You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » صورة وحدث من التاريـخ القومي الآشوري المعاصر//أبرم شبيرا

صورة وحدث  من التاريـخ القومي الآشوري المعاصر
أبرم شبيرا 

صورة نادرة وفريدة تنشر لأول مرة تجمع كل، من اليسار الى اليمين، المناضل والمفكر القومي المعروف يوسف ماليك وهو من بلدة تلكيف في شمال بيت نهرين والمناضل ماليك ياقو ماليك إسماعيل ثم الأب الفاضل الخوري زيا بوبو دوباتو ببدلته العسكرية وقبل رسامته كاهناً لكنيسة المشرق الآشورية في الموصل. والصورة كانت من مقتنيات الخوري زيا (حصلت عليها في بداية التسعينيات من القرن الماضي من أبنه د هرمز) أخذت هذه الصورة في مدينة بيروت – لبنان بعد الحرب العالمية الثانية وهناك أحتمال أن يكون تاريخها في عام 1948. في تلك الفترة كان المفكر يوسف ماليك يقيم ويعيش في بيروت منذ الحركة القومية الآشورية لعام 1933 حيث كان موظفاً مدنياً في الحكومة العراقية منذ تأسيسها الا أن السلطات العراقية كانت قد منعته من العودة الى العراق بسبب مواقفه البطولية في مقاومة أستبداد السلطات العراقية للآشوريين فأضطر أن يتخذ من لبنان وطناً له ومن هناك كتب عدة كتب ومنها كتابه المشهور خيانة بريطانيا للآشوريين الذي أثار حنق الحكومتين البريطانية والعراقية عليه. وفي بيروت أسس مع مجموعة من الآشوريين من منطقة الحسكة في سوريا تنظيم أشوري سميّ بـ ” لجنة التحرير الآشوري ” وكانت هذه اللجنة تصدر نشرة دورية تحت نفس الأسم حتى عام 1949 يدعو فيها الى إيجاد مخرج للقضية الآشورية، وهي اللجنة التي لا نعرف عنها غير نسخ عتيقة ومهلهلة من النشرة المذكورة موجودة على الرفوف المظلمة للمكتبة البريطانية في لندن. وظل المفكر يوسف ماليك طيلة حياته مناضلاَ آشورياً ومفكراً قومياً حتى أخر رمق من حياته حيث توفي في بيروت عام 1959. أما ماليك ياقو فكان لتوه قد تسرح من خدمة الكتيبة الآشورية التي جندتها بريطانيا أثناء الحرب الكونية الثانية لحماية خطوط الامدادات والمساعدات التي كانت تقدمها دول الحلفاء الى الاتحاد السوفياتي عبر العراق وإيران والتي لعبت دوراً مهماً في حماية هذه الخطوط ودعم القوات السوفياتية في موجهتها للقوات الألمانية النازية في أوربا الوسطى اثناء الحرب العالمية الثانية. وهناك العديد من التقارير والدراسات عن البطولات التي قام بها الآشوريون اثناء الحرب حيث شاركوا مع قوات الحلفاء في تحريرالقبرص واليونان من النازية. وهناك مقبرة في اليونان لضحايا الحرب من ضمنها ثمانية مقابر لجنود آشوريين من قوات المظليين الخاصة قتلوا أثناء معركة تحرير أثينا من القوات النازية وعلى أحجار قبورهم حفرت أسماؤهم باللغتين الأنكليزية والسريانية. أما الخوري زيا دوباتو فقد ظل فترة أخرى في الخدمة لحين حل الكتيبة الآشورية في الخمسينات وأنضمام بعض الضباط الآشوريين الى الجيش العراقي الرسمي الذين أيضا أبدوا بطولات فائقة ومتميزة أثناء خدمتهم العسكرية في دولة العراق.

كان ماليك ياقو في تلك الفترة يعيش في منطقة خابور في سوريا وفي بداية الستينات ضغظ عليه بعض القوميين العرب المتطرفين (الناصريون والبعثيون) في سوريا عقب قيام الوحدة مع مصر فأضطر للسفر الى بيروت ثم الهجرة الى كندا وتوفي في العراق عام 1974 بعد أن كانت الحكومة العراقية قد وجهت له دعوة رسمية لزيارة العراق وأعادة له جنسيته العراقية المسقطة عنه ودارت الشكوك حول السلطات الأمنية بخصوص موت ماليك ياقو إذ يعتقد بأنه تم تسميمه بمركبات الزئبق البطيئة التسمم بعد رفضه مخططات النظام البعثي في توريط الآشوريين في حربها مع الحركة الكردية. في حين كان الخوري زيا يعيش في الموصل في العراق وظل هناك طيلة عقود عديدة يخدم أبناء شعبه كخوري جليل ومحترم بينهم، الا أنه أضطر اللجوء الى إيران في بداية الثمانينيات هرباً من ظلم وأستبداد النظام البعثي له ولأبنائه وعائلته في الموصل وذلك بسبب كون أبنه د.هرمز أحد مؤسسي الحركة الديمقراطية الآشورية والمطلوبين للسلطة البعثية. وأثناء تواجد الخوري زيا في المنفى في إيران أهتمت بعض الهيئات الدولية والمنظمات المعنية بحقوق الأنسان بقضيته وتناولتها وسائل الاعلام الدولية فقدمت شكوى الى الحكومة العراقية بهذا الشأن وفي عام 1989 أنتقل الى جوار ربه ودفن في مثواه الآخير في أورمي .

يقول أحد أبناء الخوري زيا بأن الصورة اخذت بمناسبة عقد اجتماع في بيروت للبحث في مصير الآشوريين وأمكانية الخروج بحل لمشكلتهم القومية في العراق خاصة بعد المستجدات التي افرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية في العراق، لا سيما كان للآشوريين قوات عسكرية متميزة بالشجاعة والخبرة العسكرية يمكن أستخدامها في تحقيق المشاريع التي يحلمون بها منذ زمن بعيد  في السكن في مناطقهم التاريخية بسلام وأستقرار. ويضيف بأن أهم قرار توصلوا اليه في هذا الاجتماع هو عقد نوع من الاتفاق مع الزعماء الاكراد والدخول معهم في حلف لتحقيق كيان مستقل مشترك  لهم أو حكم ذاتي لكل منهما حقوق وأمتيازات تقوم على التفاهيم والمحبة والمودة. ولما كان الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني منفياً خارج العراق ويعيش في الاتحاد السوفياتي، وهو الصديق الحميم لماليك ياقو، لم يكن من المناسب الاتفاق معه وهو خارج العراق لذلك توجهت الانظار الى زعيم أخر وهو كاميران بدر خان، وهو حفيد المجرم الكبير مير بدر خان الذي أرتكب مذابح كبيرة بحق الآشوريين للفترة من 1845 الى 1848 واستشهد منهم مايزيد عن عشرة ألآف وتشرد الباقون منهم بعد أن دمر قراهم وأحرق حقولهم. غير أنه بالنظر لكون هذا الزعيم متعاوناً مع الحكومة العراقية في تلك الفترة ولم يكن له طموحات قومية وبالنتيجة فشلت الفكرة قبل أن تبدأ خطواتها الأولى. ومن المعروف بأن هناك مثقفين وكتاب وفنانين كبار من عائلة بدرخان معظمهم يعيشون في لبنان ومصر، ولا نستطيع التأكيد فيما إذ كانت هناك صلة بينهم وبين المجرم مير بدرخان، وبهذا الخصوص أتذكر ما قاله لي المرحوم ماليك ياقو أثناء زيارته للعراق في منتصف السبعينات من القرن الماضي بأن أحفاد مير بدرخان الذين كانوا يعيشون في لبنان قد قدموا أعتذار له عن جرائم جدهم بحق الآشوريين.

ترى ما الذي دفع هؤلاء المناضلين في تلك الفترة الى اتخاذ مثل هذا القرار ؟.. وما هي دوافعهم وأسباب اتخاذ مثل هذا القرار، خاصة وأن كاميران هو أبن زعيم كردي قام بمذابح شنيعة ضد الآشوريين وفي حينها قتل أيضا ماليك أسماعيل جد ماليك ياقو ومثل بجثته وهو أسير جريح مقيد اليدين والرجلين … ومن هم الأشخاص الاخرين الذين حضروا هذا الاجتماع ؟؟ ؟؟ أو هل كان هناك حقاً قراراً أو مشروعاً من هذا القبيل ؟؟ أو هل عقد بالأصل  اجتماعاً من هذا النوع ؟؟.. أسئلة وأسئلة وعلامات استفهام الى ما لا نهاية وسوف تضل وتستمر هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام فارضة نفسها على كل من حاول البحث في خفايا التاريخ الآشوري ذلك لان الجواب لا وجود له لكونه مطموراً في أعماق التاريخ أن لم يكن الجواب غائباً غياباً أبدياً ولا وجود له بعد أن غاب أصحابه وغيرهم الذين لعبوا أدواراً في صنع التاريخ الآشوري بكل جوانبه السلبية والايجابية. أنها المعضلة التاريخية التي تعيشها أمتنا ، معضلة قلة الوثائق والمذكرات أو انعدامها نهائياً خاصة مذكرات أمثال هؤلاء الرجال، انها معضلة بدون نهاية والخشية هي من أستمرارها حتى بالنسبة للأجيال الحالية، لانه بنظرة بسيطة للواقع الآشوري المعاصر يظهر بأن الآشوريين لا يقرأون  تاريخهم فحسب وأنما أيضا لايكتبون منه شيئاً، ومن لا يكتب تاريخه سيكتبه غيره وبالشكل الذي يرتأيه ويحقق مصالحه لا بالشكل الذي يخدم مصالح صاحب التاريخ. هكذا كان الحال مع أباءنا واجدادنا فغيرهم كتبوا تاريخهم طبقاً لمصالحهم وسببوا بكتاباتهم المختلفة والمتناقضة الكثير من التشويه والتزييف لا لتاريخ الآشوريين فحسب وإنما أيضاً لهويتهم وتسميتهم القومية والتي نعانيها في هذا اليوم ونحسسها بمرارة، وهو نفس الاحساس الذي سينتاب أبناؤنا وأحفادنا اذا لم نكتب تاريخنا بنفسنا وبأقلامنا. وقد يكون العذر مقبولا عندما نعرف بأن أباءنا وأجدادنا كانو “أمييون” لا يعرفون من فنون الكتابة شيئاً ولايدركون أهمية كتابة التاريخ للأجيال القادمة، ولكن كيف والحال مع مجتمعنا الحالي الذي يزخر بالمثقفين والمتعلمين والاختصاصيين والسياسيين والمهتمين بمصائر هذه الأمة، لابل وحتى أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية لا تكتب شيئاً عنها وعن نشاطاتها وتكويناتها فكيف ستعرف الاجيال القادمة بوجود هذه المنظمات وبنشاطاتها وكيف تتواصل ذكريات الأمة من دون كتابة هذه الذكريات، فهنا العذر مهما كان سيكون حتماً عذراً غير مقبولاً على الاطلاق ذلك لان الجميع وبالاخص المثقفين والقوميين منهم أمام مسؤولية تاريخية لا يتحمل غيرهم عواقبها الوخيمة لانها مسؤوليتهم الأولى والاخيرة في كتابة تاريخ أمتهم. فالحركة الديموقراطية الآشورية على سبيل المثال لا الحصر، تعتبر أكبر حزب سياسي في تاريخ المعاصر وحقق إنجازات قل مثيلها في القرن الماضي ولا يشك أحد بكثرة مفكريها ومثقفيها من أعضاءها ومن المؤيدين والمناصرين لها ومن المؤكد لها أمكانيات توثيق تاريخها في مجلد ضخم منذ تأسيسها ولنقل حتى عام 2003 شاملاً مراحل تأسيسها ومؤتمراتها وإستراتيجيتها وهيكليتها ليصبح مثل هذا المجلد مصدراً تاريخياً لنضال أمتنا للأجيال القادمة، لا بل ويصلح هذا الموضوع كرسالة جامعية لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه في علم السياسة أو في علم التاريخ السياسي … فكرة … فهل من مستجيب.

© 2012 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی