بقلم الكاتب اللبناني 

عصام محمد جميل مروّة

الإنسحاب الامريكي يزداد في إرساء خطط وإنحطاط وهمية وأفخاخ قاتلة والأدلة كثيرة ومتوفرة

على الأقل في الخمسين عاماً المنصرمة في جبروت حكام البيت الابيض .

قبل الدخول في متاهات الإفتراضية لما قد يُحدثهُ الإنسحاب الذي أُثبِتّ للعالم ان امريكا هي الوحيدة والقادرة على فعل ما لا تستطيع اية قوة عالمية مهما كانت ذروة قوتها لكنها تبقى فريدة في جذب كل جديد ومستجد ومُعّد للجدال الكبير .

خرجت من حرب فيتنام عام ١٩٧٥-١٩٧٦ تاركة اثاراً ما زالت تتعثر عند كل مفصل سواءً كان صغيراً ام عظيماً و صناديق الانتخابات تشهد على تلك الحالات منذ هرولتها المشينة بعد خوض غمار مستنقع فيتنام وتقسيمها جنوبية لها تحالف غربي ، وشمالية منها عُرِفت المقاومة الشعبية التي كان منظرها هوشي منه في غابات الفيتكونغ.

والحالة الاكثر ترسيخا بعدما دخلت عام ١٩٥٨ الي لبنان ، وكان الاسطول السادس يُرِيدُ ايهام اعداء امريكا في حوض البحر الابيض المتوسط اثناءها انها القوة الفاعلة ومن يتحداها يغرق في حروب لا حدود لها وهكذا كان فعلاً الى ما بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ١٩٧٥ التي ادت الى تدخلها مرةً ثانية ولكنها ضبضبت توابيت جنودها وضباطها بعد التفجيرين الكبيرين في السفارة الامريكية في عين المريسة ، وسط بيروت ، وفي قرب مطار بيروت الدولى بعد شاحنة المتفجرات التي ادت الى مقتل المئات عام ١٩٨٣ قرب محيط مطار بيروت ،حينها قرر الرئيس رونالد ريغان سحب الاسطول والمدمرة معاً خوفاً من تصاعد الهجمات وكان الهروب اشبه بصفعة جديدة تتلقاها على الاثر.

وفي الصومال سنة ١٩٩٢-١٩٩٣ ، كانت القوات الامريكية تحاول هيمنتها وسيطرتها على ابواب القرن الافريقي ، ولكنها تعرضت الى هزيمة اقوى في العصر الحديث بعد إسقاط طائراتها المروحية واحدةً بعد الاخرى مما ادى الى سقوط العشرات من الضباط والجنود وسرعان ما تداركت ادارة العسكر عدم قدرتهم على مواجهة منظمة الشباب الإرهابية الصومالية وبدأت رحلة الإنجرار والإنسحاب خشيةً من تزايد الخاسائر.

وهناك مناطق ودول لها تاريخ مؤثر في حياة كبار ضباط عسكر امريكا في العصر الحديث عندما يتحدثون عن فرضيات ازاحة نظام وتغطية اخر ، ودعم رئيس هنا وسجن وقتل اخر هناك ، في امريكا الجنوبية وفي افريقيا ، وفي اسيا ، واللائحة ممتلئة في فداحتها الإرهابية عندما تفقد صوابها لا ترى سوى الهرولة وترك الحسابات الى حينها . او حتى في العراق بعدما دكت الملاجئ التي هرب اليها الناس خشية همجية القصف الجوي المجرم والعامرية شاهدة على تلك المجازر عام “١٩٩١” .

وكلنا ندري جيداً مدى خسارة امريكا بعدما تم محاصرة سفارتها في طهران ووضع دبلوماسييها في قبضة الثورة بعد عام ١٩٧٩ مما ادى الى سرعة فتح اوراق جيمي كارتر،  و رونالد ريغان ، معا ً مع الحلفاء في اوروبا منعاً للإصطدام ” إنهُ الهروب الامريكي المقتبس في الإستنساخ المشين عندما تبدأ خسارتها تتحول الى غول لا يدرى كيف يتصرف سوى البطش”!؟.

افغانستان اليوم يعود اليها (( الملا عبد الغني بردار )) ،  وهو معروف لدى الجميع انه الرجل الثاني الان ولهُ تاريخ طويل في عداوة امريكا ، ومحاورها في نفس الوقت ، منذ عام ١٩٧٩ كان مقاتلاً وها هو اليوم يحاور وينتصر ، ويناور ويعود من الدوحة الى الإمارة الرعناء.

قال الناطق الرسمي الجديد لحركة طالبان ” ذبيح الله مجاهد” الذي يعطى نمطاً جديد لمستقبل افغانستان وإعتبارها الإمارة الفريدة في العصر الحديث التي جُرِدّت و حُوصِرّت ونُفِّيت سابقا !  لكنها الان عادت ولديها خطط وبرامج سوف تكون صادمة للعالم أجمع، بعد إستيلاءها على مخازن اسلحة الجيش الافغاني الذي تركهُ خلفهُ الإحتلال الامريكي.

جيش مكون ويتألف اكثر من “” ربع مليون رجل  “” ، قد كلف الخزينة الامريكية اكثر من عشرين عاماً على بنائهِ وتطويرهِ في كيفية السيطرة الامنية على المصالح المهمة في العاصمة كابول ، وفي ارجاء افغانستان وخصوصا المطار والمرافئ الحيوية ،  والحدود والمراكز الحكومية . ها هو اليوم بعدما أقلعت الطائرات الامريكية حاملة معها بقايا الإذلال والخيبة لها وللشعب الأفغاني البسيط. لم يتمكن ذلك الجيش حتى في الدفاع عن وجودهِ في فتح النار او منع جحافل رجال الطالبان الذين كانوا ينقضون ، على المدن الافغانية واحدةً تلو الأخرى!؟.

كما ان سيطرتم وصلت الى مراتع العاصمة كابول وتم حصار مقرات وسفارات وبعثات الدول التي لها ادواراً ديبلوماسية مشبوهة ترعاها الولايات المتحدة الامريكية في العالم وفي العاصمة كابول ، ولقد اكد ذلك الرئيس الافغاني “” اشرف غني “” الذي تفاجأ في سرعة هيمنة الحركة الجهادية على كل مفارق ودروب ومراكز “”الدولة اللقيطة “” وتحديداً بعد الهجوم على قصر الرئاسة بعدما توصل الى نتيجة واحدة في الإسراع الى ضبضبة ، ولملمة ما يُمكنهُ من جنيهِ ومن اموال وذهب ومتاعِ اخرى في شنط غير موضبة تشوبها رائحة التآمر الأثم من جانب من نصبهُ هو غيرهِ من زعماء ورؤساء انية ومراحل تقطيع الزمن لصالح امريكا والشركاء. وكان اخر من حاول السفر رسميا عبر مطار حامد كرازي الدولى الذي شاع صيته بعد الإحتلال الامريكي وطرد حركة الطالبان التي كانت حامية لقيادة القاعدة اثناء تحضير الهجوم الكبير “” ١١-ايلول سبتمبر -عام ٢٠٠١ “” .  الذي ابكى الزعامات الامريكية من عهد بيل كلينتون ، وعهد جورج بوش جونيور ، وعهد اوباما الأسود ، وترامب الأرعن ، وصولاً الى ترهل وعجز جو بايدن الذي يداهمهُ مرض الزهايمر يوماً بعد يوم .

المُحيّر في الإنجاز السريع لتحكم حركة الطالبان دون إراقة الدماء الى اللحظة بعدما فتح المجال لزعماء الطالبان في مباشرة نشاطهم وحياتهم السياسية الجديدة كأنها سوف تكون غاية امريكا وحلفاؤها بعد أحتلال دام اكثر من عقدين من الزمن المرعب والمخيف في وسط وغابة دول اسيا ما بين الهند، والباكستان ،  والصين ، وروسيا ، وايران ، ودوّل بقايا الإتحاد السوفياتي المفكك ، ولكنهُ الشعب الافغاني ما زال يحصد اثار ما بعد طرد السوفيات السلبي والإيجابي في نفس الخانة!؟.

السؤال اليوم مطروح ويكاد يغدو في ذهول الترهلات في ايجاد اجوبة لدى الجميع بعد المفاوضات العلنية والسرية التي كانت ترعاها المخابرات الامريكية والسفراء والموفدين الى دولة قطر في العاصمة الدوحة ، بعد كل ازمة تواجهها امريكا على الأرض في افغانستان. “” هل هو التمهيد لإعطاء الطالبان غطاء عربي و امريكي في ان تُصبِحُ افغانستان مجدداً الإمارة والخلافة الإسلامية الجديدة التي بإمكانها مقارعة ايران الفارسية النهج او الشيعية التي تحكم بإسم ولاية الفقيه “”  !؟. إذن كل التوقعات والإحتمالات واردة وجاهزة وجائزة ، اذا ما عدنا الى التاريخ البعيد والقريب معاً في إستخدام الولايات المتحدة الامريكية جزمتها العسكرية في احتلالاتها المتكررة للمنطقة وتطويق ايران ضمناً !؟.

وايهام الجميع بأن المطلوب كان فقط الثأر والإنتقام لأحداث سبتمبر ايلول ٢٠٠١ ! وما تلاها في التوسع العسكري وتسهيل مهمة المارينز العسكرية الامريكية في سيطرتها على مناطق الصراعات والحروب ساعة تشاء ، وخصوصاً بعدما يكون “” التهديد للنفط العربي وللربية اسرائيل والصهاينة وتناسي حق الشعوب في تقرير المصير “” وفلسطين المثال الأول !؟.

قُتِل في حرب فيتنام ما يوازي ويقارب “” ٦٠٠٠٠

“” ، جنديُ ومعظمهم من الفارقة والملونين مع إرتفاع تلك الاعداد ما زالت الأسئلة مدوية في كيفية تعامل طيلة المرحلة تلك مع ملفات الخسائر وما جنتهُ امريكا من عنصرية فاضحة في تهميش وتمييع حقوق الغير من اصول امريكية .

في افغانستان هناك من يتحدث عن سقوط اكثر من ثلاثة الاف من الجنود ولكن المحصلة الواقعية بعيدةً جداً في تقديرات إحصائية نسبة للتقدم التكنولوجي في الحرب الحالية ، والإيعاز حتماً لصالح التطور الدعاية والاعلام في تقدم خيالي ما بين خوض حروب بدون جنود على الارض في المعارك !؟.

كلنا ندري امتلاك امريكا في سرعة التنقل والتفوق البري والبحري والجوي الخارق في إختصار نشر العسكر على مساحات قليلة ومراقبة واسعة .

هل المطلوب كان الإشتباك ما بين الجيش الافغاني وحركة الطالبان كما صرح جو بايدين في تأنيب قادة العسكر الذين اخذوا وقتاً وزمناً طويلاً لتثبيت حالات السلام الموتور والمتعثر دائماً ، كما شاهدنا إغداقات وتصريحات دونالد ترامب المشبعة في عنصرية لا سقف لها بعدما اثار الإختيارات فقط حول مصلحة الولايات المتحدة الامريكية ولم ينبت في بنت شفة حول حقوق الشعب الافغاني المجهول المصير .

عصام محمد جميل مروة  ..

اوسلو في – ٢٢ – آب – ٢٠٢١  –  ..