرين دوراً في  إخلال موازين سياسات حكم بريطانيا لبلاد ما بين النهرين “ميسوبيتيميا” وإقرار سياستها النهائية واختيار شكل الحكم المناسب لمصالحها والذي تمثل في الأسلوب غير المباشر للحكم وعن طريق حكومة “وطنية” ترتبط معها بمعاهدة ضامنة لمصالحها السياسية والاقتصادية وتخفف من عبئ الخزينة البريطانية الناجمة من الاحتلال المباشر، وهو الأسلوب الذي أرتبط باسم “السير بيرسي كوكس” المعين كمندوب سامي لحكومة جلالة الملك البريطاني في العراق والذي كان بالضد من مدرسة سياسية بريطانية أخرى في الحكم، عرفت بالمدرسة الهندية او الإمبريالية ومثلها “ارنولد ولسن” نائب الحاكم البريطاني في العراق، والتي كانت قد دعت إلى الإدارة العسكرية المباشرة للعراق وربطها بالحكومة البريطانية في الهند. وفعلاً، ما أن وصل السير كوكس إلى بغداد في 11/10/1920 طلب من السيد عبد الرحمن النقيب، نقيب الأشراف القادرية، قبول رئاسة مجلس حكومة مؤقتة. واستجابة لهذا التكليف تم في 20/10/1920 تشكيل أول وزارة عراقية.

فيصل الأول ملكاً للعراق:
—————-
بعد إرساء الخطوة الأولى في إقامة الكيان العراقي، بدأت الحكومة البريطانية البحث عن الخطوة الثانية واختيار الشخص المناسب ليتولى عرش الدولة الفتية، فطرحت على الساحة العراقية عدة أسماء، منها الأمير برهان الدين نجل السلطان عبد الحميد الثاني وطالب النقيب وعبد الرحمن النقيب والشيخ خزعل أمير عربستان وعبد الهادي العمري وآغا خان ويوسف السويدي وأمين الجليلي وأحد أعضاء الأسرة الخديوية في مصر. كان كل واحد من هؤلاء يطمح في أن يكون ملكاً على العراق، غير أن الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة كان من أبرز المرشحين، خاصة بعد اندحار قواته في معركة ميسلون في الشام أمام القوات الفرنسية وطرده من عرشها. ثم جاء قرار مؤتمر القاهرة لعام 1920 فاصلاً في تخصيص العرش للأمير فيصل. وتحقيقاً لهذا الغرض غادر الأمير فيصل مدينة جدة في 12/6/1921 على ظهر سفينة بريطانية متوجهاً إلى العراق وعن طريق البصرة. وبناء على طلب المندوب السامي البريطاني أنعقد مجلس الوزراء جلسة بتاريخ 11/7/1921 أقر فيه ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق ثم تم تتوجيه رسميا في 23/8/1921. وبهذا تكون مقومات كيان العراق السياسي، ولو من الناحية الشكلية، قد اكتملت وظهرت على الخريطة السياسية كدولة جديدة.

مقومات تأسيس كيان العراق السياسي:
———————-
من بديهيات العلوم السياسية، أن الكيان السياسي، أي الدولة، لا يكتمل إلا بوجود أربعة مقومات وهي الإقليم، الشعب، الحكومة ثم السيادة، تجتمع جميعاً لتخلق ما يعرف بـ “الدولة”. والدولة العراقية لا تستثنى منها منذ تأسيسها وحتى اليوم، باعتبارها كياناً سياسياً قائماً بحد ذاته. هنا نتساءل: هل كان للعراق تلك المقومات التي يمكن أن يخلق منه كياناً وبالمعنى السياسي المعروف بالدولة عند تأسيسه في بداية القرن العشرين؟ الإجابة بسيطة وواضحة جداً ومعروفة سلفاً فيما يخص الحكومة والسيادة طالما كانت بريطانيا متحكمة في مقدرات البلاد وتخضع مثل هذه الحكومة والسيادة لبريطانيا وسيادتها، ضمن نظام دولي عرف بـ “الإنتداب” والذي تم إلغاءه في عام 1932 ومنح العراق الاستقلال وعضوية في عصبة الأمم. أما بخصوص الأرض أو الإقليم الذي تأسست دولة العراق عليه فبمراجعة بسيطة إلى صفحات تاريخ تأسيس دولة العراق نجد أن بريطانيا، سيدة الموقف في تلك الفترة، قد لعبت دوراً أساسياً إن لم يكن الوحيد في تحديد معالم هذا الإقليم سواء من خلال المفاوضات وتسويات الحدود مع دول الجوار أو مع فرنسا حسب إتفاقية سايكس بيكو المعروفة ونظام الإنتداب الذي تبنته عصبة الأمم بعد الحرب الكونية الأولى أو من خلال الإنتصارات التي حققها الجيش البريطاني في إنتزاع أو ضمان بعض المناطق الحدودية وضمها إلى العراق خاصة في المنطقة الشمالية، وضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا نموذج جيد في هذا السياق، فكان من الطبيعي أن يكون دور بريطانيا في رسم حدود إقليم العراق طبقاً لمصالحها خاصة الإقتصادية منها ولم تضع في الإعتبار العوامل الأخرى من قومية ودينية وديموغرافية وثقافية وتاريخية وإجتماعية في حساباتها، بل تجاهلتها وكبستها بكل تناقضاتها ضمن أقليم محدد بمصالحها الخاصة.

الشعب مقوم أساسي للدولة العراقية:
——————–
الذي يهمنا في موضوعنا هذا هو الشعب، ليس باعتباره عدد من الناس أو قطيع من البشر فحسب وإنما الأهم في إضفاء صفة الشعب على هذا العدد أو القطيع هو وجود شبكة من علاقات اجتماعية متشابكة ومترابطة بينها وهادفة إلى خلق المصلحة العامة المعبرة عن الإرادة الجمعية والتي تتجسد سياسياً في شكل الدولة أو في سلطتها أو في حكومتها، لهذا السبب قيل بأن الشعب هو مصدر السلطات والسيادة، أي بعبارة أخرى، هو المقوم الأساس والجوهري بالنسبة لبقية المقومات، وبعبارة أخرى بدون شعب بالمفهوم الإجتماعي السياسي القادر على التعبير عن الإرادة الجمعية لايمكن قيام دولة ولا سلطة أو حكومة مستقرة قادرة على ضمان الأمن والسيادة على الأرض.  فهل كان هناك شعب، وبالمعنى السياسي والاجتماعي، ويمتلك مقومات مشتركة من قومية ودينية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، أو عوامل فكرية أو نفسية متقاربة توفر أواصر كافية في خلق جمع من الناس لهم إرادة بشرية موحدة أو إرادات متقاربة مؤهلة للدخول في “عقد اجتماعي” بمفهوم الفكر السياسي في خلق الدولة أو قبول بمثل هذه الفكرة؟ .

يقول الباحث حنا بطاطو في كتابه الموسوعي ” الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق-

The Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq والمترجم من الإنكليزية إلى العربية من قبل عفيف الرزاز في ثلاثة أجزاء، والمنشور من قبل مؤسسة الأبحاث العربية في بيروت عام 1990، يقول “في مطلع القرن الحالي، (يقصد القرن العشرين) لم يكن العراقيون شعباً واحداً أو جماعة سياسية واحدة. وهذا لا يعني الإشارة فقط إلى وجود الكثير من الأقليات العرقية والدينية في العراق، كالأكراد والتركمان والفرس والآشوريين والأرمن والكلدانيين واليهود واليزيديين والصابئة وآخرون. فالعرب أنفسهم الذين يؤلفون أكثرية سكان العراق كانوا يتشكلون، إلى حد بعيد من جملة من المجتمعات المتمايزة والمختلفة في ما بينها والمنغلقة على الذات، بالرغم من تمتعهم بسمات مشتركة” (ص 31 من الكتاب الأول). لم يكن حنا بطاطو الأول ولا الوحيد الذي أشار إلى التطرف الشديد في التنوع القومي والاجتماعي والديني في العراق، بل هناك الكثير من الكتاب والباحثين الذين أكدوا هذه الحقيقة من دون مجاملة أو مبالغة، وكان العالم الاجتماعي الكبير الدكتور علي الوردي (رحمه الله) في دراساته وأبحاثه عن طبيعة المجتمع العراقي رائداً في هذا المضمار.

أما فيما يخص معاينة واقع أهل العراق والتحسس به من موقع مسؤول، فإن رأي الملك فيصل الأول في هذا السياق يشكل أهمية كبيرة في فهم هذا الواقع ويغنينا عن الإطناب والإسهاب في بقية الآراء. ولرأي الملك فيصل أهمية كبيرة جداً في فهم طبيعة التناقضات التي تحكمت بأهل العراق، وهذه الأهمية متأتية من، أولاً:  أنه كان قد عانى مرارة هذه الانقسامات وهو في موقع الراعي لها والمسؤول عن حكمها، والثاني: في كونه ينحدر من بيئة خارجة عن هذه الانقسامات سهلت له مهمة معاينتها والتحسس بها وبنوع من الموضوعية والواقعية ومن دون إنحيازية. لقد بينً الملك فيصل رأيه بكل وضوح في صفحات مطولة نقتبس منها ما يلي: “أن البلاد العراقية… ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى مقسمة على بعضه يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين … ففي العراق أفكار ومنازعات متباينة جداً وتنقسم إلى أقسام  مثل الشباب المتجددون بما فيهم رجال الحكومة، المتعصبون، السنة،الشيعة، الأكراد، الأقليات غير المسلمة، العشائر، الشيوخ والسواد الأعظم الجاهل المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة أو محاكمة. والعراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسما كردياً أكثريته جاهلة… وأكثرية شيعية جاهلة. إلا أن الاضطهادات التي كانت تلاحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي  المنقسم إلى هذين المذهبين. كل ذلك جعل مع الأسف هذه الأكثرية الذين لهم مطامع، خاصة الدينيون منهم وطلاب الوظائف، بدون استحقاق والذين لم يستفيدوا مادياً من الحكم الجديد يظهرون بأنه لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعة… أخذت بنظري هذه الكتل العظيمة من السكان بقطع النظر عن الأقليات المسيحية التي يجب أن لا نهملها نظراً للسياسة الدولية التي لم تزل تشجعها للمطالبات بحقوق غير هذه وتلك ….. أن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني. ما الذي هو للشيعي؟ حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها … أقول هذا على سبيل المثال وذلك للاختلافات الكبرى بين الطوائف التي يثيرها المفسدون وهناك حساسيات مشتركة بين أفراد الطوائف الإسلامية… وهناك غير هذا “دسائس” آشورية وكلدانية ويزيدية والتعصب للتفرقة بين هؤلاء الجهلاء توهن قوى الحكومة تجاه البسطاء. كما أن العقول البدوية والنفوذ العشائري الذي للشيوخ وخوفهم من زواله بالنسبة لتوسع نفوذ الحكومة فكل هذه الاختلافات وكل هذه المطامع والاحتراسات تشتبك في هذا الصعيد وتصطدم وتعكر صفو البلاد وسكونها … وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى أنه في اعتقادي لا يوجد شعب عراقي بعد بل توجد كتلات بشرية خالية من فكرة وطنية مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة… فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضاَ عظمة الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي وهذا نظري فيه”. ثم يذكر الملك فيصل السلاح الناري الذي كان تملكها هذه الفئات في تلك الفترة ( عام 1933) كمعيار للصراعات التي تفعل فعلها فيه وهو العام الذي قام بها بعض من قطاعات الجيش العراقي بقيادة بكر صدقي وبمساندة بعض العشائر البدوية والكوردية بالمذبحة المعروفة ضد الآشوريين العزل في بلدة سميل القريبة من مدينة دهوك في شمال العراق في شهر آب من عام 1933، إذ ذكر بأنه “يوجد في المملكة ما يزيد على المائة ألف بندقية يقابلها 15 ألف حكومية. ولا يوجد في بلد من بلاد الله حالة حكومة وشعب كهذه. هذا النقص يجعلني أتبصر وأدقق وأدعو أنظار رجال الدولة ومديري دفة البلاد للتعقل وعدم المغامرة”. ( نقلاً عن كتاب تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق للمؤرخ العراقي عبد الغني الملاح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، ص31-34 ). – ما أشبه اليوم بالبارحة –


لهذا السبب ليس غريباً أن معظم الذين عاصروا فترة موت الملك في أيلول عام 1933 كانوا قد أكدوا بأنه مات ألماً وحسرة من الواقع المرير لتناقضات وصراعات أهل العراق، خاصة بعد القمع الوحشي للآشوريين المسيحيين في بلدة سميل في شهر آب من نفس العام خلافاً لأوامره بضرورة التعامل السلمي والهادئ مع مطالبهم القومية والدينية، وهو الحادث الذي أثر كثيراً على نفسيته وأدى إلى تفاقم وتدهور صحته فدفع بالنتيجة حياته ثمناً لأصالته العربية والإسلامية في التسامح والتفاهم مع الآخر المختلف. ولكن مع ذلك، فأن هذا لا ينفي ذكر بعض الكتًاب والمؤرخين بأن الملك مات مسموماً بهدف التخلص من مواقفه الحيادية والسلمية تجاه القوى المتصارعة على السلطة في العراق وإفساح المجال لأبنه غازي المعروف بمواقفه المتطرفة لاعتلاء العرش. وإذا تأكدت هذه التوقعات فأن مخاوف الشريف حسين الهاشمي (شريف مكة) والد الملك فيصل الأول تكون قد وقعت وتحققت فعلاً، تلك المخاوف التي ذكرها في رده على طلب بعض الشخصيات العراقية منه أن يرسل أبنه فيصل إلى العراق عام 1921 لتنصيبه ملكا على البلاد، حيث يروي السيد علي آل بازركان (الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية – ص 230) في عام 1921 الذي كان في ضيافة الملك حسين في مكة، ويقول: عندما وصلت إلى الملك برقية من بعض رؤساء العراق يطلبون منه أبنه فيصلاً لتنصيبه ملكا على العراق، وقد سأل الملك ضيفه “ولكني أخشى ياشيخ أن يعامل أهل العراق فيصلاً كما عاملوا جده الحسين من قبل” (يقصد الإمام حسين). (نقله الدكتور علي الوردي في كتابه: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي،إنتشارات المكتبة الحيدرية، ط2، 1998 ص 369)، وهي المخاوف التي تحققت فعلاً في الرابع عشر من تموز من عام 1958 عندما حدثت مجزرة قصر الرحاب الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وجميع المتواجدين معه من أفراد العائلة المالكة وحاشيتها وسحل بعضهم في شوارع بغداد خلف السيارات وبأسلوب وحشي لا يمت بصلة لا بالسياسة ولا بالثورية.

هذا الواقع المتناقض والمتصارع لأهل العراق، هو الذي جعل من عالم اجتماعي كبير كالدكتور علي الوردي الذي عايش معايشة حقيقية لهذا الواقع، كإنسان عراقي عادي وكباحث اجتماعي كبير، أن يؤكد مقولة الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ/714 م ) الذي خاطب أهل العراق بكلمته المشهورة ” يا أهل الشقاق والنفاق” وأعتبرها صفة لاصقة بهم حتى يومنا هذا (نفس الكتاب ص 365)، وفي مكان آخر يشير العلامة على الوردي إلى مقولة الجاحظ (عمرو بن بحر الجاحظ في البيان والتبين – ج2 ص 94) في تعلقيه على قول الثقفي إذ يقول” أن العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء هي أنهم أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والتجريح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء… ومازال العراق موصوفاً بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة” (نفس الكتاب ص 366).  وفي خاتمة الكتاب يستخلص العلامة علي الوردي بحثه بالقول “بأن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر وليس هناك طريقة لعلاج هذا الإنشقاق أجدى من تطبيق النظام  الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية…ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الإعتبار… فهل من يسمع؟!” (نفس الكتاب ص 383).

مصلحة بريطانيا في تأسيس الدولة العراقية:
—————————-
مما تقدم يمكن القول بأنه عندما بدأت بريطانيا في تأسيس دولة في العراق لم يكن هناك أهم مقوم، وهو الشعب وبالمفهوم السياسي والاجتماعي، من مقومات قيام مثل هذه الدولة. لقد ورثت بريطانيا عن الدولة العثمانية تركة ثقيلة جداً من التناقضات كان يتطلبها إقامة نظام سياسي كآلية للتعامل مع الواقع بجميع تناقضاته وصراعاته ضمن نسق يتلاءم ويتناسب مع طبيعة أهل العراق ويحول دول تصاعد التناقضات نحو مرحلة الصراعات وتفاقمها إلى درجة يصعب أو يستحيل إيجاد حل لها أو التخفيف من حدتها المدمرة، ولكن لم ينظر إلى مثل هذا النظام المناسب إلا من خلال المصلحة العليا لبريطانيا من جهة، كما وأن ضمان تحقيق هذه المصلحة، من جهة أخرى، كان يستوجبه نوع من الاحتواء للتناقضات ضمن نظام سياسي “وطني”. أي بعبارة أخرى، كانت مصلحة بريطانيا في تأسيس كيان سياسي في العراق تأتي في المقام الأول، وهي مسألة تبدو طبيعية في ضوء سياسة وضع الدول مصالحها فوق جميع الاعتبارات. لهذا السبب رفضت بريطانيا معظم الحلول لمسألة الحكم في العراق لكونها لا تتفق مع الشرطين السابقين، فرفضت فكرة إقامة نظام جمهوري كما رفضت مشروعات تأسيس كيانات سياسية مختلفة في كل ولاية من الولايات العثمانية السابقة، بصرة وبغداد والموصل. أي بعبارة أخرى، كما يقول السياسي العراقي مهدي كبه في مذكراته والذي عاصر تلك الفترة، “كان مشروع تأسيس الكيان السياسي في العراق يهدف إلى التوفيق بين المصالح المتضاربة بين بريطانيا والعراقيين وذلك عن طريق إيجاد نوع من الحكم الأهلي له بعض مظاهر الاستقلال ليطمئنوا به مشاعر العراقيين الوطنية مع تحقيق مصالحهم وضمان سيطرتهم ونفوذهم في ظل الحكم الوطني” ( أورده الباحث لطفي جعفر فرج في كتابه ” عبد المحسن السعدون، دار الرشيد للنشر- بغداد، 1979، ص 52).

لقد جاءت فكرة تأسيس كيان سياسي في العراق على شكل نظام ملكي شامل لجميع أراض الولايات الثلاثة ومن ثم نصب الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة ملكاً على عرشه محققا لمصلحة بريطانيا السياسية والتي تمثلت في:
1 –  كان الحكم المباشر للعراق يكلف الخزينة البريطانية مبالغ طائلة والتي كانت بالأساس منهكة وضعيفة بسبب الحرب لذا كان على بريطانيا أن تجد وسيلة أخرى في الحكم غير المباشرة وعن طريق تأسيس دولة في العراق وإقامة نظام سياسي مركزي واحد وربطه بمعاهدة حماية خاصة ولفترة مناسبة، نظام لا يقر بالفروع أو الهوامش أو يتكون من عدة أنظمة سياسية صغيرة، لهذا كان من مصلحة بريطانيا أن يكون في العراق نظام قادر على سحق ثورات الشيعة والكورد والآشوريين (مذبحة سميل 1933) وضمان الاستقرار المنشود بدلا من أن تقوم قواتها بهذه المهمة وتكلف الخزينة البريطانية مبالغ طائلة أخرى يعصب عليها تحملها في ظروف الكساد العالمي الذي ساد في الربع الأول من القرن العشرين.
2 – كان نصب الأمير فيصل ملكاً على رأس هذا النظام، والذي له خلفية سياسية في التعامل مع الإنكليز، يحقق هدفين لبريطانيا: الأول: إيفاء جزء من وعدها للعرب وللعائلة الهاشمية بتأسيس دولة عربية في المشرق العربي لقاء قيام الشريف حسين والد الملك فيصل الأول بقيادة الثورة الكبرى عام 1916 ضد الدولة العثمانية، والثاني: لكون الأمير فيصل من عائلة مسلمة معروفة بانتسابها الهاشمي لأصل النبي محمد ولكونه أيضا من خارج التناقضات التي كانت تفعل فعلها في الشعب العراق. لذلك كان تنصيبه ملكاً على هذا الشعب غير مخل بموازين الصراعات القائمة فيه، وبالتالي سيكون أكثر ضماناً لاستمرار الواقع القائم. فالعراق كان يختلف عن البلدان العربية الأخرى التي هيمن النظام العشائري والقبلي على البينة الاجتماعية والنظام السياسي، فلم يكن فيه عشيرة أو قبيلة تنفرد بالقوة والهيمنة والسيطرة وقادرة على التحول إلى نظام سياسي وإدارة شؤون الدولة،  بل كانت العشائر والقبائل في تقاتل وصراعات مستمرة لم تثمر بنتيجة حتمية تفضيلية لأي واحد منهم حتى تتمكن من الانتقال إلى مرحلة سياسية لاحقة تتجسد في نظام سياسي والمعروفة بمراحل إنتقال السلطة من البداوة إلى الحضارة (حسب مفهوم أبن خلدون)،  كما هو الحال في بلدان الخليج العربي. لهذا السبب لم يكن ممكنا أمام الإنكليز اختيار أي مرشح من هذه التكوينات العشائرية العراقية من دون أن يخل هذا الاختيار بموازين القوى القائمة بينها، فجاء اختيارهم من خارجها حفاظاً على التوازن العشائري في العراق.
3 – لم يكن من مصلحة بريطانيا تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، والذي لم يكن بالأصل تغييره ممكناً، والموروث عن الدولة العثمانية وبكل قوالبه العشائرية والطائفية والطبقية الصلدة، ذلك الواقع الذي تمثل في هيمنة نخبة سنية المذهب وعثمانية الفكر والمنهج في السياسة والحكم وتعطشها الشديد للسلطة والجاه واستمتاعها باللعبة السياسية في تشكيل الوزارات وإسقاطها ضمن نظام عرف بالنظام الملكي الدستوري، والملائم من حيث الشكل، للمبادئ الديمقراطية والسياسية لنظام الحكم الذي كانت بريطانيا تدعي بتبنيه وتطبيقه في العراق كمحاولة لتحقيق التزاماتها طبقاً لبنود نظام الانتداب في مساعدة البلد المنتدب عليه عن طريق النصح والإرشاد وتطويره نحو مراحل سياسية متقدمة حتى يتمكن شعبه من تولي إدارة الدولة بنفسه.
4 – لم يكن امام بريطانيا من خيار غير إستمرار السياسة العثمانية السابقة في بلاد مابين النهرين القائمة على هيمنة الطائفة السنية على شؤون الحكم وإدارة ألأمور السياسية خاصة وأن معظم النخب السياسية التي كانت تخدم في المؤسسات العسكرية والمدنية العثمانية، ومنهم الأمير فيصل الذي كان عضواً في مجلس المبعوثين العثماني، قد أنتقلت إلى العراق بعد الحرب العالمية الأولى  وتولت مناصب وزارية في الحكومة أو في قيادة الجيش، لا بل البعض من هؤلاء عمل مع الأمير فيصل أثناء ثورة عام 1916 وكذلك أثناء حكمه القصير في سوريا. فقبل منح العراق الإستقلال عام 1932 وتقديم طلب الإنضمام إلى عصبة الأمم، أعد المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا دراسة في عام 1932 لبيان مدى أهلية العراق للإستقلال، ذكر فيها بأن النخبة السياسية العراقية التي كان معظمها من طائفة السنة لم يكن يتجاوز عدد أعضاءها 300 شخص  ولم تكن كفوء ومتدربة للحكم كذلك لم تكن تمثل الشعب العراقي وبقاءها في السلطة كان مقروناً بالدعم البريطاني  لها وكان الملك فيصل الأول على قمة هذه النخبة السياسية السنية ولم يكن أمام بريطانيا إلا إختياره لعرش العراق.
(Memorandum on The Termination of The Mandatory Regime in Iraq, 1932, British Library Ac 2773D – P. 40).
5 – ثم جاء إكتشاف النفظ وبكميات تجارية في بداية عام 1920 في المنطقة الشمالية عاملاً مهماً في تأسيس دولة واحدة وبنظام سياسي مركزي يشمل هذه المنطقة والمناطق الأخرى التي كان إحتمال إكتشاف النفط فيها كبيراً ليكون العراق بذلك وبولاياته الثلاث بحراً نفطياً واحداً لبريطانيا. وهنا يجب أن لا ننسى رغبة بريطانيا الجامحة في إقامة كيان سياسي واحد في العراق ليكون معبراً أمناً للخليج ومن ثم جسراً مفتوحاً نحو الهند، تاج المستعمرات البريطانية.

تأسيس العراق على بركان هائج:
——————
هكذا أسست بريطانيا النظام السياسي في العراق وبما يتوافق مع مصالحها العليا ويتناسب من حيث الشكل، كنظام ملكي دستوري، مع الواقع الحقيقي القائم والمستمر في العراق. أما من حيث المضمون والجوهر فأن الكيان السياسي كان قد أنشأ على بركان من تناقضات وصراعات يهيج ويلفظ حممه الحارقة ويزداد حدتها بمقدار زيادة حدة اغتراب النظام السياسي وابتعاده عن تناول هذه التناقضات ضمن الاختلاف المشروع والبعيد عن العداء السافر.
وتجنباً لسوء الفهم من قصد بيان تناقضات شعب العراق، فالإشارة تستوجب هنا للتأكيد بأن حالة العراق لم تكن فريدة من نوعها في مرحلة تأسيس الدولة، فهناك شعوب أخرى كان لها مثل تناقضات شعب العراق وعانت منها عبر سنين طويلة قبل وأثناء فترة تكوين كياناتها السياسية ولكن تمكنت وعلى الأغلب وعبر سنين طويلة، من خلق آلية مناسبة لحل تناقضاتها أو تهدئتها ومن ثم ضمان استمرار الدولة. أما العراق، فالاستثناء الغريب فيه هو استمرار هذه التناقضات واستفحالها نحو صراعات مدمرة ولعقود طويلة وعلى شكل اضطرابات وانقلابات ومؤامرات وحروب داخلية وخارجية وممارسات عنف قل مثيلها في تاريخ دول العالم. (راجع بهذا الخصوص كتاب باقر ياسين المعنون تاريخ العنف الدموي في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت – 1999 وكتابه الآخر المعنون شخصية الفرد العراقي – ثلاث صفات سلبية خطيرة… التناقض. التسلط. الدموية، الطبعة الثانية، 2012، دار آراس للبطاعة والنشر، أربيل، إقليم كردستان العراق).
واليوم حيث يطغى العنف والإرهاب والفساد وعدم الإستقرار على الحياة السياسية برمتها يعزز هذا الإستثناء الغريب في طبيعة شعب العراق، وهي تناقضات وصراعات وإختلافات إنسانية وطبيعية ليست وليدة سقوط النظام البعثي في العراق فحسب بل هي مستديمة ضاربة في العمق التاريخي. ويكفي هنا أن نشير بأن انقلاب بكر صدقي عام 1936 كان أول انقلاب عسكري في الوطن العربي والذي أصبح فاتحاً لسلسلة انقلابات في العراق وفي الوطن العربي أيضا. كما وأن انقلاب تموز 1958 والمجازر الدموية التي رافقتها في قتل العائلة المالكة وحاشيتها وسحلهم في الشوارع وتعليقهم على أعمدة الكهرباء تضاهي المجازر التي أعقبت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر وثورة أكتوبر الروسية عام 1917 في روسيا. وهناك رواية تناقلها بعض الكتاب والمؤرخين تقول بأن عقب إنقلاب 14 تموز عام 1958 سافر عبد السلام محمد عارف الذي كان نائباً لرئيس الوزراء عبد الكريم قاسم على رأس وفد إلى مصر للمشاركة في إحتفالات ثورة يوليو المصرية والتباحث في شؤون الوحدة العربية. وعند مقابلتة لجمال عبد الناصر قدم له “هدية تذكارية” متكون من علبة صغيره وعندما فتحها عبد الناصر وجد فيها أحدى أصابع البشر المقطوعة فقال عبد السلام له هذا أصبع نوري السعيد هدية لك، فأثار ذلك إشمئزاز عبد الناصر وغضبه وهيجانه الشديدين من هذا الأسلوب الوحشي في التعامل مع الخصوم السياسيين رغم أن نوري السعيد كان من أشد خصوم عبد الناصر.

بعد عام 1958 لم يعد هناك قوات بريطانية محتلة ولا نظام ملكي “فاسد ومتخلف وبائد”، كما يصفه الثوريون في العراق، أو برلمان وصل أعضاؤه إليه بانتخابات مزورة أو وزارات تتواتر على السقوط والتشكيل لاعتبارات شخصية وعائلية ومصلحية، والتي اعتبرت في حينه مصدرا للشرور والتناقضات والصراعات وعدم الاستقرار أو التقدم في العراق فكان من المفترض أن يكون الحكم بعد قيام النظام الجمهوري أكثر جماهيرية وتعبيراً عن التنوع القومي والديني والطبقي في العراق وبالتالي أكثر ضماناً للاستقرار والتقدم وأوفر قدرة على حل أو تهدئة التناقضات والصراعات، غير أن الأمر كان على العكس تماماً فالتناقضات أرتقت إلى أعلى مستوياتها من الصراعات والانقلابات الدموية وظهرت أساليب جديدة في الاضطهاد والتعسف وقمع الحريات خاصة بعد وصول حزب البعث للسلطة في شباط عام 1963 وما صاحب ذلك من أساليب وحشية في تصفية الخصوم السياسيين. فقتل الزعيم عبد الكريم قاسم والتمثيل بجثته وعرض ذلك على شاشة التلفزيون العام ويظهر فيه جندي عراقي يبصق في وجه عبد الكريم قاسم وهو جثة هامدة ومن ثم تقطيعها ورميها في نهر ديالى يعتبر نموذجاً بشعاً لمثل هذه الممارسات الوحشية.  ثم مرة أخرى جاء حزب البعث على السلطة عام 1968، وهو حزب صاحب تجربة قاسية ودموية أكتسبها من من خلال فقدانه للسلطة عام 1963 ثم عودته إليها عام  1968 فهو أول حزب من نوعه في المنطقة العربية، وربما في العالم الثالث، يستطيع أن يستحوذ على السلطة وأن يعود إليها مرة أخرى وخلال فترة خمس سنوات وبانقلابين عسكريين. وبسبب هذه الخبرة والتجربة تمكن من إستغلال تناقضات الشعب العراقي إستغلالاً بشعاً مكنته من الإستمرار في السلطة لأربعة عقود من الزمن فاخترع أساليب جديدة في شرعنة سلطته الاستبدادية وإضفاء عليها نوع من القبول الإجباري أو الاختياري من الشعب العراقي وصل إلى درجة أن يلجأ الأب إلى قتل ابنه بحجة كونه خائناً للحزب والثورة. في عام 2003 عندما أزيح النظام البعثي من السلطة توفرت للشعب العراقي فرصة ذهبية لا مثيل لها في تاريخ العراق للتحرر وإقامة نظام متمدن قابل لاستيعاب التناقضات المتعددة الوجوه وبناء العراق الجديد القابل للتعويض عن التاريخ الدموي الطويل الذي عايشه الشعب العراقي. غير أن ألواقع أظهر بأنه أصبح أكثر ضراوة في الإستبداد والتعسف والعنف، وهو الواقع المؤلم الذي يعيشه جميع العراقيين في هذه الأيام ولا يحتاجها التفاصيل لكونها لازالت قائمة ومعايشة ومعروفة.

اليوم لا وجود لنظام بعثي دكتاتوري يستغل التناقضات الطائفية والعرقية خدمة لترسيخ سطلته. ، ولكن بمجرد نظرة بسيطة لتاريخ العراق السياسي منذ فترة قيام النظام الجمهوري وحتى اليوم سنكتشف وبسهولة بأن عمق هذه التناقضات والصراعات والعنف والحروب الداخلية والخارجية هي في تفاقم مستمر وانفجارات مستديمة بحيث وصلت إلى مدى لا يمكن التخمين بنهاية لها في ظل الظروف الراهنة. فالعداء السافر المتوارث عن المرحلة العثمانية، في التعامل مع “المختلف”، أحتل المقام الأول في أسلوب معالجة التناقضات والاختلافات القائمة بين أهل العراق وانعكس بشكل مباشر في الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على السلطة وارتبطت بها بشكل عضوي بحيث جعلت من الصعوبة جداً رسم حدود فاصلة بين السبب والمسبب ومن ثم استحالة الإجابة على سؤال فيما إذا كانت الأنظمة الاستبدادية من خلق زمرة قليلة من متعطشي السلطة والجاه أم هي المحصلة النهائية لطبيعة شعب العراق الغارق في التناقضات والصراعات.  فلا يختلف اثنان في هذه الدنيا بأن الأنظمة الاستبدادية والفردية في العراق دمرت، من خلال سوء إدارة الصراع، الإمكانيات الحضارية والجغرافية والتاريخية والفكرية والإبداعية الهائلة للشعب العراقي.

الحل … إعادة تأسيس دولة العراق:
——————–
لا يختلف اثنان أيضاً بأن الديمقراطية هي أنسب نظام للتعامل مع اختلافات وتناقضات الشعب العراق المستديمة، ليس بمفهومها الغربي الكلاسيكي، وإنما بمفهوم قبول الاختلاف المشروع وإتاحة الفرصة له للتعبير عن اختلافه وتطلعاته السياسية وخلق حد أدنى من إمكانيات انتقال وتداول السلطة بشكل سلمي وهادئ. أن قبول وإشاعة مفهوم “الاختلاف المشروع” في العقلية العراقية يجعل من الفسيفساء القومي والديني والفكري والحضاري والجغرافي في العراق نعمة وإغناء حضاري وفكري، في حين على العكس من هذا تماماً، أن “العداء السافر” تجاه هذا التنوع يجعله نقمة وإفقار حضاري. ولكن وحسرتاه…  فأن أحداث السنين الماضية والحالية  تدل بأن العداء السافر، هو الرحم الذي ولد فيه نظام سياسي فاسد ومتخلف وطائفي في العراق الذي لا يزال يفعل فعله في زيادة  نقمته وإفقاره لخيرات العراق البشرية والطبيعية وأنه في تصاعد مستمر بحيث أصبح هو المهيمن على عرش الساحة السياسية العراقية ومن دون منازع جدي ومؤثر.

لقد دفع العراقيون طيلة ما يقارب قرن من الزمن ثمناً غالياً جداً ومتواصلاً من الدماء والتضحيات والحرمان من أبسط مقومات الحياة وفي وطن زاخر بخيراته الطبيعية والجغرافية والحضارية، في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم ولكن في عين الوقت يعتبر من أفقرها في الإدارة والتنظيم والحكم ليس ذلك إلا لأسباب عديدة لكن أهمها هو النظام السياسي القائم على المركزية الفاحشة في الحكم الذي أسسه البريطانيون في العراق بما يتوافق مع مصالحهم الخاصة وليس مع مصالح العراقيين. يمكن تشبيه تأسيس بريطانيا لدولة العراق ببناية أوعمارة متكونة من عدة طوابق بنيت على أسس وقواعد خاطئة وغير مطابقة للمواصفات الهندسية المطلوبة فمن الطبيعي أما أن تنهار هذه البناية أو ستظهر عاجلاً أم آجلاً العيوب والشقوق في جدرانها وبالتالي يعاني سكانها من خطر إنهيارها. هكذا أسس البريطانيون كيان دولة العراق على أسس خاطئة ومتناقضة ومتصارعة وأستمر هذا الكيان حتى يومنا هذا  ومن دون أن يكون قادراً على التخفيف من تناقضات العراقيين ومنعها من إستفحالها نحو صراعات دموية مستديمة أو تأطيرها ضمن أطر سياسية وتنظيمية قادرة على ترويض هذه التناقضات وعلى التتخفيف من معاناة العراقيين المستديمة. من هنا يستوجب أعادة النظر في النظام المركزي الفاحش للحكم في العراق وإعادة تأسيسه بما يتوافق مع مكونات العراقيين الدينية والطائفية واللغوية والجغرافية والديموغرافية وضمن أطر جديدة تحل محل المركزية الفاحشة وفي عين الوقت تبقي على الصلة الحضارية والتاريخية والجغرافية والسياسية التي تربط العراقيين ببعضهم، فالعراق وحدة واحد لا تقبل التقسيم القاطع ولكن من الممكن جداً أن يتم تحصيص هذه الوحدة الواحدة وإعادة تأسيسها طبقاً لمكونات العراقية المختلفة والمتناقضة.
الديموقراطية…  شعار ينادي بها أعتى الدكتاتوريون في العالم ويدرجونها في دساتيرهم ولكن شتان بين المناداة بهذه الشعارات وتسطيرها في الدساتير وبين تطبيقها على أرض الواقع. والعراق منذ تأسيس كيانه السياسي ولحد هذا اليوم لا تخلوا دساتيره من كلمة الديموقراطية وحتى دستور عام 2005 ينص في مادته الأولى على أن العراق جمهورية ودولة إتحادية واحد ولكن في الواقع عكس ذلك تماماً فمعاناة العراقيين المستديمة ما هي إلا صورة لإنعدام الديموقراطية في ممارسة الحكم والحياة العامة. فالعداء السافر  المتوارث عن المرحلة العثمانية في التعامل مع “المختلف”، أحتل المقام الأول في أسلوب معالجة التناقضات والاختلافات القائمة بين أهل العراق وانعكس ذلك بشكل مباشر في الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على السلطة وارتبطت بها بشكل عضوي بحيث جعلت من الصعوبة جداً رسم حدود فاصلة بين السبب والمسبب ومن ثم استحالة الإجابة على سؤال فيما إذا كانت الأنظمة الاستبدادية من خلق زمرة قليلة من متعطشي السلطة والجاه أم هي المحصلة النهائية لطبيعة العراقيين الغارقين في التناقضات والصراعات.  فلا يختلف اثنان في هذه الدنيا بأن الأنظمة الاستبدادية والفردية في العراق دمرت، من خلال سوء إدارة  الصراع، الإمكانيات الحضارية والجغرافية والتاريخية والفكرية والإبداعية الهائلة للعراقيين، كما لا يختلف اثنان أيضاً بأن الديموقراطية هي أنسب نظام للتعامل مع اختلافات وتناقضات العراقيين المستديمة، ليس بمفهومها الغربي الكلاسيكي، وإنما بمفهوم قبول الاختلاف المشروع وإتاحة الفرصة له للتعبير عن اختلافه وتطلعاته السياسية ومثل هذا التعبير لا يمكن أن يتم إلا ضمن أطر سياسية وأنظمة متطابقة مع الظروف القومية أو الطائفية أو الجغرافية أو التاريخية لكل مجموعة من مجموعات العراقيين، أي بعبارة أخرى يأتي النظام الفدرالي القائم على الأقاليم ذات الحكم الذاتي  في المقام الأول أن لم يكن الوحيد لضمان الأسلوب الأمثل في الإستقرار والأمن لكل قومية أو طائفة أو أثنية في العراق.
لكن الفدرالية بدون ديموقراطية حقه وبناء عقلية قائمة على قبول الآخر لا يمكن أن تستمر، فحالها كحال من يحاول زرع شجرة على الصخور، فطبيعة العلاقات المتوترة بين بغداد وأربيل وإهتزاز الحكم الذاتي القائم، مرجعه الأساسي هو فقدان الثقة بين الطرفين بسبب فقدان الديموقراطية النزيهة في التعامل بين الطرفين. إن مثل هذه الديموقراطية يتطلب خلق حد أدنى من إمكانيات انتقال وتداول السلطة بشكل سلمي وهادئ وليس بالعنف أو التوريث أو بالإنتخابات المزيفة وبإبتلاع الكيانات الكبيرة للمجموعات الصغيرة. أن قبول وإشاعة مفهوم “الاختلاف المشروع” في العقلية العراقية يجعل من الفسيفساء القومي والديني والفكري والحضاري والجغرافي في العراق نعمة وإغناء حضاري وفكري، في حين على العكس من هذا تماماً، أن “العداء السافر” تجاه هذا التنوع يجعله نقمة وإفقار حضاري.

© 2021 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی