بقلم الكاتب اللبناني 

عصام محمد جميل مروّة

اذا كان نهاية القرن العشرين قد مهد للقاعدة في تمددها الارهابي وسيطرتها ووضع كامل هيمنتها على كافة بلاد العداء ضد الولايات المتحدة الامريكية انطلاقاً من افغانستان حيث تمكن قائد القاعدة حينها اسامة ابن لادن ان يصبحُ الوجه القبيح والارهابي الذي سوف يدمر كل ما تصلُ اليه ادواتهِ في التغلغل الارهابي في الترويع والترهيب . وكانت القاعدة في افغانستان قد رسمت وخططت مشاريع على الواقع وليس على الورق في إدراج اولوياتها حسب اراء كبار قادتها في تنظيم الجريمة المروعة التي سوف تُحتسبُ على وقائع واداة وأدلة يعرفها القاصى والدانى حول تنمية ودعم منظمة القاعدة في افغانستان منذ رعاية المخابرات الامريكية لها وتقديم كافة المساعدات العسكرية واللوجستية منذ ما قبل بلوغ حركة الطالبان في اواسط الثمانينات ، من القرن الماضي. اثناء العداء الكبير ضد الغازي الاحمر السوفياتي الذي لاقى مقاومة شرسة اثناء وفود العرب الافغان وتجمعهم داخل المدن والجبال في شكل مريب ومرعب لكى تتحول افغانستان حينها الى بؤرة ارهابية لاحقاً تحت غطاءات مختلفة ومتعددة ضد السوفيات حينها . وجائت حركة الطالبان نتيجة تنامى الجهل والتخلف في كيفية ادارة الحكم حينها وكانت الحركات المسلحة الافغانية تتخذ من تجارب العرب الافغان والاستعانة في الفوضى المنشورة حينها في مواجهة الإلحاد والكفار وإعتبار كل من لا يكون تحت إمرة القاعدة او الطالبان لاحقاً فهو عدوُ ومخالف للأصول الشرعية في سنن القرآن والعقيدة الاسلامية ، لذلك كانت حفلات حضور العقاب الجماعي اثناء الرجم والإعدامات الجماعية اليومية اشبهُ في محكمة مريبة تعاقب حتى النساء اذا ما سارت وحيدة دون مُحرم !؟.

كما لاحظنا اثناء الانتقال من قرنٍ الى الدخول في عقد القرن اللاحق ” ٢٠٠١- ٢٠٢١” فلم نستجدي او نستعيد في ذاكرتنا سوى رؤية ومشاهدة اكبر وافظع عملية ارهابية في التاريخ الحديث حيث كانت امريكا ترعى في كامل تسلطها الارهابي على العالم اجمع وتتعامل حين تقتضى مصالحها سواءً كان ذلك في التهميش ،ام في الحسم ،ام في الإحتلال ، ام حتى في خوض عمليات خطف جماعية،  والمعروف عن تنظيم المخابرات الامريكية ، و(( ال سي أى ايه ))في تجاوز كل الحدود المعقولة والغير مقبولة في الإنقضاض على الفرائس مع عدم مراعاة الإنتقاد الدولى وخرق حقوق الإنسان . وهكذا صارت امريكا تساوم على مكتسباتها مع الإرهابيين ، في كل الامكنة والازمنة،  منذ حروب العالميتين الاولى و الثانية ، وصولاً الى الزواريب في “” سايغون ، وبيروت ، والقدس ، “” .  وليست افغانستان الا محصلة مؤكدة على الخبث والرداءة في سلوك كل زعماء امريكا منذ بداية عهدها في الإستنزاف الدولى ومحاولاتها في ليّ كافة الاذرع التي تتجرأ على معاداتها او التغريد خارج اقفاصها ومعتقلاتها وسجونها الدولية .

طبعاً كانت عملية إختطاف الطائرات صباح “” ١١- ايلول -سبتمبر -عام ٢٠٠١ “” مدخلا ً في غوص افتراضات غير دقيقة حول ما جنتهُ ام تجنيه او حتى ما لم تدركهُ الادارت المتعاقبة في البيت الابيض عن كيفية الغنائم في جنيها ، من تلك العملية المدمرة التي زلزلت الولايات المتحدة الامريكية في كيفية ادارة الازمات من خلال هوّل الارهاب التي مارسته وتمارسه . و وصلت اخيراً الى دارها رائحة الدم ،  والاصوات المستغيثة الناتجة عن الدمار في المركز التجاري الدولى الذي من المستحيل في افكار الزعماء ان تتحول الى قضية قد تساوم عليها ؟ او تعلم مُسبقاً انها مجبورة وملزمة لكى تحاور حتى من تشك انهم

“” اعدقاء “” والمعلوم لدى الجميع ان سقف الصداقة مع امريكا يغرق نسبياً وربما اعنف واعمق في العداء . او في الصورة المنوطة وكيفية رسمها عن ادوارها في المراوغة من جهة ، والمناورة من ناحية اخرى ، والاخطر من كل ذلك اهوال المؤامرة التي تجيد تجسيد ادوارها في الداخل وفي الخارج !؟.

هنا يجرنا التساؤل الكبير بعد ما اعلنت ادارة الرئيس الامريكي الجديد جو بايدين بداية عملية الانسحاب العسكري الكامل من افغانستان بعد دخولهم مباشرة غداة تحديد العدو الاول والتلميح ان القاعدة قديماً وتحت عباءة الطالبان هي من دمرت وخططت وفعلت فعلها في ” ١١ ايلول الاسود القاتم عام ٢٠٠١” .لكنها اليوم بعدما كانت اداراتها تعمل وتخطط حتى مع حركة الطالبان سواء ً كان ذلك علنا ام سراً انطلاقاً من الاجتماعات المباشرة مع كافة الادارات الامريكية التي لها سوابق في بناء علاقة شبكات مع زعماء ارهابيين . منذ بداية التغيير الجوهري غداة حرب فيتنام الشهيرة ، التي تركت الباب مفتوحاً امام من يريد الحوار ، ومن يريد صناعة الارهاب ، وتطويره حسب نظرية “” الصهيوني الاكبر هنري كيسنجر “” الذي صاغ برامج السلام واخفى في الخبايا الجشع والطمع في التفوق العسكري المنظم الذي لا يشوبه الشك في وضع حدود لأمريكا ، وما تراه مناسباً ،  ولأمريكا لما تراه سرعة البديهة في استخدام نفوذها وعنفها وقوتها ، من ابواب ديبلوماسية واسعة ومن على منصات اساطيلها المنتشرة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وابقى هنري كيسنجر مسألة السلام المستحيل ما دامت امريكا مجبرة على ذلك . ومنذ حرب اكتوبر عام ١٩٧٣ التي رجحت انتصار العرب على الصهاينة فما كان من امريكا ووزير خارجيتها حينها كيسنجر حتى ضرب قبضته و عصاهُ على الطاولة مهدداً ومتوعداً كل من يحلمُ في معادات امريكا او ربيبتها الصهيونية المدللة اسرائيل. وأُعلن من يومها تحول وجهة الولايات المتحدة الامريكية في إتفاق ضمني مع تقاسم العالم مع الإتحاد السوفياتي السابق ومحاولات ايجاد حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية التي هي المفجر الاول والاخير لكل محاولات الضعف والإختفاء خلف قضايا تائهة وضائعة ومنسية!؟.

الإحتضار في بلد الصخور والعمائم والعقول المتحجرة تركة الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها الغربيين سوف تتحول الى موت سريري للإنسان في هذا الزمن ما بين التقدم والتزمت في سياق ادلجة العصر الحديث.

من اين سوف تبدأ حركة الطالبان في تثبيت بطشها على المجتمع الافغاني في ادارة البلاد من باب الارهاب. هل سوف تستخدم اساليب السحل والحرق للناس وهم احياء،  وإهراق مادة البنزين في الحفر كعقاب جماعي كما شاهدناه سابقاً ؟. ام هل سوف تستخدم عمليات التعصيب وربط وتقييّد الايادى خلف الظهور للعشرات مِمّن لهم شبهات علاقات مع الذين كانوا سبباً في تدمير الطالبان منذ ما بعد الإحتلال!؟. هل سوف تتحول وتصبح المحاكم في الشارع على كل إنسان حليق الذقن ، او لا يرتدي الثياب واللباس المهلهل ، الذي يعود بنا الى عصور ماضيةً ليس فيها نور على الاطلاق ، بحكم الظلام الدامس في الإستبداد والإحتكار للسلطة وللجهل وللقوة والإفراط الديني المنحل تحت عمامات بيضاء لا امل لها سوى فرض شريعة التخلف بعد خلافة عشرين عاماً في افغانستان الغامضة في سياق زعم امريكا بعد الانسحاب وترك الابواب للطالبان في تشددها وتحكمها في رقاب العباد مجدداً بالسيف الحاد.

عصام محمد جميل مروة  ..

اوسلو في -٢٩-آب- ٢٠٢١-  ..