بقلم الكاتب اللبناني 

عصام محمد جميل مروّة

قبل الدخول في متاهات والاعيب الاحزاب الغربية في معظم دول اوروبا ومنها الدول الإسكندنافية التي تُشكِلُ حاجزاً وحافزاً مهماً مع شرق اوروبا منذ تاريخ الحروب المتعددة . ولكن تمكن الاتحاد السوفياتي تقسيم اوروبا بعد حرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ واصبحت الدول تلك اي الاسكندنافية ومنها مباشرة المملكة السويدية ،والمملكة النروجية ، اللتين لهما حدود مباشرة برية وبحرية مع الإتحاد السوفييتي.

منذ ذلك التاريخ وهنا نتحدث عن دور احزاب اليسار والشيوعية منها وإن إختلفت الاسماء تحت شعارات العمال ، والعلمانية،  والاشتراكية ، والليبرالية،  إلا ان جوهرها يبقي مستند الى نظرية الماركسية اللينينية التي صارت قرينًا للأحزاب تلك “” المناهضة لليمين المتطرف والمحافظين الجدد “”  الذين لهم تاريخ طويل في حكم الكومونات كالتي كانت سائدة في معظم دول اوروبا في فرنسا ،والمانيا ، وايطاليا، وسويسرا ،واسبانيا ، ومملكة النمسا ، وحتى عندما تركت اثارها الثورة الفرنسية في اواخر اعوام ١٧٧٠ وصاعداً ، بدأ الانقسام في فوارق الطبقات الشعبية على كافة الاصعدة في اوروبا بعد اندلاع الحروب الكبرى ارست معالم التقسيم في جوهر الصراع على السلطة وتبوّأُها ، وكان التنافس جلياً عندما انقسمت اوروبا بين غربي ولهُ جوانب غنية ، وما بين شرقي ولهُ ما يشبه الشعبوية ، التي إستفادت من حالة الثورات الفرنسية التي شكلت معالم الحرية والاخاء والعدالة. والروسية مطلع اعوام ١٩١٧ وصاعداً وكان نمطها السائد بروز احزاب اليسار التي تمكنت من منافسة مهمة وحصرت نضالها وصراعاتها ضد الغول الرأسمالي نتيجة تحكم الدول الامبريالية في ثروات الشعوب .

العودة الى تحقيق اليسار النرويجي اختراق كبيراً داخل صفوف الشعب النرويجي الذي عاش ظروف امنية خطيرة وصعبة بعد انفجارات مباني ومقرات الحكومة وتدمير مركزها عندما تم تهييج الشباب اليميني وكان التحريض جداً خاصاً عند الإرهابي ” اندريه بهرين بريقك ” الذي تمكن وحيداً ربما في ملاحقة اليسار وحزب العمال وكان المخيم الصيفي لحزب العالم والشبيبة قد تعرض لمجزرة تم ذبح الشباب على اياديه المقززة للأبدان .معتمداً اثناء محاكمته تحميله مسئولية فتح ابواب النرويج على مصراعيها لتقبل فلول المهاجرين والمشردين من دولهم مطلع ابواب واعوام التسعينيات من القرن الماضي ، حيث كانت التجمعات تلك قد تركت اثراً عنصريًا غير مسبوق لدي المجتمع الاسكندنافي المنغلق والنروجي خصوصاً بعد الإفساح من قبل حزب العمال النرويجي الذي كان جديراً في رعاية اتفاقات السلام بين اسرائيل من جهة ،ومنظمة التحرير الفلسطينية ، من جهة اخرى ، وادى ذلك في ١٣ ايلول ١٩٩٣ الى ما تعارفت عليه اتفاقات اوسلو الشهيرة . وتم توقيعها في حديقة البيت الابيض تحت رعاية بيل كلينتون الراعي للإتفاق بالتنسيق مع الحكومات الغربية الاوروبية واوسلو . حيث دارت المفاوضات السرية اعواماً طويلة وكانت نتيجتها بروز دور المملكة النرويجية وتألق قيادة حزب العمال في إرساء مجريات المفاوضات من ابواب تحقيق السلام لما سُمىّ الدولتين على ارض فلسطين المحتلة والاعتراف العربي الرسمي ومنح اسرائيل حقاً في وجودها .وكانت حينها رئيسة الوزراء النرويجية ” غرو هارليم برونتلاند ” والامين العام الحالي لحلف شمال الاطلسي الناتو ” يانس ستولتينبيرغ ” قد بلغا في قمة العطاء لتنمية دور حزب العمال .

ومن هنا كانت منظمات اليمين المتطرف تخوض دورات في اعادة استلام سدة الحكم ومنع احزاب اليسار متابعة مسيرتها الانفتاحية في فتح ابواب اوسلو امام الامواج من اللاجئين الفارين من مناطق الصراع واخطرها نزاع الشرق الاوسط .

الاحزاب اليسارية اليوم حققت فوزاً ساحقاً بعد ثمانية اعوام من تمكن حزب المحافظين التي تتزعمه رئيسة الوزراء “”ارنا سولبيرغ  “” التي قادت النرويج في احلك الظروف ، وتم حينها اعطاء الحكومة اوراق لم تكن هينة في ما يخص مواضيع داخلية مهمة استفاد الشعب النرويجي مباشرة من “الثروة النفطية”  وتطورها يوماً بعد يوم وكانت المشاريع الإنمائية التي اتخذتها الحكومة قد شكلت حلفاً معارضاً لأحزاب اليسار تحت غطاء المعارضة التي تضم حزب العمال النرويجي ،وحزب اليسار الإشتراكي ،وحزب الوسط، والتحالف الاحمر الشيوعي ، مما اعطاهم زخم إنتزاع دور مهماً لليسار بعد ثمانية اعوام من حُكم ارنا سولبيرغ اليمينية المحافظة .

طبعا هذا الانتصار لم يأتي الا بعد توصل الاحزاب اليسارية في مواجهة الحكومة اليمينة وإعتبارها ساقطة وغير مجدية في المشاريع المهمة الكبرى خصوصاً في إتهام اركان الحكومة الحالية في عدم جدارتها بعد تجارب ثمانية اعوام في فشلها لتطبيق برامج تهم انتاج النرويج في مجالات النفط والعوائد الاخرى ، وصولاً الى موضوع المناخ والبيئة ، على سبيل المثال الثروات الصناعية في  التميز عن اوروبا واسواقها خاصة بعد الانتخابات التاريخية المهمة في محاولة جعل المملكة النرويجية عضواً في الاتحاد الاوروبي ، ومن المؤكد ان حياد النرويج وعدم الدخول الى الإتحاد ليس ملفاً جديداً بل يعود الى عام ١٩٩٥ بعد انتخابات حول الإنضمام او عدمه ، وذلك لأسباب تنامي وصعود الانتاج النفطي المتسارع للنرويج .  واهمية دور انتاج الثروة المستدامة من عوائد الصيد البحري للأسماك وهناك انتاج ضخم للسفن واهمية لعب دور النرويج مؤخراً في حلف شمال الاطلسي الناتو خلافاً لغيرها من جيرانها كونها كانت محطة ومركز تجمع للقوات الاميركية المنتشرة في دول تجاور الاتحاد السوفياتي منذ الحرب الباردة .

هناك احداث ومواقف مهمة قد غيرت مجريات تسارع تحقيق اليسار تقدماً في الانتخابات التشريعية النرويجية التي تم اجرائها وكانت نتائجها في “” ١٣ ايلول من الشهر الماضي “” صفعة تقبلها اليمين عقب ندوات وحوارات عميقة خاضتها الاحزاب وكان التحضير لها منذ مطلع العام الحالي حيث اصبحت  تتزايد الاعداد

لأعضاء احزاب اليسار في ضواحي مدينة “”  اوسلو الشرقية  في Stovner – Grorud ” ، التي يسكنها اكثرية من تجمعات اهالي وابناء المهاجرين واللاجئين . وهنا كانت معظم الندوات تضم احزاباً عمالية حيث ترك حزب العمال اثراً بعد كل لقاء مع الباحثين في منح تلك الاجيال في اندماجها واعطائها حقها في المواطنة ورفض العنصرية وتحميل المسئولية على الجميع عندما يتم ادراج منح فرص العمل والدراسة والمجالات الاخرى .

(( يوناس غار ستوري  )) الامين العام لحزب العمال الذي سوف يشكل الحكومة العتيدة مع احزاب يسارية مهمة وليس لها تاريخ قديم في السياسة النرويجية وربما استفادت من بعض اصوات اعضائها الشعبوية نتيجة الخطاب الذي يفهمه المهاجر من اليسار اكثر مما يتلقفهُ من احزاب السلطة اليمينية .

حزب ال ” Sv  ” وامينه العام””  اودون سولباكين  “” قد ركز في حملتهِ الانتخابية على منح اهمية ابناء الجاليات المهاجرة ابواباً وفتحها امامهم إعتباراً من المساواة وتناسي اللون والدين ونقد العنصرية ونبذها مهما كلف ذلك . وهناك فعلاً تطبيقاً وليس كلاماً بعدما تم وصول اول سيدة محجبة إلى البرلمان النرويجي ” الستور تينغي -Stortinget ” ، وذلك يعني الكثير بالنسبة لأبناء العائلات المهاجرة .حيث نجحت وفازت عن لوائح الضواحي الشرقية في اوسلو ” ماريان حسين ” التي انخرطت في صفوف ال “Sv ” منذ بداية عملها في مجال الخدمات المحلية الطبية في دائرتها من ضواحي العاصمة .

كذلك كان حزب ” Rødt ” الاحمر او التحاف الشيوعي الذي كان وحيداً قد وصل الى البرلمان النرويجي منذ اربعة اعوام ها هو اليوم يصرح النائب ” بيورنار مونيكسيس ” عن فوز لوائح الحزب في تقدم غير متوقع نيلهِ وحصوله على ” ثمانية مقاعد ” حصدها نتيجة تعامله مع مجموعة من ابناء الجاليات الذين لهم تاريخ مع اهاليهم في تأييد اليسار في بلادهم وفي المملكة النرويجية .

ورأينا تنامي حزب  ” Senter parti” حزب الوسط بعد التحالف التام مع التجمعات التي تعيش في الارياف وتعتمد على الزراعة وعلى الفلاحة في توزيع النشاط والتوسع مع اليسار كنمط معادي للرأسمالية

ومن الممكن اعطاء وزارت سيادية ومهم الى رئيس ال ” Sp” – ” تريغفي فيدوم ” بعد مشاورات قد تؤدي الى إطالة عمر التحالف حسب ما صرح لعدة دورات لاحقة في الحكومة .

كذلك تمكن ” حزب الخضر والبيئة ” محققاً ومقتنصاً دوراً في الحكومة حسب التحالفات الجريئة التي يرعاها رئيس الحكومة المقبلة من حزب العمال ” يوناس غار ستوري ” في خلال اسابيع قليلة .

انتصار اليسار يعنى شيئاً جيداً ومهما في تاريخ الشعب النرويجي الذي يسعى الى محاولة مد الجسور مع الشعوب الاخرى وعدم الإنتقاص من اهمية كائنٌ من كان حتى لو لم يتوالد على الاراضي النرويجية كذلك فتح فصول جديدة في الإندماج التام تحت رعاية القدرات والنتيجة في جعل دورها منتجاً وليس عائقاً على الحكومة .

عصام محمد جميل مروة ..

اوسلو في – ٣ – اكتوبر تشرين الاول – ٢٠٢١ – ..