You Are Here: Home » المقالات ادبية-وثقافية » كتاب ” شخصيات تلكيفية” للمؤلف: ذنون محمد جاسم/نبيل دمان

عرض: نبيل يونس دمان

الكتاب من 104 صفحات، حجم متوسط صادر عام 2020، لمؤلفه الاستاذ ذنون محمد جاسم المولود في تلكيف- محلة شنكو عام 1968، وأصل عائلته من قرية عربية مجاورة ( قره خراب) تركوا القرية طلباً للمعيشة والى حياة أفضل. إنسجموا مع سكان تلكيف الذين غالبيتهم من الطائفة الكلدانية الى جانب مهاجرين تركوا مناطق سكناهم في وادي نيروي- ريكان قرب الحدود التركية عام 1962 وشكلوا نسبة لابأس بها في البلدة.
نشأ الطفل في محلات تلكيف واختلط مع الصبية الاصليين وجلس معهم على مقاعد الدراسة، فاكتسب منذ الصغر نباهتهم وحبهم للعمل والتحصيل وأقتناص الفرص، اهم خطوة خطاها الصغير ذنون هي تعلمه اللغة السريانية المحكية بلهجة اهالي تلكيف، فأجادها واصبح يخاطِب ويخاطَب بها دون ان يميز احد لكنته عن باقي السكان.

     دارت نوائب الدهر على أهلها وكما يشير مؤلف الكتاب في اكثر من موضع المأزق الذي وقعت فيه جراء مقتل شخصين موصليين في ظروف غامضة، وكان رد الفعل عنيفاً وغير منصفاً في سوق مجموعة من ابنائها جوراً الى منصات الاعدام، كما وعوقبت مجاميع اخرى من ابنائها بشدة ومنهم رجال الدين بسبب ذلك اعتبارا من عام 1963، مما احدث بلبلة بين السكان فاشتدت الهجرة الى الخارج وتركيزاً الى اميركا، التي دشنها مغامرون من تلكيف منذ اواخر القرن التاسع عشر، فتمركزوا في مدينة ديترويت ونجحوا في اعمالهم وكدّهم وشقائهم لبلوغ الآمال، وتكوين قاعدة قوية صارت ركيزة هامة لهجرة من تبقى تدريجياً.
ومع إزدياد مصائب العراق وظروف الاحتراب والصراعات الدامية والحروب الداخلية والخارجية التي تعددت وإتسعت، فتطلبت وقوداً من الشباب المجندين وكانت أبشعها تلك التي استمرت ثماني سنوات، احرقت الأخضر واليابس ولم تصل مبتغاها في الوصول الى القدس عن طريق طهران! ، بل ولدت حرب اخرى وصلت اضرارها الى كل ناحية في العراق عقب مغامرة احتلال الكويت، وما نتج عنها من خسائر فادحة في الصفوف الشعب العراقي قبل غيره، اوصلت الى دخول القوات الدولية واحتلال العراق، ولم تنته مشاكل تلكيف ومعاناتها حيث كانت الخاتمة دخول داعش المشبوه بين عشية وضحاها، ليجثم على صدر ما تبقى من اهاليها الذين فضلوا ترك مساكنهم وعقاراتهم وأشغالهم، ولم تنجوا كنائسهم ومراقد ابائهم واجداهم من التخريب والتدمير، كل ما كتبته قد عبر عنه المؤلف بشكل او بآخر بين ثنايا استعراضه لمجموعة منتقاة ومعززة بصورهم من المسيحيين والمسلمين.
يعبر المؤلف بكل جوارحه وجوانحه عن حبه لأهالي تلكيف ومن أعماق قلبه، وقد لمست ذلك من خلال افكاره الجريئة التي يطرحها، وحتى يصل للتعبير عن آماله ان يرى هجرة معاكسة الى تلكيف وإحياء محلاتها الشهير والتي بقيت اسمائها رسميا وشعبياً متداولة الى يومنا هذا.
هذا الشخص ليس لي معرفة سابقة به وعن طريق الصدفة شاهدت كتابه في يد صديقي الاستاذ كريم يلدكو، فاشتقت لقراءته وطلبت نسخة منه، فأرسل نسختين إحداهما لي والثانية الى القسيس ميخائيل بزي، وارسلتُ بالمقابل كتابي الموسوم ” القوش حصن نينوى المنيع” وعند وصولي اميركا شاهدت موضوعاً جميلاً عنه كتبه في صحيفة الزمان العراقية. ليست لدي مصلحة في الإشادة بقلم هذا الانسان ومن سياق قراءتي عرفت انه اصدر كتاباً اخر  بعنوان ” تلكيف بين الماضي والحاضر” اتمنى ان أقرأه يوماً.
عندما يأتي ذكر القوش في كتابه ينصفها ويكتب بصراحة عما يجول بخاطره عن هذه البلدة التي هي مسقط رأسي، فزادني فخراً قوله: …… تلك الناحية الحالمة والعاشقة لكل جو ثقافي فألقوش مدينة متحضرة وتلامس الحياة بشغف ورغبة وهي بيت غني بالموسيقى واللحن واللغة وكل مفردة سلسة.

     هنا في اميركا جالية كبيرة وقوية بمراكزها التجارية والوظيفية ، اتمنى ممّن لا زال يرتبط بالأرض الأم وبالبلدة العريقة سليلة حضارة نينوى العظمى في التاريخ، ان ينتبهوا لهذا الرجل ويقدموا له الدعم في مشروعه الثقافي- الحضاري لكي ينجح ويواصل جهوده، والتجربة التي تدور أحداثها في تلكيف جديرة بالدراسة والتعمق.
في عام 1990 لجأت مع عائلتي الى اميركا، وعندما يصادف عرض تلفزيون الجالية في ديترويت افلام فيديو عن زيارات ابنائها، كنت اسمع حديث السوق الذي كان تقريباً باللغة السريانية العريقة وبلهجة تلكيف المحبّبة، كثير من الأحيان اتصور بان المتكلم من سكانها الاصليين، وعندما يسأل المذيع عن اسم صاحب الدكان او المستطرق اتفاجأ بإسمه من الأخوة المسلمين، اجزم ان لا احد يميزهم أبداً في ازيائهم ولسانهم السرياني المكتسب اضافة الى لغتهم العربية الشقيقة، والاثنتان كما هو معلوم من جذر لغوي واحد هو السامية.
والان الى بعض الملاحظات التي رصدها قلمي:
1- في ص 8 تحت عنوان ( العصبية التلكيفية ) وان كان المؤلف يقصد حبهم وغيرتهم على بلدتهم ولكن البعض قد يفهم كلمة التعصب شيء آخر بعيد عن صفات اهالي تلكيف في رقة المزاج والرويّة والانفتاح على الآخر.
2- في ص 9 يرد صدق المشاعر في قوله: ان ما اراه ليس كما انت تراه اني استنطق الجدران واشعر بموج من الأرواح تزاحم المارة عن رجال رحلوا وعن نساء بتن كأي همس يرفق الذات…… .
3- ص 11 القائمقامية في موقعها الحالي لا يمكن ارجاعه ويمكن اذا طالب اصحابها بتعويضهم في ارض اخرى لبناء كازينو جديد او اي مرفق آخر اذا قدر لأولادهم او أحفادهم العودة يوماً الى تلكيف.
4-  في ص 13 ورد مثل جيد ينبغي الاحتذاء به ” في يوم ما شاهد احد الخبراء بالمياه من ان هناك مجموعة تصلي صلاة الاستسقاء وبعد الانتهاء منها جاء امامهم وقال لهم انتم كسالى تدعون الله بكل شيء حتى وان كان متوفر لكم فهنا مياه عظيمة في باطن الارض بإمكانكم الحصول عليها في اي وقت وحين……….. .

5- ص 17 موضوع ” نينوى والرعاية الالهية لها” شيّق لا استطيع استقطاع جملة منه ، لانه متكامل وينبغي لكل ذو بصيرة التعمق في فحواه.
6- ص 19 … وما زال بحّودي معلق على حبال المشنقة وهو يتلقى عقوبة لا ذنب له فيها سوى مرارة تعتصر في قلبه من هول جحيم زج فيه وهاي هي تلكيف الان ارض وجدران وقلم يتجول بين قناطر سيسي وبين درابين اسمر وبين معامل راشي العم بحي قسطو او معمل مونة لجمال أبون.
7- ص 25 ” … وتذكر درابين شعيوتا وانت تمر فيها ومنها الى سامونا وامامك تجلس العمة شمّمته وهي تنظر اليك بإبتسامة فيها من براءة تلكيف وفيها من ألق بلدة حملت حياه وحياة وتذكر صيحات من ابو عزيز وهو ينادي بصوت مرتفع: ايكا بشلخ نديمه كيبن دزالي لشوقا.
8-  ص 57 ” حين اعلنت عن نيتي رسم بعض اللوحات عن ماضي واثار تلكيف ورسم شخصية العم عيسى يوسف وحين علم صاحبه العم حسن الخضير بهذا الأمر جاءني وتحمل عناء الطريق وهو رجل كبير في السن وتكفل مشكوراً بكل تكاليف هذه اللوحات دلالة على اعتزازه برفيق دربه وجمالية ما كان بينهم من وشائج علاقة وصداقة غنية عن كل ذكر… .
9- ص 62 ” وتلامس جمالية الطير في عشه مياه هي وكل ما فيها رقراق كأنه سلسبيل في مجراه… وشنكو تلك التي تلامس الجمال في رقة وتحاك الارض في كل ابجدية تلك التي تلين مع ازهار الربيع نهر… سلاماً لطيبك شنكو ولمساحات عامرة تعج بالحنين والشوق الى وجوه رحلت والى اقدام ما زالت تتمنى العودة اليك… .
10- ص 67 ” … ولا شك ان ثقافة المدينة وما فيها من طابع منفتح قد أثرت على جميع العرب ممن جاء الى تلكيف في فترات مختلفة واعطتهم هوية جديدة هي خليط بين ما كان يملك من ايجابيات ومن سلوكيات حسنة مع ما في المجتمع الجديد من سعة في الثقافة واطلاع على مستجدات الحياة والايمان المطلق بوحدة الانبياء والرسل من نشر لمعاني الحياة العامة وما فيها من تقبل الآخر.
11- ص 70 متحدثاً عن دشتو الريكاني ” هناك في ريكان ولد شاب جميل الطلة فيه نبض اشوري دليل على ما فيه من انتماء عميق لجذور ما زالت شاخصة ولد في عام 1957 هناك ولأسباب تلزم حروفي الصمت في ذكرها ترك تلك الارض وحل في تلكيف في عام 1961 لتكون له الارض والمستقر والبداية لحياة ما زالت تدور في فلك الغربة” .
12- ص 74 متحدثاً عن ذنون يونس احمد ” تجلت لك حياة الامس فاغدقت اليك بما اغدقت من مكارم وافاضت لك برحلة وباخرى الى عالم غني بكل سورث وبكل مفردة من بشينا تعانق كل همس جميل يرمي بظله الى مساحات تنهل من عبق الحياة …. في عالم تلكيفي تصوغ معانيه حارات من عبرو ودرابين ضيقة تؤدي الى سامونا لتترك في شعيوتا بعض النواميس الحالمة لتنسج ايات من مرحلة الطوفان وما فيها من صرخات ما زالت تتردد كلما حملت السماء من غيوم وكلما صبت في ارض تلكيف امطارها”.

13- ص 97 ” مما قيل يوم وفاة عموني حكيم الجرابعة عام 1982 ان امراة تلكيفية حين علمت بذلك وان العم عموني قد تم دفنه قالت بالنص: يا حيف على صاحب هكذا عقل يدفن تحت التراب لو كان بالامكان من اخذ عقله وتوزيعه على الناس لكانت نصف البشر استقامت. ”
الآن وقد رست سفينة العرض على شاطئ ثابت آمن، اشد على يد المؤلف جودة ما كتبه بحق بلدة ما زالت امواج البحر ترتطم بها، وحتى تستقيم عقول الناس كما قالتها الإمرأة التلكيفية، تكون لنا عودة مع ما ينجزه يراع الاستاذ ذنون محمد في قابل الايام وما زال الطريق امامه واسعاً.
 لنختتم موضوعنا بنموذج من اشعاره:

ذكرت تلكيف وذكرت
ما كان فيها
وعن سحر كان يحاك
كل معانيها
عن اناس رحلت وعن
درابين بانت كل بواديها
عن حلم افترش على
كل جدار وعن فتاة كنت
من ماء البئر ارويها
سلاما لك تلكيبي في
كل وقت وسلاما
لمقاهيها ونواديها
nabeeldamman@hotmail.com
California on October 1, 2021
&&&&&&&&&&&
&&&&&&&
&&&

© 2021 جمعية نينوى في النرويج · اشترك في : الموضوعات التعليقات · | تصميم الموقع : | : متین جمیل بناڤی