You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » وحدة الكنيستين المشرق الآشورية والشرقية القديمة … هل لها تأثير على المستوى القومي؟/أبرم شبيراوحدة

أبرم شبيرا

أولا: كلمة لا بد منها:
————
للحق أقول بأنه رغم مطالبة بعض الأصدقاء والقراء للكتابة عن هذا الموضوع الذي يخص محاولات الوحدة بين الكنيستين المشرق الآشورية والشرقية القديمة، إلا إنني ترددت كثيراً ليس لأنني لا أرغب في “حشر أنفي” في مسائل كنسية قد لا تكون مهمة لما أؤمن به من فكر قومي بعيد عن النزاعات والإختلافات الكنسية فحسب، بل لأن الولوج في الخلفية التاريخية لمثل هذه الإختلافات والنزاعات وعرض بعض أسبابها وذكر بعض الشخصيات سواء بمواقفها الإيجابية أو السلبية قد يفهمها البعض بأنها نوع من “التصيد في المياه العكرة” وتذكير بالماضي الأليم الذي ألم بشعبنا وقسمه إلى طوائف وملل التي نخرت بجسم أمتنا وأعاقت نشوء فكر قومي وحدوي متطور بعيد عن هذه الاختلافات والنزاعات. ولكن قبل كل شيء أرجو من القارئ اللبيب أن يستميحني عذرا فيما إذا فهم الموضوع بأنه إساءة إلى هذه الكنيسة أو تلك الشخصية، بل على العكس من هذا فإنني أؤكد تأكيد قاطعاً بأنه ليس هناك أية نية سيئة أو إساءة أو مدح وتمشتدق إلى هذا الطرف أو ذاك، فشخصيا أعتبر نفسي فوق جميع هذه الإعتبارات، فلا فكري ولا إخلاقي يسمحان بالإساءة لأي من أبناء أمتني سواء أتفق معه أم لا، فعلينا جميعاً أن نعرف بأن الإختلاف والخلاف والتناقض هو أساس تطور المجتمع فيما إذا فهمنا فلسفة تطور المجتمعات القائمة على التناقض ثم نقض التناقض، وهكذا سعياً للوصول للحقيقة التي تخدم المجتمع، وهذا هو الهدف من كتابة هذا الموضوع، فالإختلاف سُنة الحياة والتطور شئينا أم أبينا.
ثانياً: تنحي البطريركين:
————–
منذ أن أعلن قداسة مار كوركيس صليوا الثالث البطريرك (السابق) لكنيسة المشرق الآشورية في شهر شباط من عام 2020 رغبته في الاستقالة من كرسي البطريركية ولأسباب صحية ومن ثم تلى ذلك إصدار قداسة مار أدي الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة مرسوماً بطريركيا بتعيين غبطة المطرابوليت مار يعقوب دانيال راعي أبرشيه أستراليا ونيوزيلندا للكنيسة وكيلاً بطريركاً عاما للكنيسة بسبب مرور قداسته بحالة من الضعف الجسدي أدى إلى عدم تمكنه من أداء واجباته البطريركية كما يتطلب، حسبما جاء ذلك في المرسوم البطريركي المؤرخ في 4 حزيران 2021 (نطلب من ربنا يسوع المسيح أن يعطي قاداستهما الصحة والعافية وطول العمر)، وهو الأمر الذي يحدث لأول مرة في تاريخ كنيسة المشرق، حيث  كثر الحديث والكتابات عن توفر فرصة، وصفها البعض بالذهبية، إمكانية توحيد الكنيستين في كنيسة واحدة كما كانت في سابق عهدها. ومن الطبيعي أن تكون معظم هذه الأحاديث والكتابات متحمسة لمثل هذه الوحدة وتلبي رغبة غالبية مؤمني الكنيستين. ولكن السؤال يبقى يختلج في صدرنا، كعلمانيين مؤمنين بجميع فروع كنيسة المشرق وملتزمين بمبادئنا القومية الأساسية عن مدى تأثير أو تداعيات هذه الوحدة على المستوى القومي، خاصة في مقارنة وحدة كنيسة المشرق الآشورية مع الكنيستين الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية؟
ثالثاً: الكنائس الثلاث: الكلدانية والسريانية والآشورية:
——————————–
الحديث عن وحدة كنائسنا المشرقية خاصة الكنائس التي تستمد أصول طقوسها من تقليد مار أدي ومار ماري والتقليد السرياني الإنطاكي والتي يشترك جميع مؤمنيها بمقومات وجودهم القومي التاريخي، طويل ومعقد تخللها العديد من المحاولات والمقترحات التي طرحت على طاولة البحث سواء بشكل مباشر عن طريق اللقاءات بين أباء وبطاركة الكنيستين، خاصة الآشورية والكلدانية، أو بشكل غير مباشر عن طريق اللجان أو التراسل أو عبر الفاتيكان فوصل بعض من هذه اللقاءات إلى مراحلها الأخيرة بحيث أصبح موضوع الوحدة بين الكنيستين قاب قوسين، خاصة في عهد البطريركين قداسة مار دنخا الرابع وغبطة مار روفائيل بيداويد، رحمهما الله في فسيح جناته، بعد أن شكلا قداستهما لجان خاصة بهذا الشأن ورسموا الخطوات العقلانية والمنطقية على طريق الوحدة بين الكنيستين، إلا أنها اصطدمت بالثوابت الإدارية وبموضوع شركة الكنيسة الكلدانية مع الفاتيكان وبإستقلالية كنيسة المشرق الآشورية، فوصلت إلى طريق مسدود. رغبة التفاهم بين الكنيستين المشرق الآشورية والسريانية الأرثوذكسية تنامت أيضا فشرع أباء الكنيستين باتخاذ خطوات ايجابية توصلوا إلى بعض التفاهمات والاتفاقيات وتمثل قمة هذه التفاهمات في اجتماعات شهر آذار لعام 1998 التي عقدت في دير مار مارون في عناية بلبنان وصدور قرارات مهمة نحو التفاهم والتقارب بهدف إزالة الخلافات القائمة بينهما. غير أن هذه الجهود الطيبة، وبعد أسبوع واحد فقط، اصطدمت بقرارات الاجتماع الذي عقدها بطاركة عائلة الكنائس الارثوذكسية الثلاث الأعضاء في مجلس كنائس الشرق الأوسط: القبطية والسريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية، في دير بيشوي في وادي نطرون بمصر مؤكدة تأكيدا مطلقا على رفض وإدانة كافة التعاليم “الهرطقية” لعدد من رجال الكنيسة ومفكريها ومنهم نسطورس، فوصفوا أتباعه ومؤمنيه بـ “الهرطوقيين” وهي إشارة واضحة ومقصودة بكنيسة المشرق الآشورية ومؤمنيها. لا بل والأكثر من هذا حيث حرموا على أي من الكنائس الثلاث للعائلة أن تقوم بمباحثات واتصالات مع الكنائس الأخرى إلا بعد الموافقة الجماعية لها، أي بهذا المعنى كان المقصود هو الكنيسة السريانية الأرثوذكسية التي كانت قد اجتمعت مع كنيسة المشرق الآشورية وتوصلت إلى بعض التفاهمات، إلا أنها خضعت لسطوة الكنيسة القبطية وبالتالي لم يكن مصيرها إلا الطيران على أدراج الرياح، وبالنتيجىة بقيت وأستمرت كنيسة المشرق الآشورية الوحيدة خارج مجلس كنائس الشرق الأوسط رغم كل الجهود التي بذلتها وبمساعدة شقيقتها الكلدانية للإنضمام إلى المجلس إلا أنها كانت دائماً تصتدم بالفيتو القبطي المسيطر بالكامل المطلق على المجلس والذي وصفه البعض بـ “النادي القبطي”.
إذن من كل ما تقدم في أعلاه المبني على الحقائق التاريخية  يظهر بأنه رغم وجود بعض الاختلافات الإدارية  والعقائدية اللاهوتية بين الكنائس الثلاث، الآشورية والكلدانية والسريانية، إلا أن السبب الرئيسي لعدم إمكانية التوصل إلى تفاهم بينهما والتقارب هو العامل الخارجي المتمثل في إرتباط الكنيسة الكلدانية بالفاتيكان وفي سطوة الكنيسة القبطية على الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. أما بالنسبة لموضوع التفاهم والوحدة بين الكنيستين، المشرق الآشورية والشرقية القديمة، فالسبب الرئيسي يختلف كليا، وهذا ما يتطلبه بعض التفصيل.

رابعاً: الكنيستان المشرق الآشورية والشرقية القديمة وما بينهما:
————————————–
الخلاف الذي نشب بين الكنيستين في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ليس سببه الرئيسي تبني قداسة مار شمعون إيشاي البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية التقويم الغريغوري بدلا من التقويم اليوليالي، بل كان هذا مجرد القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل العربي. فللخلاف بين الكنيستين جذور تاريخية عميقة في المجتمع الآشوري تمتد من بداية انهيار المجتمع الآشوري التقليدي عقب قيام الحرب الكونية الأولى وتحطم البنية التحتية الاجتماعية القائمة على “العشيرة – الكنيسة” التي كانت تخلق بنية فوقية تمثلت في قيادة البطريرك مع زعماء العشائر “ماليك” للمجتمع الآشوري من الناحيتين الدينية والقومية، ومن ثم بداية ظهور بوادر لقيادة علمانية من رُكام إنهيار النظام التقليدي السابق “كنيسة – عشائر”، تمثلت في  التحالف الثنائي بين أغا بطرس إيليا البازي وماليك خوشابا يوسيب من عشيرة تياري السفلى ودخولهما في خلافات مع العائلة البطريركية خاصة مع سرومه خانم عمة البطريرك مار شمعون إيشاي التي كان لها اليد الطولى في الامور الكنسية والقومية. وهنا رغم إختلاف الجبهتين على بعض المسائل القومية والسياسية إلا أن الإنتماء الكاثوليكي لكلا القائدين أغا بطرس وماليك خوشابا والتحالفات الخارجية التي عقدهما كل من أغا بطرس مع فرنسا وماليك خوشابا مع الحكومة العراقية مقابل تعاون العائلة البطريركية مع بريطانيا يجب أن توضع بنظر الإعتبار عند البحث عن هذه الخلافات.
عندما نفيً أغا بطرس إلى فرنسا عام 1921 من قبل بريطانيا وموته هناك عام 1932، خلت الساحة السياسية المعارضة للعائلة البطريركية لماليك خوشابا خاصة بعد المؤتمر الآشوري الذي عقد في سر عمادية في أقصى شمال العراق في شهر حزيران من عام 1932 وتحالفه مع الحكومة العراقية وحصوله على بعض الإمتيازات، أحتدم الخلاف بين الجانبين وتصاعد نحو الصراع حول قيادة الآشوريين، خاصة بعد نشؤ الحركة القومية الآشورية بقيادة البطريرك مار شمعون إيشاي ومن خلفه سورمه خانم وماليك ياقو ماليك إسماعيل، زعيم تياري العليا، وتداعياتها المأساوية التي تمثلت في مذبحة سميل عام 1933 ونفي البطريرك وعائلته والمقربين إليه خارج العراق، ومن ثم تطاير البرقيات والرسائل في الأثير من قبل أتباع ماليك خوشابا والمغررين بهم والمتخاذلين المتخوفين من سطوة السلطة العراقية ومن بينهم بعض زعماء العشائر ورؤساء القرى ورجال الكنيسة من كهنة وأساقفة، إستنكاراً بتحركات البطريرك في الخارج وإتهامه بالخيانة وتعريض سمعة وأمن دولة العراق الحديثة للخطر وتعاونه مع الإستعمار البريطاني… إلخ. وبعد وفاة ماليك خوشابا، الذي لقبه أتباعه بـ “أسد تياري”، أنتقلت القيادة عام 1954 لأبنه البكر ماليك يوسف، او ماليك يوسيب، وهو من مواليد عام 1914 في حيكاري وكان قد دخل الكلية العسكرية العراقية عام 1928 وتخرج عام 1934 ثم في عام 1960 أحيل على التقاعد بناء على طلبه وهو برتبة عقيد، لذلك عرف أيضا بالعقيد يوسف. تولى ماليك يوسيب قيادة الجبهة المعارضة للبطريرك ولجميع مطاليبه القومية وأظهر ولاءاً كبيرا للسلطة السياسية وتبين وكأنه مناهض لاية حركة قومية آشورية أو حزب سياسي آشوري، فأصبح الشخصية الآشورية الأكثر شهرة لدى النظام السياسي إلى درجة أصبح فعلياً ممثلاً للآشوريين لدى السطات العراقية. هكذا أصبح وضع الآشوريين في العراق بين العقدين الرابع والسابع من القرن الماضي كنار متقد تحت رماد من العشائرية والمسائل الشخصية لا صلة لها إطلاقا لا بالكنيسة ولا بالدين، خاصة ونحن نعرف بأن ماليك يوسيب لم يكن من أتباع كنيسة المشرق بل كان صابئاً إلى البروتستانتية وليس ذلك إلا لأسباب شخصية وهو الأمر الذي يجب أن يوضع بنظر الإعتبار أيضا في هذه المسألة.
جاء تبني كنيسة المشرق للتقويم الغريغوري في النصف الأول من العقد السابع من القرن الماضي كالفتيل الذي حول النار من تحت الرماد إلى بركان هائج ظهر على سطح المجتمع الآشوري بحيث وصل الأمر إلى إحتدام الصراع والضرب والتشابك بالإيدي والهراوات بين الطرفين كما حدث في منطقة كمب الكيلاني ببغداد بحيث أدى ذلك إلى تدخل الشرطة والإحتجاز والتقاضي. وخلال هذه الفترة ظهر وكأن المجتمع الآشوري منقسم عموديا إلى قسمين متخاصمين تجسد بعض ملاحمه في تأسيس مؤسسات وأندية كالنادي الوطني الآثوري في بغداد من قبل أتباع ماليك يوسيب مقابل النادي الرياضي الآثوري في بغداد الذي كان في غالبيته من أتباع كنيسة المشرق. وحتى النادي الثقافي الآثوري الذي تأسس في بغداد عام 1970 من قبل خيرة المثقفين الآشوريين الذين كانوا فوق الإعتبارات العشائرية والإنقسامات الكنسية إلا أنه لم يسلم من تهمة كون مؤسسيه وأعضاءه من أتباع كنيسة المشرق والبطريرك مار شمعون إيشاي.
وحتى يأخذ الإختلاف والنزاع طابعه الكنسي كان لا بد من أتباع ماليك يوسيب أن يؤسسوا رسمياً كنيسة مقابل كنيسة المشرق، ولكن لم يكن كافياً بضعة خوارنة وقساوسة وشمامسة لمثل هذا التأسيس مالم يكن هناك هيكلية إكليرية كنسية كاملة إبتداءا من بطريرك ومطارنة وأساقفة، فوجدوا ضالتهم المنشودة في مار توما درمو مطرابوليت الهند لكنيسة المشرق الذي كان في خلاف إداري ومالي مع البطريرك مار شمعون إيشاي، فتم إستدعائه إلى بغداد للقيام بالمهمة المطلوبة في تأسيس كنيسة وبناء هيكليتها الإكليركية. وفعلا وبموجب صلاحياته المطرابوليتية قام برسامة عدد من المطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة ومن بينهم الشاب شليمون كوركيس ميخائيل وهو من عشيرة أشيتا أكبر العشائر التيارية الذي تم رسامته عبر المراتب الأكليرية المعروفة في الكنيسة من الشماس فالقس فاركذياقون فأسقف ومطربوليت وبأسم مار أدي الثاني كمطربوليت لبغداد. وبموجب صلاحته المطرابوليتية قام مار أدي الثاني في عام 1968 برسامة مار توما درمو بطريركاً على الكنيسة التي أطلق عليها رسميا بـ “الكنيسة الشرقية القديمة”، ولم تمضي سنة واحدة على تسنمه كرسي البطريركية حتى توفي مار توما درمو في عام 1969 وهو لم يتجاوز الخامسة والستين من العمر في مستشفى الراهبات في الكرادة ببغداد على أثر مرض كان يعاني منه بسبب الظروف القاسية التي عانها  في الهند. فضمن هذه الأجواء من جهة، ونشوب خلاف بين ماليك يوسيب وأتباعه ومار أدي وأتباعه من جهة أخرى، خاصة بعد مغادرة البطريرك مار شمعون إيشاي العراق بعد زيارته الثانية عام 1972 وعدم خضوعه للمطاليب “التأمرية” التي حاولت الحكومة العراقية فرضها عليه ورفضه رفضاً مطلقا التدخل في المسائل السياسية وتوريط الآشوريين في محاربة الأكراد، تم في عام 1972 رسامة مار أدي الثاني بطريركاً على الكنيسة الشرقية القديمة.
خامساً: بطريكان جديدان ومرحلة جديدة
———————-
بعد وفاة البطريرك مار توما درمو عام 1969 تم إختيار مار أدي الثاني عام 1970 بطريركاً على الكنيسة الشرقية القديمة ومن ثم كرس رسميا في عام 1972 كبطريرك للكنيسة من قبل مار نرساي توما مطربوليت كركوك ومار توما إرميا مطرابوليت نينوى. ومن الملاحظ بأن بين العامين (1970 و 1972) فترة ليست بقصيرة في مثل هذه المسائل الكنسية ولعل قد يرجع سببها إلى الخلاف الذي بدأ يظهر بين ماليك يوسيب وأتباعه ومار أدي الثاني وأتباعه بحيث وصل الأمر إلى أن يصرح ماليك يوسيب بأنه هو الذي أوصل مار أدي إلى كرسي البطريركية، كما جاء في أحد رسائله الخاصة. في حين يرى البعض بأن سبب عدم تكريس مار أدي الثاني كبطريرك حتى عام 1972 هو نية مطارنة وأساقفة الكنيسة الشرقية القديمة التريث أملا بأجراء إتصال وحوار من الطرف الآخر، أي أتباع التقويم الجديد، والوصول إلى حل لمعظلة الكنيسة. غير أن مثل هذه النيات تلاشت عندما صرح البطريرك مار شمعون إيشاي في مؤتمر صحفي ببيروت وهو في طريقه للزيارة الثانية للعراق عام 1972 واصفاً أتباع الكنيسة الشرقية القديمة بـ “المارقين والهراطقة” وكان قداسته أيضاً قد أصدر قرارا بتحريم مار توما درمو وأساقفة الكنيسة وجميع المراسيم الكنسية التي قاموا بها.
ومار أدي الثاني هو من مواليد عام 1947 (يذكر موقع يوكيبيديا بأنه من مواليد عام 1950) في قرية الشرفية القريبة من بلدة ألقوش في شمال العراق،  وقداسته من عشيرة أشيتا أكبر عشائر تياري السلفى المعروفة بغزارة علمها وثقافتها في اللغة والتراث والتقليد الكنسي وكان البعض من أبنائها مقربين للبطريرك والعائلة البطريركية “الشمعونية” ومعلمين ومستشاريين لها. وفي عام 1976، وعلى الجانب الآخر، تم إختيار قداسة مار دنخا الرابع، وهو بعمر 41 سنة كبطريرك لكنيسة المشرق الآشورية بعد إغتيال  البطريرك مار شمعون إيشاي. ولتسنم كلا البطريركين كرسي بطريركية  الكنيستين أهمية كبيرة في السياق التاريخي للخلاف بين الكنيستين وتتمثل هذه الأهمية في عمر قداستهما الشبابي، خاصة بالنسبة للبطريرك مار أدي الثاني الذي لم يكن طرفاً رئيسياً في فترة نشوب الخلاف في منتصف الستينيات من القرن الماضي. وعلى الجانب الآخر، كان البطريرك مار دنخا الرابع من خارج بيئة الخلافات والصراعات التي أحتدمت في العراق بين الجهتين عندما كان أسقفا في إيران. وهنا يجب أن لا ننسى بأن إيران كانت مرجعاً مهما لنشؤ الوعي القومي الآشوري ومركزاً لتأسيس منظمات قومية وثقافية. والأكثر أهمية من هذا وذاك هو كون قداسته غير وارث لكرسي البطريركية ومن غير العائلة البطريركية الشمعونية التي كانت طرفاً رئيسياً في هذه الخلافات والصراعات.

ضمن هذه البيئة الجديدة لبطريركين جديدين في السياق التاريخي لكنيسة المشرق، وكلاهما من مواليد شمال العراق وفي ظل الدولة العراقية، في حين كان كل من سورمه خانم وشقيقها داود ومار شمعون إيشاي وماليك خوشابا وماليك يوسيب وماليك ياقو من مواليد تركيا وفي ظل العهد العثماني يشكل عامل جغرافي وزمني يجب أن يوضع بنظر الإعتبار. فضمن هذه البيئة، بدأ نوع من أجواء التفائل نحو توحيد الكنيستين فتم التراسل بين الجانبين ولقاءات بين البطريركين، وهو الأمر الذي أثار غضب وهيجان ماليك يوسيب الذي كان بصفة “رئيس المجلس المركزي ورئيس مجمع شيوخ الطائفة للكنيسة الشرقية القديمة” حيث كان يصف كنيسة المشرق الآشورية وأتباعها بـ “أعدائنا الشمعونيين” وداعياً إلى مقاطعتهم بل معاداتهم، كما جاء في رسالته الشخصية المؤخة في 02/06/1999. ويظهر من مضمون الرسائل ذات اللجهة القاسية المتبادلة بين ماليك يوسيب وأتباع البطريرك مار أدي الثاني، وتحديدا أعضاء اللجنة المركزية للكنيسة الشرقية القديمة كنزاع عشائري سلطوي بين أكبر عشيرتين من تياري السلفى، بعيدا عن أي خلاف فكري كنسي أو لاهوتي. هكذا أستمرت الحالة متوترة بين الطرفين حتى وفاة ماليك يوسيب.
وبالدخول في الألفية الثالثة بدأت تحركات البطريركين مار دنخا الرابع ومار أدي الثاني تثمر ببعض التفاؤلات نحو التقارب وتوحيد الكنيستين، فقام قداسة البطريرك مار دنخا الرابع ببعض الخطوات الإيجابية الكبيرة منها إلغاء قرارات البطريرك السابق مار شمعون إيشاي بخصوص تحريم مار توما درمو وغيره من أباء الكنيسة الشرقية القديمة وتمثلت قمة هذه الخطوات أيضاً في زيارته إلى منطقة نهلا في شمال الوطن والمعروفة عن أهلها بولائها الصميمي للكنيسة الشرقية القديمة ولماليك يوسيب حيث أستقبل إستقبالا كبيرا من أهل المنطقة وألتقى قداسته بغبطة المطربوليت مار توما كوركيس وبماليك بولس (بول) أبن ماليك يوسيب الذي كان برتبة نقيب في الجيش العراقي وبعد  سنوات من عودته من الأسر في إيران رقي إلى رتبة لواء، وهو معروف برسوخه بأرض وطنه وبقاءه في بلدته نهلا ومدافعاً عن الأراضي المتجاوز عليها من قبل الجيران رغم تيسر له طرق هجرة الوطن إلى المهجر وهو أمرُ، سواء أتفقنا مع فكره وأراءه القومية والسياسية أم لا، يستوجبه التثمين والتقدير في مقارنته مع هؤلاء الذين “يناضلون” ليل نهار في “تحرير آشور” وهم قابعين في بيوتهم الدافئة في المهجر ولا يتحركون قيد أنملة نحو أراضيهم وقراهم في الوطن المتروكة والمسلوبة.  كما قام قداسة البطريرك بزيارة ماليك كوركيس ماليك زيا البيلاتي زعيم عشائر تياري السلفى في منزله في بلدة قلعة دزه في شمال العراق حيث كان مديرا لبنك الرافدين هناك رغم كون الكثير من أبناء عشيرته من أتباع الكنيسة الشرقية القديمة، ولكن بشخصيته المرموقة وبمواقفه الحكيمة في الوقوف على مسافة واحدة بين الطرفين أكسبته سمعة طيبة وأحترام كبير من قبل الجميع، خاصة من قبل قداسة البطريرك مار دنخا الرابع. كل هذه الظروف التفائلية ساعدت على أن تتوسع مجالات اللقاء بين أباء الكنيستين سواء في الوطن أم في الدول المجاورة أم في المهجر وتفسح المجال لازال بعض الخلافات، فكان قرار قداسة مار أدي الثاني شجاعاً وجريئا عندما قام بإجراء إستفتاء حول تبني التقويم الغريغوري (الجديد) لكنيسته بدلا من التقويم اليوليالي (القديم) فيما يخص عيد ميلاد سيدنا المسيح، فأيدته غالبية مؤمني الكنيسة إلا أن البعض من خلفيات النزاعات العشائرية الماضية رفضوا الإستفتاء وتمسكوا بالتقويم القديم للاحتفال بعيد الميلاد، فكان كرم قداسة البطريرك كبيراً وسماحته واسعة لكي يسمح لهؤلاء بممارسة طقوس عيد الميلاد حسب التقويم القديم. وهذا أمر يوحي بأن أي خطوة نحو وحدة الكنيستين سيقابلها مثل هذه النزعات وتحول دون توحيد الكنيستين ولربما إنشقاق آخر وكنيسة أخرى.
سادسا: خاتمة وإستنتاج:
————–
من كل ما تقدم، نقول بان الخلافات العقائدية اللاهوتية الكنسية بين الكنائس الثلاث الكلدانية والسريانية والآشورية وتعثر الوصول إلى حل لها أو التخفيف منها هي مرتبطة بأسباب خارجة عن إرادة هذه الكنائس، كما هو الحالة الخاص بالكلدانية مع الفاتيكان والسريانية مع القبطية والآشورية مع إصرارها بإستقلاليتها، فكان لهذه الخلافات تداعيات خطيرة على المستوى القومي بحيث خلقت أو أصبحت هذه الكنائس مصادر، سواء أكانت طائفية أو قومية لإنتماءات أبناء شعبنا وتحديد هويتهم بها وإنعكاس ذلك في معظلة التسميات القومية الثلاث التي يعاني شعبنا منها. ولكن مع كل هذا غير الممكن يجب أن لا يترك الممكن والمتمثل في ضرورة اللقاءات والإجتماعات المشتركة بين هذه الكنائس الثلاث من أجل الوصول إلى تفاهمات أو أتفاقيات وتوحيد الخطاب الكنسي وبصوت واحد وهدف واحد ومطلب واحد لعل قد يسمعه مؤمني هذه الكنائس وغيرهم ولربما يكون عامل في بناء ثقة أقوى بمؤسساتنا الدينية ويساعد ذلك على تثبيت الوجود المسيحي في أرض الأباء والأجداد.
أما بالنسبة للخلافات بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة فلا أساس عقائدي أو إيماني أو لاهوتي لها إطلاقاً، بل كل ما في الأمر أن أساسها داخلي مرتبط بالنزعة العشائرية التي توارثها بعض الشخصيات البارزة في هذه العشيرة أو تلك وفي جوانبها نزعة نحو السلطة والقيادة. كما ويجب أن لا ننسى بأن في بعض أخاديد ومفاصل كنيسة المشرق الآشورية نظرات غير متحضرة وبعضها إستعلائية تجاه الكنيسة الشرقية القديمة وأبائها، فإنسحب كل ذلك على المستوى الكنسي فقسمت إنتماء شعبنا إلى كنيستين ولكن ليس لها تداعيات على المستوى القومي والإنتماء القومي، فالكل، سواء أكانوا من مؤمني كنيسة المشرق الآشورية أو الشرقية القديمة إنتماؤهم آشوري. ومن الملاحظ بأنه خلال السنوات الماضية خاصة بعد تأسيس أحزاب سياسية قومية وتطور المستوى التعليمي والثقافي لمؤمني الكنيستين والتشارك في مواجهة التحديات التي عصفت بالكنيستين بدأت مثل هذه النزعات العشائرية والإختلافات بالتآكل شيئاً فشيئا أمام تقدم العصر بحيث لم يعد هناك أي عائق كنسي أمام أي آشوري سواء أكان من هذه الكنيسة أم تلك الإنضمام إلى هذا الحزب أو المؤسسة أو النادي أو إلى ذاك. من هذا المنطلق وبإعتقادي الشخصي بأنه رغم عدم توحد الكنيستين، المشرق الآشورية والشرقية القديمة، فأن العصر والتقادم الزمني كفيل بذلك ان لم يكن عاجلاً فبالتأكيد سيكون آجلاً. ولا يصمد مثل هذا الإنقسام القائم على أسس غير لاهوتية عقائدية أمام تطور العصر والإنفتاح الفكري في الألفية الثالثة.

© 2021 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی